بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbc@yahoo.com
الإنسان ( بطبعه ) يميل للفوضى حتى في وجود الوازع الديني .. فمنذ عملية الاغتيال الأولى في البشرية حين اغتال قابيل أخاه هابيل .. والنصوص الدينية تهبط على البشر كما تهبط الأمطار .. ويتم إرسال الأنبياء .. نبي وراء نبي حاملين معهم كلمات الإله للحد من الفوضى .. لكن .. يتم التلاعب بالنصوص وبكلمات الإله .. أو التلاعب بتفسير النصوص وبتفسير كلمات الإله .. لتبرير الفوضى .. لإعطاء شرعية للفوضى .. إعطاء الحق في القتل والسحق والتدمير .. كل أطراف الصراع تدعي أنها ( عيال ) الله وأحبائه .. ويُعْجِبُكَ قَوْلُهُم .. تصفق لهم .. تتحزب إليهم .. وَيُشْهِدُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْوبِهِم .. وَهُمَ في واقع الأمر .. أَلَدُّ الْخِصَامِ .. ومن ثم فالنتيجة كما نراها اليوم في وطننا بين أطراف ( ضالة ) .. نظم ضالة .. دول ضالة .. قرى ضالة .. أفراد ضالة .. جماعات ضالة .. قبائل ضالة .. كل شئ ضال .. وكل ضلال .. يمارسه ( كل هؤلاء ) باسم الله .. والضحية اليوم .. يصبح غداً جلاد .. وجلاد الغد .. يصبح ضحية أفعاله بعد غد .. وهكذا .. في دائرة مغلقة سوداء لا تحتوى على منافذ للخروج .. الهروب .. النجاة .. ثقب أسود يمتص انسانيتنا فنفعل أفعال الطغاة والتاريخ ملئ بملايين القصص عن بشر ( من جميع الأديان ) ظنوا أنهم أقرب إلى الله بقتل كل من خالفهم في العقيدة أو المذهب .. بالفعل نحن ميالون للفوضى .. ولولا رحمة من الله بثها في قلوب ( أطفال ) تعيش بيننا كالملائكة لتم اختصار الزمن وقامت القيامة !!
فن بطعم الإنسانية
من أنا
الخميس، 28 يونيو 2018
الميل للفوضى
من أجل تواصل إنساني نقي
عندما يتواصل الناس .. أو يبحثون عن التواصل .. خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي .. يكون الدافع ( نفسي ) .. دافع يكمن في عدم الفهم الكامل ممن يحيطون بهم لأفكارهم .. دافع بأن تنفجر الشخصية الحقيقية للذات في محيط افتراضي قد يرضى عنها .. يرضى عن أفكارها .. جنونها .. اتزانها .. خوفها .. تمردها .. أو لا يرضى عنها .. فتنسحب في هدوء دون إن يحرز أحد في نفسيتها ( جول ) لصالحه على حساب إنسانيتها.
لكن .. ماذا يحدث لو استشعر أحدنا ) بأنه قد تواصل بالفعل مع آخرين يشبهونه ؟؟ .. عندما ندرك أن مجموعة من الناس الذين لا نعرفهم قد فهمونا .. قبلوا ( ذاتنا ) كما هي .. تآلفوا مع هذا الجنون .. أو الاتزان .. مع هذا القلق .. أو التمرد !! .. ( أتصور ) أنه ينتابنا بشكل تلقائي شعور بالراحة تجاههم .. شعور بالعشرة .. بالحميمة المجردة .. قد تكون هذه المشاعر ( عابرة ) .. مؤقتة .. وقد نساهم نحن ( بوعي ) إنساني أن ندفعها لأن تكون كذلك .. لكن في ( خالص ) الأمر .. نؤمن في قرارة أنفسنا .. بأن هذه المشاعر هي ما نسعى إليه .. ما يجب أن نعيش من أجله .. نعيش من أجل تواصل إنساني نقي .. مسالم .. متغاضي .. طيب .. يبث في أرواحنا بعضاً من السكينة التي افتقدنا جزء كبير منها في محيطنا الضيق والمزدحم. !!
روح الكلمة
الكلمات ليست ( ذات ) ميته .. إنما كل كلمة هي ( روح ) صامته بأسرارها .. حتى تنطقها قولاً أو .. فعلاً أو .. كتابةً .. فيتلقاها ( الآخر ) .. تتلقاها ( روح ) الآخر .. فإذا تناغم التلاقي .. كانت الكلمة سر ( التآلف ) .. سر ( التعارف ) .. أما إذا تصادم التلاقي .. كانت الكلمة سر ( التخالف ) .. سر ( المخاوف ) .. فالكثير من تجارب البشر ليس مدركاً بالحواس وإنما بالروح .. مسائل كثيرة نمارسها ولا نستطيع التعبير عنها بنطق العبارة .. نعجز في التعبير عنها بالكلمة المسموعة .. لكن نفعلها بروح الكلمة المكتوبة .. أو الكلمة حين تفصح عن ( سرها ) العيون .. القلوب .. الأرواح .. في صمت معجز .. وتكمن معجزته في ( روح ) الكلمة .. سرها الصامت بهذا الصمت الجليل .. الذي لا يدركه سوى أصحاب الأفئدة وولاة البصائر.
