الثلاثاء، 21 يناير 2020

قراءة قصيرة في كتاب -مسرح الشعب- للدكتور -علي الراعي

بقلم: محيي الدين ابراهيم

2020 / 1 / 21

يقول الدكتور علي الراعي في كتابه المدهش أو ربما المجلد المكون من ثلاث كتب هم " الكوميديا المرتجلة" و " فنون الكوميديا" و " مسرح الدم والدموع" والذي تمت طبعاتهم تحت مسمى واحد باسم ( مسرح الشعب ) عن مكتبة الأسرة 2006م، وهو كتاب توثيقي بامتياز لحركة ووجدان الشارع المصري الشعبي سياسياً واجتماعياً وثقافياً وفنياً على مدار أكثر من سبعة قرون وإن كان تركيزه يصيب أكثر ما يصيب في صالح القرن التاسع عشر والعشرين، يقول:
قد كان هناك طوال القرن التاسع عشر - على الأقل - دراما محلية تماماً، خالية من المؤثرات الأجنبية التي أخذت تتعامل مع فن التمثيل في مصر منذ بداية القرن التاسع عشر، وما لبثت أن أثرت تأثيراً بارزاً على حرفية هذا التمثيل، مما بدا واضحاًمنذ قيام مسرح يعقوب صنوع حتى الآن.
ويعرض دكتور "علي الراعي" بعض من تلك النصوص المسرحية من نصوص مسرح المرتجلة أو ذلك المسرح الذي كان يقام في الشوارع والأفراح والموالد كما شاهده ودونه الرحالة "بلزوني" عام 1815 م وعلى لسان الرحالة "لين" عام 1830م، وهي نصوص كوميدية سياسية انتقادية تنتزع موضوعاتها من الواقع الحي المحيط بالممثلين والمتفرجين، وترضي جمهورها بالأمتاع والضحك والنصح معاً، عادة الفن الشعبي في مصر عامة.
وقد دونها دكتور علي الراعي كما جاءت على لسان الإيطالي "بلزوني" والدنماركي "لين" على النحو التالي:
يقول "بلزوني":
لعل أكبر مظاهر فن المسرح المتجول شأناً في مصر مانجده في فن جماعة " المحبظين"(1)، وقد شاهدت مسرحيتين قصيرتين قدمتا ضمن احتفال بالزواج أقيم في حي شبرا عام 1815م، حيث بدأ الإحتفال بالموسيقى والرقص التقليديين، ثم قام جمع من الفنانين بتمثيل المسرحية الأولى، وهي تدور حول رجل يريد أن يؤدي فريضة الحج ومن ثم يذهب إلى راعي إبل ويطلب منه أن يحصل على "جمل" مناسب يركبه إلى مكة وهنا يقرر الجمال أو راعي الإبل أن يغش الحاج الذي يريد الذهاب إلى مكة فيحول بينه وبين صاحب الجمل الحقيقي الذي يريد بيعه وعليه يطلب من الشاري في الجمل مبلغاً كبيراً أكبر مما طلبه صاحب الجمل الحقيقي، على أن يعطي صاحب الجمل الحقيقي مبلغاً أقل مما دفعه الشاري ليحصل لنفسه على فرق السعر الذي اختلسه في الوساطة بين البائع والمشتري، ثم يدخل لدائرة التمثيل جملاً مكوناً من رجلين تغطيا واكتسيا بكسوة تقليدية وبديا كما لو كانا جملاً حقيقياً على أهبة الرحيل إلى مكة، وهنا يركب الحاج الجمل ويكتشف أنه ضعيف وقليل الهمة فيرفض أن يقبله ويطلب أن تتم اعادة نقوده التي دفعها في شراء الجمل ويقوم بين الحاج ( المضحوك عليه ) وبين راعي الإبل نزاع يتصادف خلاله أن يدخل صاحب الجمل الحقيقي فييتبين هو والشار أن راعي الإبل لم كتف بخداع الإثنين فيما يخص المن بل احتفظ لنفسه أيضاً بالجمل الأصل وأعطى الشاري جملاً حقيراً وتنتهي المسرحية بهروب راعي الإبل بعد أن يلقنه كلاً من الشاري والبائع علقة ساخنة.