الأربعاء، 27 يونيو 2018
الكبت والزهد
الجسد والنفس في الذات البشرية هما أساس بناء الشخصية الإنسانية البسيطة أو المعقدة .. ولذلك فإن من أبشع الأمور التي يمارسها بعض الناس تحت وهم أو دعوى التدين أو الحفاظ على الأخلاق هي ( كبت ) انفعالات الجسد وخنق رغباته .. الأمر الذي يؤدي إلى شذوذ انساني محض .. يصنع ذات مشوهه .. لذلك لا نتعجب حين قال الرسول الاكرم للثلاث رهط الذين جاءوه ليستحسن أفعالهم في كبت رغبات وانفعالات الجسد تحت وهم التقرب لله: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .. كذلك ( زهد ) النفس في الحياة .. في بهجتها .. في ملاحقة الحلم .. صناعة الحلم .. الأنس .. الحركة .. التفاعل مع حركة الحياة دون تحريم أو تجريم .. حتى تعي ( بالمشاهدة ) حدود مايشبهك فتفعله .. والنأي بالنفس عما لا يشبهك فلا تفعله .. مسألة أقرب لتقوية دعائم ( الإرادة الحرة ) .. امتصاص التجارب لتفعيل دقة اختيارك .. أحيانا نجد عالماً جليلاً وليست لديه القدرة على اتخاذ القرار فيما سيأكل أو فيما يرتدي أو فيما سيرتبط بها لتقاسمه حياته فيقعد طيلة عمره ملوماً محسوراً .. وعلى الجانب الآخر نجد ( جاهل ) أطلق لفطرته العنان فلم ( يكبت ) رغبات وانفعالات جسده .. ولم ( يزهد ) بنفسه في صناعة حلم وملاحقته .. فصار سوياً .. طبيعياً .. تملأ عينيه سعادة توحي لك ببساطته .. إن نظرت إليه .. سمعته .. تأملته .. اكتشفت أنك ينقصك الكثير رغم ماتحمله من شهادات .. لتكون مثله !!!
أول خطوة للتصالح مع النفس
كيف أتصالح مع نفسي ؟ .. سؤال يكاد يكون لسان حال الكثير .. هو يعرف الإجابة .. لكن تربية ( الخوف ) في مجتمعنا الشرقي خاصة تربية المرأة .. تدفع الناس ( للخوف ) من تنفيذ مسألة التصالح مع النفس بكل حزم .. لأنها ستفقده جزء ممن يعرفهم في مجتمعه ..خاصة وأن مسألة المعرفة في شرقنا المجهد تعتمد على ( الحميمية ) .. لا نستطيع وضع حدود نفسية فيكون هذا صديق حميم .. وهذا صديق .. وهذا مجرد صديق .. وهذا زميل وهذا أخ وهذا جار.. نخلط المسائل والعلاقات حتى نساهم في إحداث فوضى في أعماقنا لا نستطيع الفكاك منها بسبب إلتزامات نتجت عن هذه العلاقات المتداخلة في تشوه واضح .. وكلها بسبب تربية لم تقم على اسس بل قامت على انفعالات .. فاصبحت حتى العلاقات الزوجية قائمة على انفعالات وليست قائمة على ( وعي ) .. فنفشل عند أول اختبار يختبر وعينا ( الغير مدرب ) ونسقط في مخالب الحزن.
أول خطوة للتصالح مع النفس هي قطع العلاقة بشكل كامل وليس بشكل جزئي وبكل حزم وحسم مع أي شخص أدركت أنه لا يسبب لك سوى الحزن ونقد تصرفاتك والضغط عليك بالتزامات تأبى نفسك أن تعيشها حتى لو وصل الأمر أن تستبدل الجميع ( بكلب ) يعيش معك تحت سقف واحد كما يفعل أهل الغرب الأوروبي والأميريكي .. إلى أن تعيد ترتيب أوراقك باختيار مجتمع جديد يشبهك .. هذه العملية الجراحية للنفس ستدفعك في بدايات حدوثها أن تشعر بألم شديد في وجدانك .. شعورك .. قلبك .. لكن مع تدرج زوال الحزن بتدرج زوال المتسببين فيه .. ستطل عليك شمس يوم جديد لتجد نفسك إنسان مختلف .. إنسان أكثر أنسانية .. أكثر حرية .. اكثر إبداعاً.
الثلاثاء، 26 يونيو 2018
حتى تغشى القلب
في أحلك لحظات العتمة .. حينما لا تستطيع أن ترى أصابعك .. تسمع صوتك .. تفقد القدرة على ابتلاع نسمة هواء .. لحظتها .. ينتابك فيض نور .. خيط يبدأ بنقطه في فراغ محيطك .. ينبثق كوردة .. ثم تومض الوردة .. تومض بألوان كألوان قوس قزح .. ومن رحم الوميض تلامس سطح صدرك .. حتى تتحول إلى خيط .. يخترقك كطلقة رصاص تستقر في غرفة القلب .. حتى تغشى القلب .. فتتجلى عليك من عالم الروح .. روح .. فتستشعر الأنس بها .. أنس يحول كل ( العتمة ) إلى .. احد عشر كوكباً .. وشمس .. وقمر .. لنهبط جميعاً من خشيته في سجود مطمئن .. كأنك تسبح في ملكوت خاص .. ليس كملكوت السماء .. ولا ملكوت الأرض .. إنما ملكوت خاص .. أضواء تلاحقها وتلاحقك .. ملكوت كأنه العشق .. وعشق كأنك تراه .. فتنظر إلى انسحاق حزنك لا ينشزه .. ولا تكتسى عظامه لحماً .. فقط يتم إنشاء الفرح نشوءاً آخر .. كأنها البداية من جديد .. او كما بدأ اول خلق .. يعيده !!
الإنسانية .. العدالة .. الحرية ( من القصص السياسي )
( مشهد سينما خيالي لا يمت ولا يرمز للواقع بأي صلة وإن مس هامش من واقع فهو محض صدفة لا علاقة للكاتب بها )
انزعج العمدة ( عبد الجليل ) من كتابات هذا الصعلوك الحقير .. فأمر شيخ الغفر بأن يأتوا بهذا الضال صاحب المنشور .. ليأتوا به .. وينالوا منه .. فجاءوا به .. أجلسوه وحده في غرفة مظلمة بعد أن أزالوا الغمامة من فوق عينيه.. يومان كاملان لا يدري أين هو .. لا طعام .. لا نوم .. فقط ( دورق ) مملوء بالماء ليملأ به جوفه إن شعر بألم الجوع في معدته الفارغة .. لم يدخل عليه أحد .. لا أحد .. مسألة أقرب للحرب النفسية .. تكسير نفسيته ..
هزيمته دون أي مواجهة .. إنهم يمارسون معه نوعاً من الانهيار الذاتي .. يتركوه وحيداً حتى تقفز أفكاره السوداء بأسئلتها السوداء في فراغ الغرفة المظلمة ثم لا يجد سوى اليأس فيسقط .. وحين يسقط يستطيعون الحصول على كل ما يريدونه من إجابات .. هو لا يريد سوى ( الإنسانية ) .. عدالة العمدة التي تتيح حدود الرضا عند الناس ليمارسوا إنسانيتهم الطبيعية دون أن يعيشوا حالة من الانسحاق .. عدالة العمدة لتستشعر الناس النور .. عدالة العمدة في قريتنا ليمارس الفلاحين حرية وجودهم كبشر وليس كبهائم .. هذه هي إجابته الوحيدة التي يمتلكها .. لا يريد شيئاً آخر.
الجمعة، 22 يونيو 2018
قبل فوات الربيع !!
( قصة قصيرة جداً من واقع أحداث حقيقية ) لم تقوى على النهوض من سريرها .. فقدت الوعي .. هكذا دون أي تمهيد أو سابق إنذار .. شك أن ذلك بسبب سوء تفاهم حدث بينهما بالأمس .. هو دائماً لا يرتاح لبعض أسئلتها المتكررة .. تريد أن تعرف كل شئ .. كل شئ .. لكن .. لم يكن يتصور أن سوء تفاهم ( صغير ) من وجهة نظره .. يمكن أن ينال منها بهذه السهولة .. لم يدري ماذا يفعل .. فجأة وجد نفسه لأول مرة خائفاً .. فجأة وجد نفسه يخشى أن يفقدها .. فجأة صرخ في وجه الطبيب على الطرف الآخر للتليفون أن يحضر حالاً .. أن يترك حياته نفسها ويأتي .. لم يصدق مسألة الإنهيار العصبي المؤقت .. لم يصدق أنه يجلس وحيداً لا يفكر إلا في أن تنهض من غيبوبتها وتصفعه على وجهه .. لم يصدق أنه يشعر باليتم وكأنها لم تكن زوجته بل أمه وعمره ومحيطه .. لم يصدق أنها كانت كل البشر .. ظل شهر ونصف ساهراً بجوارها كالطفل الذي يخشى إن غاب عن أمه تخطفه ( أمنا الغولة ) ..
كان ينظر لعينيها الذابلتين أسفل جفونها المغلقة ويتذكر كل ما مر به معها من أحداث .. كيف وافقت أن تكون زوجته .. كيف قالت له أن أبنهما يشبهه تماماً لأن المرأة إذا أحبت صار الولد يشبه ابيه .. حين سافر أول مرة تاركاً إياها في منزل والدها فقالت له أن منزلها في قلبه وتمنت أن يعود سالماً حتى تعود هي من غربتها في غيابه .. نظر لجسدها المستسلم للنوم والمرض وبكى .. كانت المرة الأولى التي يعرف فيها طعم البكاء .. المرة الأولى التي يخشى فيها السقوط .. المرة الأولى التي يستشعر عظمة حبه لها .. في اليوم السادس والأربعين .. كان يستلقي بجوارها منتظراً ميعاد جرعة الدواء ليعطيها لها .. كان يمسك بألبوم صور الزفاف وهي بفستان الفرح .. لأول مرة يلاحظ أنها تمسك ذراعة بكلتا يديها .. فجأة .. سمعها بصوتها الضعيف وهي تقول: تلك عمتي التي تقف بجواري في الصورة وكانت دوماً تحذرني منك .. لم يصدق أنها استفاقت .. لم يصدق أنها تكلمه .. لم يصدق نعمة أنه يسمع صوتها .. قفز كالعصفور من شدة الفرح حتى اصطدمت رأسه ( بالنجفة ) المعلقة في سقف الغرفة فشجت رأسه .. لم يشعر بالألم .. كل ماكان يشعر به هو أنه أخذ يرقص في الغرفة كالمجنون .. يصرخ .. يضحك .. يقفز .. ثم هدأ فجأة .. انحنى على ركبتيه بجوار جسدها المستلقي في ضعف .. قبل رأسها .. رفع كفيها إلى فمه .. ثم أغرق رأسه في صدرها وهو يقول لها بكل صدق الرجل: آسف. بقلم: محيي الدين إبراهيم إسماعيل كاتب وإعلامي مصري
الخميس، 21 يونيو 2018
بهائم العمدة
( فانتازيا قصيرة جداً مستوحاة من أحداث تاريخية حقيقية )
ثارت قريتنا على العمدة ( الطاغية ) .. حررها الثوار بقيادة شيخ البلد من ( عبث ) العمدة عبد الجليل .. قرر الثوار في اجتماعهم الأول مع شيخ البلد .. توزيع اراضي العمدة بالتساوي علينا جميعاً .. لابد أن يأخذ كل منا حقه من العمدة .. لابد أن ينال كل منا ثأره من عبد الجليل .. هلل البؤساء للثوار .. إطمأن الجياع على شبع بطونهم في العهد الجديد .. أقيمت الأفراح والليالي الملاح احتفالاً بيوم النصر .. يوم أن نال كل بيت من بيوت القرية عشرة قراريط .. يوم أن إستولى كل منا على جزء من أراضي الطاغية ..
يوم أن أصبح كل فلاح فينا مالكاً وليس أجيراً في أر العمدة.
في أيام العهد البائد .. كانت قريتنا مشهورة بزراعة القمح وتخزينه وطحنه .. أما اليوم .. فكل صاحب عشرة قراريط .. يقوم بزراعتها ( خيار وبقدونس وطماطم ) أو سيموت من الجوع .. المدهش أن العشرة قراريط لا تدر على صاحبها ماكان يتقاضاه أيام العمدة عبد الجليل من دخل .. فاليوم نقوم بشراء العيش من البندر .. ( فلوسنا كلها رايحة على شراء العيش ) .. حتى ( بهائم ) العمدة .. ذبحناها لنأكل لحومها ونتلذذ بطعام العمدة وشرابه .. كنا قديماً .. ملوك القمح .. كنا نمتلك ( وابور ) طحين .. كانت كل القرى من حولنا تأتينا للتخزين وطحن الدقيق .. اليوم لا يأتي قريتنا ولا يطأها أحد إلا في فرح أو جنازة .. فقد توقف ( وابور ) الطحين عن العمل لإنعدام القمح .. وأصبحت صوامع الغلال لا تحوى إلا الفئران والثعابين.