ثم يقدم لنا دكتور علي الراعي نصاً آخر شاهده الرحالة الدنماركي " لين " في مصر من فرق المحبظين بعد 15 عاماً مما شاهده "بلزوني" وكان ذلك في إحدى حفلات " محمد علي باشا" عام 1830م، بمناسبة ختان واحد من أنجاله وقد أشترك المحبظون في الحفلة بمسرحية أقرب للعروض السياسية على بساطتها حسب وصف "لين" من حيث خطوطها الرئيسية وشخصياتها، حيث يقدم المحبظين عروضهم تلك أمام ( سلطان مصر ) بجرأة شديدة كما لو كانوا يعرضونها في حفلات الزواج والختان داخل بيوت العظماء وحلقات المتفرجين حين يقدمون ( مسرحهم ) في الأماكن العامة من حيث اعتماد عروضهم على النكات والحركات الخارجة، كما أن الممثلون ( المحبظاتية ) كلهم من الذكور، مابين رجال وصبيان يقدمون جميع الأدوار الرجالية والنسائية.
يقول "لين":
تدور المسرحية حول فلاح فقير فقراً مدقعاً أسمه "عوض" وتقول سجلات " العمدة" أن عليه ديناً يساوي ألف قرش أي عشرة جنيهات لجباة الضرائب لم يدفع منهم سوى خمسة قروش فقط، فيذهب له شيخ البلد ليسأله لماذا لم يدفع ماعليه من مال لجباة الضرائب فيرد عليه "عوض" بأنه معدم ولا يملك مليماً واحداً ليدفعه، وحينئذ يأمر شيخ البلد الغفير النظامي أن يطرح "عوض" أرضاً ويتم جلد المسكين عشرين جلدة ثم يساق إلى السجن بأوامر من العمدة الذي يري أن العشرين جلدة ليست عقاباً وأن ذل السجن هو العقاب اللائق حتى يدفع ماعليه أو يموت بداخله ميتة الكلاب، ويذهب "عوض" للسجن وتزوره زوجته هناك فيطلب منها "عوض" أن تاخذ بيضاً وقليلاً من الكشك الصعيدي والشعرية وتذهب للمعلم "حنا جرجس القبطي" فتعطيه البيض والكشك والشعرية كأتعاب دفاعه وتوسطه لإخراج "عوض" من السجن، وبالفعل تأخذ الزوجة كل ماطلبه منها زوجها في ثلاث أسبته وتمضي تسأل عن بيت المعلم ( حنا جرجس ) فيقال لها أنه هذا الرجل الذي يرتدي العمامة السوداء والذي يضع في حزامه محبرة كبيرة، وإذ ذاك ترجو الزوجة المعلم "حنا" أن يبل منها هداياها كأتعاب لدفاعه عن زوجها المسكين والتوسط لإخراجه من السجن، فيقبل المعلم " حنا جرجس" ويطلب من الزوجة أن تتحصل بأي شكل على عشرين قرش وتذهب لتعطيها لشيخ البلد، وبالفعل تعمل الزوجة بنصيحة " المعلم حنا" وتذهب لشيخ البلد وتعطيه العشرين قرشاً وهي تقول له صراحة: إقبل مني هذه ( الرشوة ) وأخرج لي زوجي! .. المدهش أن شيخ البلد يقبل الرشوة وينصحها أن تتوجه لبيت الناظر وترجوه في إلحاح أن يطلق سراح زوجها وتبتسم له وهي تستعرض جمالها أمامه فيقبل الناظر عرضها ( الشهي ) وينحاز للزوج ويعمل على تحريره من السجن.
ويتضح هنا من الكوميديا - حسب الدكتور "على الراعي"- في الصورة الأولى والصورة الثانية أنها تقدم دراما ( شعبية ) محلية خالية من المؤثرات الأجنبية التي أخذت تتعامل مع فن التمثيل في مصر منذ بداية القرن التاسع عشر والتي ما لبثت أن أثرت تأثيراً بارزاً على حرفية هذا التمثيل، مما بدا واضحاً منذ قيام مسرح يعقوب صنوع وحتى الآن.