بعد عام وبضعة أشهر .. أصبح حال الناس في قريتنا أكثر بؤساً من أيام العمدة عبد الجليل .. فزراعة ( الخيار والبقدونس والطماطم ) .. حرقت الأرض وأضعفت المحصول حتى اسودت الدنيا في قلوب الكل .. كان لسان حالهم يقول: ولا يوم من أيامك ياعبد الجليل .. هكذا الناس .. كلما جاعت بطونهم ثاروا .. وكلما ثاروا ندموا .. وكلما ندموا ثاروا من جديد .. حتى تلطخت أرض قريتنا بدماء الغضب .. والشكوى .. والحزن.
كيوم صلاة الاستسقاء .. خرج الفلاحون بنسائهم وأولادهم إلى ساحة القرية التي شهدت أيام ثورتهم الاولى ضد العمدة عبد الجليل .. وحين إكتمل نصابهم .. ذهبت هذه الجموع البشرية الغاضبة في مشهد أقرب لمشهد السعي بين الصفا والمروة في أيام الحج نحو دار شيخ البلد .. إنهم لا يريدون العشرة قراريط .. إنهم لا يريدون ( الخيار والبقدونس والطماطم ) .. أطل شيخ البلد من نافذة الدار فوجد أهل القرية جميعاً وعيونهم مملوءة بالغضب .. كان يجتمع معه في تلك اللحظة كل من شاركه من ثوار التغيير ( الصغار ) .. استشعروا جميعاً الخوف .. صعدوا يسبقهم شيخ البلد لسطح الدار بحثاً عن وسيلة للهروب .. استفز هذا الأمر جموع الغاضبين فلحقوا بهم وانقضوا عليهم .. وكما تفعل الكلاب الجائعة لم يتركوهم إلا جثثاً هامدة منهوشة البطون .. ثم قاموا بإلقائها جميعاً في مجرى ( الترعة ) .. قريتنا الآن بلا عمدة .. ولا شيخ بلد .. ولا ثوار .. أما الفلاحين .. فصار كل منهم يعمل أجيراً مرة أخرى .. ولكن هذه المرة عند عمد القرى المجاورة .. ليستطيع توفير أي دخل يسد به رمق جوع عياله !!
بقلم: محيي الدين إبراهيم
كاتب وإعلامي مصري
الأربعاء، 20 يونيو 2018
ستنجو
لا أحد يقدم لك النصيحة لوجه الله .. وإنما ليتسيد بها عليك .. ليستشعر أنه الأقوى .. الأكثر إتزاناً منك .. فلا تأخذ بها .. فقط أتبع قلبك .. ثق في نواياك .. وستنجو
ولا الضالين .. آمين ( قصة مستندة على احداث حقيقية )
درويش الأعمي .. ( مؤذن ) مسجد قريتنا الكفيف .. كان بيته على بُعد نصف ميل من المسجد .. لم يكن بيتاً بالمعنى المتعارف عليه .. فقط غرفة من الطين بسقف من ( سعف ) النخيل .. غرفة عارية تماماً من أي شئ .. كان فقيراً جداً لدرجة أنك تندهش من فقره .. بل وكأن الله خلق الفقر على هيئة درويش الأعمى !! .. توفى والده وهو في سن السابعة من ( عضة ) كلب .. كان يمكن أن تكتب لأبيه النجاة لو تم حقنه لمدة 21 يوماً بحقنة داء الكلب .. لكن أكتفى أهل قريتنا أن يرسلوا له حلاق قريتنا ( حامد أبو عيشة ) ليضع فوق الجرح الغائر من ( ناب ) عضة الكلب بعضاً من حبات الإسبرين المسحوق .. فمات المسكين بعد ثلاثة أيام وتم دفنه بملابسه فلم تكن تمتلك زوجته مايمكنها من شراء ( كفن ) .. لكنها تمكنت من تربية ( درويش ) قدر استطاعتها في خدمة بيوت الفلاحين الأثرياء .. كان درويش ذكياً .. يحفظ كل مايستمع إليه بمجرد أن يقال مرة واحدة .. في سن التاسعة كان قد حفظ القرآن لمجرد أنه كان يجلس في إحدى زوايا المسجد بعيداً .. يستمع للشيخ وهو يلقن أبناء الفلاحين دروس حفظ القرآن ليتمكنوا من دخول الأزهر .. كان أبناء الفلاحين بمجرد الإنتهاء من دروس حفظ القرآن يذهبوا إليه .. ثم يقيموا حلقة من حوله .. ثم يصرخون ويتصايحون وهم يرددون: الأعمي آهو .. الأعمى آهو .. حتى ينقذه من يدهم الشيخ رضا .. وحين مات الشيخ رضا .. كان درويش في الثالثة والعشرين من عمره .. ولم يجد أهل ( قريتنا ) من يتولى أمور الآذان وقراءة قرآن الجمعة وتحفيظ أبنائهم القرآن الكريم .. إلا ( درويش ) .. ورغم أنه عملُُ يرتبط بشعائر الدين إلا أنه كان أشبه بالعبودية .. أشبه بالسخرة .. استعبده أهل قريتنا .. فقد كان لا يحصل مقابل ذلك إلا على رغيفين من الأرغفة الفلاحي كل يوم وصحن خضار مطبوخ من بقايا البيوت كل يوم خميس وقليل من الجبن القديم تكفيه وأمه طيلة الأسبوع .. كان راضياً .. لم نسمعه يشتكي أبداً .. بل أننا لم نسمع له صوتاً إلا في الآذان وقراءة وتحفيظ القرآن .. حين كبرت أمه في السن لم تعد تقوى على ( سحبه ) من يده في كل وقت صلاة إلا صلاة الفجر .. لتدفع عنه الكلاب .. كان يخاف من الكلاب بعد موت أبيه من عضة كلب .. ثم تنتظره حتى تنتهي الصلاة وتعود به لغرفتهما لينام .. ثم يأتي طفل من أبناء الأثرياء يسحبه من يده قبل صلاة الظهر بساعتين ميعاد دروس تحفيظ القرآن الكريم .. ويظل درويش بالمسجد حتى تنتهي صلاة العشاء .. فيسحبه أحد المصلين لغرفته حيث تكون أمه في استقباله .. هي تعلم أنه جائع .. فلم يتذكره أحد طيلة يومه ولو بنصف رغيف ( حاف ) .. كان من شدة التعب ينام وهو يأكل ويستيقظ على صوت أمه قبل صلاة الفجر حتى يستعد معها للذهاب إلى المسجد ليؤذن للصلاة ويصلي بالناس .. في أحد الأعوام .. جاء الشتاء قاسياً .. عنيداً .. جاء الشتاء لا يحمل في رحم أيامه شفقة .. كان هطول أمطاره كطلقات الرصاص حتى غرقت غرفته التي ينام على أرضها الطينية إلى أن اصبح النوم فيها مستحيلاً .. مستحيل الصقيع .. ومستحيل السقف المفتوح على السماء .. ومستحيل الأرض المبللة دوماً بالماء .. كان الفلاحون يمرون من أمام غرفته يومياً أثناء عودتهم من الحقول .. ولم يفكر واحد فيهم رفع جزء من معاناة هذا الشاب البائس الفقير .. في الثالث من شهر ديسمبر .. خرج من صلاة الفجر متأخراً لدرجة أن أمه كاد قلبها أن يتوقف من شدة تأخره .. لكنها وجدته خارجاً حاملاً ( حصيرة ) من حصائر المسجد لينام فوقها مع أمه وتحجز بينه وعظامه وبين رطوبة طين أرضية غرفته .. وحين سألته عنها .. أجابها: هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .. حين أشرقت الشمس .. كان معظم فلاحين قريتنا يحملون ( فؤوسهم ) ويحيطون بغرفة ( درويش الأعمى ) لص حصائر المسجد .. ليهدموا الغرفة فوق رأسه ورأس أمه .. أول مرة تتحد قلوب فلاحين قريتنا على قلب رجل واحد .. دخل أحدهم الغرفة بالقوة .. سحبه بالقوة ولم يرحم ( عماه ) .. ألقاه كالكلب بين الفلاحين الغاضبين ليقيموا عليه حد السرقة .. وهنا .. هنا فقط سمعنا صوت درويش لأول مرة .. درويش الثائر .. درويش الغاضب .. نهض من سقطته وواجه الجميع: ماذا تريدون مني أيها الضالون .. يامن تتوسلون لله زوراً أن يكشف عنكم الضر وأنتم أهل ضر .. بلد شر وأهلها شر وأهل شر .. ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .. أنتم كالأنعام بل أنتم أضل .. تقرأون القرآن لايصل حناجركم من شدة ضلالكم .. وبخل نفوسكم .. وقساوة قلوبكم .. تلك القساوة التي دفعتني لمنزل العاطي الوهاب .. لبيت الله .. للرحمن الرحيم .. لمسجده .. لم أجد سواه لأنجو ببدني وأمي بحصيرة منه أفرشها فوق ارضية غرفتي لأستطيع أن أنام بعد أن أكل الصقيع جسدينا وكاد أن يقتلنا على مرأي منكم وليس فيكم محسن .. حصيرة من بيت الرحمن تحافظ على ماتبقى في جسدي من قوة أقوى بها على أن أصلي بكم عسى أن تلين قلوبكم التي كالحجارة .. ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .. ياكفرة !!
أجلس الآن بين صلاة المغرب والعشاء بمسجد قريتنا بعد التجديدات والتوسعة .. أجلس ممتلأ بالحماس لسماع بقية الحكاية من الشيخ ( عبد المعطي طناني ) .. مستندين أنا وهو على حائط غرفة ملحقة بالمسجد منذ ثمانين عاماً .. قرر الفلاحين بنائها للشيخ درويش بعدما أبكاهم بثورته وغضبه .. فعادوا من حيث أتوا .. ثم قرروا بناء تلك الغرفة له ولأمه ملحقة بالمسجد على أن يمنحوه مبلغاً شهرياً يعينه على المعيشة وأيضا ليحافظوا على ما تبقى لهم من عفو .. يعفو به الله عنهم وعن ماأقترفوه في حق درويش .. هب الشيخ عبد المعطي واقفاً فقد إقترب ميعاد آذان العشاء .. ثم أشار لي نحو شاب يقف بالقرب من المحراب ثم قال: عزوز .. حفيد الشيخ درويش الله يرحمه .. هو من سيؤذن لصلاة العشاء !!
بقلم محيي الدين إبراهيم
كاتب وإعلامي مصري
الثلاثاء، 19 يونيو 2018
قدس عشقها النور
وضع وجهه في حضن كفيه .. كان يستحي وهو ( العاصي ) أن تلتقي عينيه الخاسرتين .. بعينيها الملائكيتين .. كانت نزوة .. هو لا يستطيع إنكار ذلك .. لكن عشقه لها لم ينقص .. لم يذبل .. لم يفقد ركن واحد من أركان روحه .. لقد أخطأ الجسد مع غيرها مرة وحيدة وليتها لم تحدث .. إنما روحه .. مازالت تصلي في قدس عشقها النور .. هنا .. هنا فقط .. إلتقطت إذناه رنين خاتم الزواج وهو يسقط فوق سطح الطاولة التي كانا يجلسان عليها .. في نفس المكان الذي التقاها فيه .. أول مرة !!