وفي تقديري أن يعقوب صنوع ومسرحه قد أثرا تأثيراً قوياً على الكوميديا في مصر، وذلك من خلال تأثره ( هو ) بالفن الشعبي المصري وبفن الأراجوز والمحبظاتية وخيال الظل، حتى صار تأثره هذا منهجاً اعتمدته معظم المشاهد الكوميدية والكتابات الكوميدية التي قدمتها فرق المسرح الكوميدي في مصر منذ نشأتها والسينما المصرية منذ بداية ظهورها وحتى عهد قريب وحيث استلهم الكثير من فناني الكوميديا كنجيب الريحاني وعلي الكسار وشرفنطح وإسماعيل يس وغيرهم حتى عبد المنعم مدبولي وعادل أمام الكثير من ذلك المنهج وساروا على دربه، مما يجعلنا بارتياح أن ننسب فن كتابة الكوميديا في مصر والمستوحى من الشارع والمحيط المصري ليعقوب صنوع نفسه وليس إلى "جورج دخول" بل وربما يمكننا دعم الرأي القائل بأن "يعقوب صنوع" هو الأب الروحي للكتابة الكوميدية في مصر وحيث احتذى بمنهج مدرسته الكثير من كتاب الكوميديا وعلى رأسهم المؤلف الكوميدي الراحل" بديع خيري" والكاتب "أبو السعود الإبياري"، لأن " يعقوب صنوع" حينما جلس ليكتب المسرحيات التي أعتزم أن يؤسس بها مسرحاً بشرياً عربياً، لم يكن يستند - كما ظن هو نفسه - إلى تراثاً أوروبياً غربياً "لموليير" و "شيردان" و "جولدوني" فحسب وإنما نراه تزود كذلك من نبع الكوميديا الشعبية المصرية كما عرفها خيال الظل والأراجوز وتمثيل الشوارع في مصر المحروسة، لتكون النتيجة ريادة "يعقوب صنوع" في قيام الشكل الأول من أشكال كوميديا النقد الاجتماعي يؤديها البشر لأول مرة، بعد أن كانت محصورة في تصاوير "أبن دانيال" وغيره من المخايلين ( في مسرح خيال الظل ) الذين تولوا عن البشر هذه المسئولية ومن ثم هذه النتيجة .
ويعود بنا " دكتور على الراعي " للتعليق على الصورتين الكوميديتين السابقتين اللتان قدمتهما فرق المحبظاتية - وهما جزء صغير من عشرات النصوص التي ساقها في كتابه - بالقول أن هاتين الصورتين عبارة عن كوميديا انتقاديه انتزعت موضوعاتها من الواقع الحي المحيط بالممثلين والمتفرجين ومن ثم فهي ترضي جمهورها بالإمتاع والنصح معاً، على عادة الفن الشعبي في مصر.
ويقول أيضاً: أن مثل تلك العروض كانت على درجة لا بأس بها من التقدم الفني فهي تبدأ بعرض موسيقي ( شعبي ) واقعي يقدمه بعض الفنانين مع راقصتين أو أكثر( يقوم بأدائها فنانين ذكور )، وهي لاشك عروض ناطقه بانتمائها إلى البيئة التي أنتجتها، كما أنها في تركيبها الفني وطريقة صنع شخصياتها لا تبين عن أي أثر فني آخر غير مسرح خيال الظل والأراجوز وكلاهما من فنون مصر المحلية، ومن هذه المحلية وبفضل التبسيط الظاهر تنطلق الشكوى الموجعة والسخرية الدفينة من الحكم والحكام كما ينطلق الصاروخ الموجه تجاه هدفه المعلوم، فمن وراء الضحك الظاهر تقول غالب هذه العروض في تلك الفترة بمصر أن المصري كان لا يحصل على حريته إلا إذا فقد كل شئ، ماله وشرفه معاً.
وينتهي بقوله عند هذه الزاوية:
لو تخيلنا دار كبرى للملاهي يعمل على أرضها ( القراداتي ) والحاوي ومسرح خيال الظل والأراجوز والمحبظين لاستطعنا أن نحيط إحاطة تامة بالطاقة التمثيلية الكبرى التي تمتع بها أهل مصر قروناً طويلة ( أحياناً ) وسنوات طويلة ( أحياناً أخرى ) قبل أن يفد المسرح البشري الغربي لبلادنا على أيدي فرق أجنبية عدة ثم في شكل فرق مصرية نبتت في بلادنا، وأخرى عربية أتت لتزورنا من لبنان وسوريا.