القنديل الأخير
عند مفترق الطرق .. في صحراء مشاعره .. كان الظلام دامساً .. بينما رغبته في الوصول ( أبلغ ) من وجوده .. طريق واحد عليه أن يسلكه ليصل .. عليه أن يسحق الظلام ليسلك ( الطريق ) .. لا أن يسلك ( طريق ) ليسحق الظلام .. قفز في قلبه حتى أعمق نقطة في وجدانه .. كان هناك بقايا عشق قديم .. وظل باهت لوجهها الذي يعرفه .. ونقطة صغيرة استطاعت المقاومة من روح أشعلت في وجوده قناديل الحياة .. تناول القنديل الأخير .. وانتفض خارجاً يحمله حتى انسحق الظلام .. وبمعرفة الطريق .. سار نحو نقطة الوصول .. كلما سار .. تساقط حزنه .. الآن .. رغم أنه في منتصف المسافة .. يشعر بدفء وجهها الذي يعرفه منتظراً هناك .. عند بوابة عشقه القديم .. ينتظر بنفس طيبة الناسك .. ليبث في روحه .. ما سلبه الحزن من نور !!
الحاكم العادل
قال: الشعوب صنفين: صنف ( فقير ) حتى لو سرق ليغتني .. وصنف ( غني ) حتى لو تمت سرقته ليفتقر .. والحكام ثلاثة: ( ظالم ) يستعين بالأغنياء على الفقراء لإستقرار حكمه .. ( وضال ) يستعين بالفقراء على الأغنياء لاستقرار حكمه .. ( وعادل ) يستعين بالفقراء والأغنياء لاستقرار الوطن !
سألته: وأين نجد الحاكم العادل؟ .. أجاب: في الحكايات الشعبية عند المسحوقين !
الاثنين، 18 يونيو 2018
بينه وبين آثاره
معرفتك يحدها حاجز العقل .. ورؤيتك يحدها حاجز النفس .. فإذا نطق اللسان بما يحده العقل كان صمتك أبلغ في التعرف عليه من معرفتك .. وإذا احتد البصر بما تحده النفس .. كان عماك أبصر في تبصره من رؤياك .. فأنت بينه وبين آثاره .. من آثارة .. فأحتفظ بأثر وجودك .. تكن في إثر نوره.
وجود قربك
مهما دنت مسافة وجود قربك منه .. لا ينتهي إليه وجود قربك .. وإنما تبدأ ( آثار ) وجود قربه منك حتى تستشعرها بصيرتك .. فتطمئن نفسك لجلال وجوده .. فهو وسع كل شئ فلا تحده مسافة .. وأخفى من كل شئ فلا يصفه معنى .. وأظهر من كل شئ فلا يدركه بصر !!
الأحد، 17 يونيو 2018
إلا حزنه !!
قال لهم ماقاله هابيل ( لأخية ) قابيل: ( لئن بسطتوا إليّ أيديكم لتقتلونني .. ما أنا بباسط يدي إليكم لأقتلكم ) .. وقبل أن ينقضوا على عشقه ليسحقوه .. باغتهم بما فعله ( لوط ) .. أسر بعشقه بقطع الليل ولم يلتفت إليهم .. إلا حزنه .. أصابه ما أصابهم !!
آخر لا يعرف الاستسلام
إن تركت لهم ثغرة لينتصروا عليك .. ثغرة يحولونك بها لشخص آخر لا يشبهك .. لا تحزن وقتئذ حين يلقون بشخصك الجديد في أقرب صندوق قمامة .. لقد كانوا يصارعون شخصك القديم على أمل أن يتغيروا ( هم ) فلما تغيرت ( أنت ) بما تهوى أنفسهم .. زهدوا فيك .. بحثاً عن آخر لا يعرف الاستسلام !!
عم أدريس .. تحول من خادم تافه إلى أعز رجل في مصر !!
أي مخلوق يتصور أن الحكم والملك والعزة بيدة .. يقول له الله .. أن العزة لله جميعاً .. وهذه حكاية عم ادريس عام 1921 في مصر .. فلاح مصري عمره 72 عاماً .. كان يعمل بستانياً في قصر الزعفران ( قصر شئون الطلبة بجامعة عين شمس حالياً ) وهو قصر خوشيار هانم أم الملك فؤاد الأول .. وكان عم أدريس بسيطاً للغاية حتى أنك تكاد لا تصدق أنه يعمل في قصر من قصور أم ملوك مصر وأهم إمرأة حركت أحداث مصر وسببت صداعاً للدولة العثمانية وانجلترا معاً لدرجة وصلت لمحاولة أغتيالها للتخلص من ذكائها الذي تستثمره في عدائها للأتراك والأنجليز. كان عم أدريس رجلاً صامتاً أغلب الوقت .. وإذا تحدث لا يتحدث إلا رمزاً .. وكان المقربين منه يحترمونه ويعترفون بورعه وتقواه .. وكثيراً ماكان بعض هؤلاء المقربين مايسمع بكاؤه ليلاً .. وحينما تلصص عليه ليطمئن .. وجده ساجداً يبكي كطفل ولكن في خشوع .. وكان عم أدريس يفضل أن يعيش زاهداً في داره الريفي البسيط في حلمية الزيتون وأن يذهب منه لقصر القبة وقصر الزعفران لممارسة عمله في حدائق القصر كفلاح .. وذات يوم .. قرر أن يقابل الأمير الصغير أحمد فؤاد في أمر هام جداً .. كان الأمير يعلم من بعض خدمه عن عم أدريس فأمر بأن يسمحوا له باللقاء .. ودخل عم أدريس ( الفلاح ) على الأمير .. لم يقدم الطقوس المتعارف عليها في مقابلة الملوك .. فقد كان فلاحاً .. حين وقعت عينا ( أدريس ) على الأمير الصغير قال له: جئت إليك يا أمير لأبشرك برؤيا شهدتها لك في أنك ستكون ( ملكاً ) على مصر .. لم يكد الأمير أحمد فؤاد يسمع هذه المقولة حتى انفجر في الضحك وقال لعم أدريس: أعلم أنك رجل طيب .. لكن أنا أبعد ماأكون عن تولي الملك .. فأنا أصغر الأمراء ولا حق لي في ذلك .. نظر إليه عم أدريس ونطق بعبارة قصيرة: ستكون ملكاً على مصر ياسمو الأمير .. فضحك الأمير مرة أخرى وقال له مداعباً: إن صرت ملكاً سأضع صورتك على الجنيه المصري بدلاً من صورة السلطان العثماني رغم يقيني أن هذا لن يحدث. بعد وقت قصير تنازل الأمير كمال الدين عن عرش مصر .. ورفض الانجليز أن يتولى العرش الأمير عبد المنعم بن السلطان عباس حلمي ثم تسارعت الأحداث حتى جاء يوم دعا فيه اللورد وينجت المندوب السامي البريطاني الأمير أحمد فؤاد على العشاء ليبلغة رضا بريطانيا عن اختياره ملكاً على مصر ! في أول قرار ملكي .. قرر الملك فؤاد منح عم ادريس لقب الباكوية .. وفوجئ المصريين بصدور الجنية المصري سنة 1924 منقوشاً عليه صورة عم أدريس بدلاً من صورة السلطان العثماني. رفض أدريس بك ( عم أدريس سابقاً ) أن يتقاضى مليماً واحداً .. ورفض عرض بالانتقال لقصر انعم عليه الملك به .. ومات زاهداً كما كان يحب بعد هذه الحادثة بسنوات قليلة!