****************

دكتور علي الراعي:
وُلد في محافظة الإسماعيلية في عام 1920 في بيئة كانت تعيش فيها العديد من الجنسيات المختلفة التي تعايشت مع بعضها البعض، الأمر الذي ساعده في صنع صداقات مع أناس شتى مهما اختلفت أديانهم أو اتجاهاتهم السياسية.
انتقل دكتور على الراعى إلى القاهرة والتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة الإنجليزية في عام 1939 ثم تخرج منها عام 1944، وحصل على منحة دراسية في جامعة برمنجهام حيث حصل على درجة الدكتوراه في موضوعه برنارد شو. وطالما أن الهدف الاسمي للمثقف الحقيقي كما جسّده دكتور على الراعى هو تثقيف الشعب وتعميق وعيه وإثراء ذائقته، فإن اختيار الأسلوب الذي يوجه به خطابه لا يقل أهمية عن الهدف ذاته، لهذا اختار علي الراعي في كتاباته طريق البساطة الأثرة والعمق الشديد بعيداً عن التقعر بالمصطلحات والمفاهيم الغامضة واللغة الأنانية المحتفية بنفسها.
في يوم 18 يناير 1999 توفى الدكتور على الراعي الشخصية المصرية العريقة في مجال المسرح، الذي أثري التراث الثقافي والأدبي المصري بكتاباته التي لا تقدر بمال في مجال السياسة والمسرح والنقد، فكان له فكرة بان للأدب دوراً اجتماعيا.
وقد عمل الراعي كمقدم برامج في الإذاعة المصرية وقام بتدريس الأدب المعاصر في كلية الآداب جامعة عين شمس. كما شغل رئاسة هيئة الموسيقى والمسرح التي كانت تتبع وزارة الثقافة والمسئولة عن المعاهد الفنية للوزارة، وكان من ضمن إسهاماته إنشاء أول فرقة شعبيه وعدداً من الفرق الموسيقية.
وفي مارس 1959 تولى الدكتور على الراعى رئاسة تحرير مجلة المجلة المصرية .. واستطاع الدكتور "الراعي" أن يطور من أدائها، وشخصيتها من خلال اهتمامه بفنون الشعوب، بالإضافة إلى إبداعات المفكرين والأدباء..فنشرت في عهده كتابات عن فنون الشارع، والفلكلور، والتراث الشفاهي في مصر والوطن العربي والعالم، وظهرت أسماء أحمد رشدى صالح ود. عبد الحميد يونس وسعد نافع على صفحاتها يكتبون عن إبداعات الشعوب، وفنونها كما شهدت هذه الفترة إسهامات نقدية هامة للدكتور محمد مندور و رمسيس يونان وزكى نجيب محمود.. فضلاً عن إسهامات لويس عوض ودكتور طه حسين وعثمان أمين وعلى أدهم والجبخانجى وأنور عبد الملك. وفي أبريل 1962 ترك "علي الراعي" "المجلة" لخروج ثروت عكاشة من الوزارة وتولى عبد القادر حاتم.
وفي عام 1968 قدم الراعي استقالته في العديد من المناصب الحكومية لكي يتمكن من متابعة مهنة الكتابة، حيث ألف اثني عشر كتاباً عن المسرح وترجم كتباً كثيرة لمشاهير الكتاب العالميين مثل تشيكوف وابسن. وفي عام 1973، سافر إلى الكويت لتدريس الدراما المعاصرة وعاد في عام 1982 ليلتحق مجلة روزاليوسف ثم بعد ذلك مجلة المصور ثم بدا يكتب في جريدة الأهرام.
كتب الراعي للمسرح حوالي 51 كتاباً واتخذ من النقد رسالة وطنية واجتماعية، وانحاز إلي الفن الجميل الذي يحمل الفكرة العميقة دون تجهم، ويحافظ علي الهوية الثقافية دون انغلاق علي الذات، ويفتح الباب للتجريب، والانفتاح علي ثقافات العالم. وفي مجال القصة والرواية ترك حصاداً كبيراً واستطاع أن يشد قارئ "الأهرام" إلي الأعمال الأدبية والمواهب الجديدة التي يكتب عنها، ففي مقالته الأسبوعية بالأهرام كان القارئ يستطيع أن يري النقد، ويري النص، ويضع أصابعه علي مواطن الفرح والجمال فيه، ويسعد بالأضواء الباهرة التي يسلطها الكاتب علي البراعم والزهور الأدبية التي تتفتح.
=======================
(1):
تشير الباحثة " أماني الجندي في كتابها "فنون الفرجة الشعبية وثقافة الطفل" الذي يعد إطلالة علمية على الفرجة الشعبية بوصفها موضوعاً مهماً من موضوعات المأثورات الشعبية المصرية، قائلة: أن كلمة "محبظين" هي جمع مذكر سالم للمفرد محبظ، ولم أجد هذا المعنى إلا في قاموس اللهجة العامية المصرية المنشور في القاهرة عام 1895، وفيه كلمة "حبظ" تعني "يمثل مسرحية هابطة" أو "يعمل شيئاً برقة وغرابة"، والمحبظ بالباء المفتوحة المشددة هو إذن "ممثل المسرحية الهابطة"!.