إسلام عمر بن الخطاب ووثنية مصر
( مشهد سينمائي قصير ) إسلام عمر بن الخطاب ووثنية مصر .. تلاقي أم تعارض !! هذا المشهد لم يتوقف عنده أحد من الرواة إلا من زاوية وحيدة ربما لا تعبر عن معناه الكامل الدال .. لم يتوقف الرواة إلا عند نصف الحقيقة .. نحن نقدم هذا المشهد من منظور مختلف .. رؤية مختلفة .. من نفس مصادر الرواة وأقوالهم .. ولا ندعي من خلال ذلك المشهد وتلك الرؤية العثور على الحقيقة الكاملة .. وإنما هي محاولة لفهم بعض ما غاب عنا !! ( لوحة "1" ) ( 20 - 29 ) يونيو سنة 643 م – ( 12 – 21 ) بؤونة قبطي المكان: مصر – شاطئ نهر النيل أمام حصن بابليون .. نهار خارجي جمهور عريض من المصريين يقف على ضفتي النهر لمشاهدة الاحتفال بعيد وفاء النيل وهم يغنون: «أيها الفيضان المبارك، أقيمت لك الأعياد، وقدمت لك القرابين، فتقبل منا الشكر والاعتراف بفضلك» يتجمهر وسط الجمع المصري أمام النيل عمرو بن العاص وأبنائه وجمع من قادته وقادة جيشه مع مجموعة كبيرة من الوافدين الجدد معه من العرب من عدَّة قبائل عربيَّة مثل: ( أسلم، وبلي، ومعاذ، وليث، وعنزة، وهذيل، وعدوان ) الذين تمكنوا من فتح مصر مع عمرو بن العاص .. إنهم يشاهدون الآن ما يتصورون أنه مشهد يجمع بين الإثارة والتشويق والعبث لم يرونه من قبل أبداً .. المصريون يحتفلون بإغراق أجمل فتاه في مصر في النيل ليبتلعها النيل في القاع وفاءً منهم للنيل أن فاض على المصريين بالسعادة والماء .. يرى العرب الفتاة المصرية ( الوثنية ) الجميلة } مريم - مري يم - عروسة النيل { يحملها مجموعة من الرجال على كرسي ملكي وسط كهنة أمون رافعين شعار آمون وتمثاله في مقدمة مركب ملكي وسط النيل .. وبين الموسيقى والأناشيد يقوموا بإلقاء الفتاة الجميلة الصامتة الراضية بابتسامة مؤمنة على تقديم روحها لمعبودها المقدس آمون .. لتغيب عن أنظار الكل في قاع النيل للأبد. شكل هذا المشهد صدمة كبيرة للعرب المسلمين تذكروا به مشهد ( وأد الإناث ) في زمن الجاهلية .. وتوقف عمرو بن العاص أمام هذا المشهد القاسي كثيراً لدرجة أنه عقد مجلساً مصغراً مع قادة جيشه ليبحثوا تلك المسألة .. لكنه ومن معه لم يتوصلوا لحل فاصل .. إذ خشي الجميع ( وهم حديثي عهد بمصر ) إن اتخذوا أي إجراء ضد هذه المسألة أن يعتبرها المصريون الوثنيون ( وقد كانوا يشكلون نسبة كبيرة من عدد سكان مصر آنذاك ) سخرية القادم الجديد العربي ضد معتقداتهم المصرية القديمة فيثوروا على العرب وهو ما كان لا يرضاه عمرو بن العاص .. خاصة بعدما لاقى ترحيباً عظيماً من أهل مصر يخشى أن ينقلب ضده .. فقرر المجتمعون في فسطاط عمرو بن العاص خارج اسوار حصن بابليون إرسال ( مكتوباً خطياً ) لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم يحكون له فيه تفاصيل ما شاهدوه ويطلبوا منه النصيحة. ( لوحة "2" ) الزمان: 24 أكتوبر سنة 643م – نهار داخلي المكان: الجزيرة العربية – المدينة المنورة – مسجد الرسول مجموعة كبيرة من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم وكثير ممن تم استدعائهم من الولاة المحيطة أمصارهم بالمدينة المنورة .. يجلس عمر بن الخطاب بعد صلاة العصر ومعه علي بن أبي طالب .. عثمان بن عفان .. بعض من أبناء أخوال النبي صلي الله عليه وسلم : عبد يغوث بن وهب، وخالتاه فاختة بنت عمرو الزهريّة، والفريعة بنت وهب الزهريّة .. وكذلك من بعض أعمامه وأبناء عمومته .. وكان من بين الجلوس حول عمر بن الخطاب الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة رضي الله عنه. قرأ عمر بن الخطاب رسالة عمرو بن العاص على جمع الحضور وطلب الرأي والمشورة .. وأستمر الحوار حتى صلاة المغرب .. وأنتهي عمر لقرار مدهش لا يأتي إلا من الفاروق عمر .. حيث كان يرى أن الله استخلف الإنسان لعمارة الأرض لا السعي في خرابها .. وحتى لو كانت النفس التي يتم التضحية بها بطقوس وثنية في مصر هي نفس وثنية غير مسلمة فلا يجب علينا كمسلمين أن نوافق على قتل هذه النفس التي ربما يهديها الله لمعرفته .. ثم قرأ : مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً .. صدق الله العظيم .. فقد كانت طقوس المصريين في وفاء النيل من وجهة نظر عمر هي فساد في الأرض .. وقتل نفس حتى ولو كانت وثنية بدون ذنب وهو أمير المؤمنين إنما كما يقول القرأن كأنما قتل عمر الناس جميعاً .. وبإنقاذها ربما يأتي يوم ويهدها الله لسبيله .. أنكر عمر بن الخطاب بورعه وايمانه وانسانيته قتل نفس بشرية لم تعتدي ولم تفسد رغم كونها وثنية .. أما نهر النيل الذي لا يفيض فإنما يقول الله سبحانه: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ) .. ثم أمر علي بن أبي طالب بكتابة رسالة إلى عمرو بن العاص وأن يتم إرسالها له على الفور. ( لوحة "3" ) الزمان: 10 أغسطس سنة 644 م – 3 مسرى قبطي المكان: مصر – شاطئ نهر النيل أمام حصن بابليون – فسطاط عمرو بن العاص – ( نهار خارجي ) يتجمهر المصريون الغاضبون أمام فسطاط عمرو بن العاص .. مضى ما يقرب من شهرين وعمرو بن العاص يرفض ممارسة المصريين في الاحتفال بالنيل ليفيض عليهم .. وهاهو النيل لا يفيض .. كاد أن يجف .. مصريون كثيرون هجروا مزارعهم .. إنهم يلتمسون من عمرو بن العاص أن يسمح لهم بممارسة طقوسهم فالنيل غاضب .. والعروس تم اختيارها .. وكهنة آمون يوحون للبسطاء أن النيل قد أنزل بهم سخطه ولن يفيض وربما لن يعود !! يخرج عمرو بن العاص لملاقاة المصريين .. ينظر إليهم نظرة المشفق على ما يؤمنون به .. يفتح رسالة عمر بن الخطاب ويدفع بها لأحد المترجمين ممن يجيد لغة المصريين فيقرأ بصوت جهور على كل المتجمهرين: " إنك قد أصبت يا عمرو لأن الإسلام يهدم ما كان قبله " وكتب بطاقة داخل كتابه وكتب إلى عمرو: " إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي فألقها في النيل .. ثم قرأ المترجم الرسالة على المصريين: " من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت تجري من قِبَلك فلا تجر وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك ". وجم المصريون المتجمهرون .. بينما عمرو بن العاص يسترد رسالة عمر بن الخطاب من المترجم .. ثم يمتطي جواده بين قادته ويسير نحو النيل .. لم يكن أمام المصريين سوى أن يسيروا خلفه .. وقف عمرو بن العاص أمام النيل .. فتح الرسالة وقرأها بصوت جهور على النيل كأنه حديث رجل لرجل وقال: أيها النهر .. " من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت تجري من قِبَلك فلا تجر وإن كان اللّه الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل اللّه الواحد القهار أن يجريك " .. ثم ألقى الرسالة في النيل. ( راوي من خلف شاشة المشهد ): بعد هذه الحادثة ترقب المصريون حال النيل .. ليسوا وحدهم .. بل وترقب معهم عمرو بن العاص أمر النيل .. مر أسبوعان ( ربما أكثر أو أقل ) كأنها الفتنة والصراع النفسي والأيديولوجي بين الشرك والإيمان .. كان المصريون .. يحضرون منذ شروق الشمس ليتفقدوا الحال بينما النهر لا يفيض .. وقبل أن ييأس الناس .. فاض النهر كما لم يفض بخيره هذا من قبل .. وكانت لهذه الحادثة أبلغ الأثر في ضياع هيبة من تبقى من كهنة آمون ودخول معظم المصريين في دين الإسلام .. لقد كان إنقاذ عمر بن الخطاب نفس بشرية ( وثنية ) واحدة من الموت بل وإنقاذ أنفس كثيرة كل عام من بعدها .. سبباً من أسباب كثيرة في دخول المصريين إلى دين الله أفواجا .. لم يكن عمر بن الخطاب عنصرياً ولا قاتلاً ولا متهاوناً ولو كان كذلك ما انفتحت في عهده بلدان العالم على الإسلام .. إنقاذ نفس ( وثنية ) واحدة .. فتح نافذة الرؤية ونافذة البصيرة في قلوب الناس على قيمة الإسلام .. ما أروع هذا الرجل الورع .. رحم الله عمر بن الخطاب.
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
-
( نادر جداً ) أغنية “take me back to Cairo ” لكريم شكري 1960م وهو أول مطرب مصرى يقدم الفرانكوآراب منذ 50 عاما وقد غناها من بعده الفنان...
-
المرأة الشرقية: ضحية لثلاثية "الموت والحب والعار": تُعد رواية دعاء الكروان من أبرز أعمال الدكتور طاها حسين، وأحد النصوص المؤسسة ل...
-
أقسي مافي الحياة .. أن تمارس الحق في صمت .. ثم يأتي من يقول: لم أسمع له!
-
( فانتازيا قصيرة جداً مستوحاة من أحداث تاريخية حقيقية ) ثارت قريتنا على العمدة ( الطاغية ) .. حررها الثوار بقيادة شيخ البلد من ( عبث ) الع...
-
بقلم محيي الدين إبراهيم aupbc@yahoo.com الهالة هي تلك الطاقة الكهرومغناطيسية البيولوجية التي تحيط بكل كائن حي ومن فوقها جميعاً الإنسان .. ه...