 

الأربعاء، 4 يوليو 2018

رُفعت الجلسة

يا حضرات القضاة .. هذا ( وجهي ) الماثل أمامكم خلف قضبان خوفه ويمثل دور البراءة .. هو أبعد ما يكون عن البراءة .. هو مجرد ظل يابس لمنحوت غجري من زمن قديم .. منحوت تآكلت بعض ملامحه التي مازال يخفيها عنا .. حتى لا نراه على حقيقته .. يخفيه لنظن فيه براءة القديسين وهو في ضلال أبرهة .. أما تلك المشاعر التي قد توهمكم أنها ترتدي ثوب الطهر .. هي مشاعري .. اسألوها .. إن كانت طاهرة بالفعل .. لماذا هي وراء قضبان ( الاغتراب ) .. وراء قضبان ( الوحدة ) .. تعاني النبذ .. التوحد .. الضمور المستمر مع سبق الإصرار والترصد .. إنها مشاعر منقوصة يا حضرات القضاة .. مشوهه يا حضرات المستشارين .. تأبى التعايش السلمي بإرادة حرة مع محيطها .. تعاني من هوس الرهبة .. شذوذ الانفعال .. وضياع السكينة .. يا حضرات القضاة .. إن وجهي ومشاعري ما هما إلا ( ذات ) ترفض واقعها .. ( ذات ) ترفض ما آلت إليه الحياة من حولها .. ( ذات ) ترى العالم بعين الطاغية الذي لا يرى سوى أفكاره العاجزة .. وعين الناسك الذي لا يرى الوجود إلا من خلال ضمور في مراكز عقله المنعزلة .. ولذلك يا حضرات القضاة أرى بأن تحكموا على ( ذاتي ) بأقسى العقوبة .. وما نص عليه قانون هذا الزمان .. فلا هي انعزلت .. ولا هي اندمجت .. ولا هي قاومت .. ولا هي أضافت .. ولا تقبل أن تكون !! .. شكراً سيادة القاضي .. ( رُفعت الجلسة )
صرخت مشاعري من خلف القضبان مستنجدة: إن كنت أخطأت .. فأنت تعلم عن خطأي قبل خطأي .. وكما علمتنا عن غفرانك قبل غفرانك .. فإجعل ماسبق في علم غفرانك ( كله ) أسبق لي مما سبق عندك من خطأي ( كله ) برحمة عفوك عنا .. فنحن ليست لنا فدية الدفاع عن ما إندفعنا إليه .. ولا قيمة لتبرير ما خضنا فيه .. ولا حجة لمخطئ فيما فعل .. ولا رجاء فينا إلا من اللجوء إليك.

اللحن المتنازع عليه بين محمد عبد الوهاب وصوفيا فيمبو

صفحة جديدة 5

 
   

 
يا مسافر وحدك .. أغنية لحنها محمد عبد الوهاب في فيلم يحيا الحب عام 1942 .. لكن في نفس الوقت كان هناك مغنية يونانية مشهورة اسمها ( صوفيا فيمبو ) ( من مواليد 10 فبراير 1910، جيلبولو، تركيا - وتوفت في 11 مارس 1978، أثينا، اليونان ) غنت نفس اللحن بكلمات يونانية في فيلم ( Poso Lipame - السماء تبكي )عام 1939م وحتى اليوم هناك نزاع حول من صاحب اللحن الأصلي .. وقد عثرنا على الأغنية باللحن الذي لا نعرف هل اقتبسه عبد الوهاب أم اقتبسته صوفيا فيمبو
 

الثلاثاء، 3 يوليو 2018

اختبئ فيما تبقى لك من عشق

ليس هناك عقلاً فارغاً وإنما .. هناك عقل أنهكته الأفكار القديمة .. والأفكار كالطبيعة .. لا تحيا إلا بالتجدد المستمر .. شروق ضوء الشمس .. وميلاد نور القمر .. لتمحي ظلام النفس .. والأفكار في محيط العقل تكون كالجبال تحتاج لمتسلق محترف .. تسلقها.. وكالبحار تحتاج لغواص محترف .. غُصها .. وكالسهول تحتاج لفلاح محترف .. افلحها .. فإن غامت من فوقك الدنيا .. أو عس عليك الليل .. اختبئ فيما تبقى لك من عشق .. فهو ملاذ الواصلين والفكرة التي لا تتشوه بالتقادم!!

صراع الذات مع الذات

كقوالب الشكولاتة التي تحتوي على كميات ضئيلة من مادة ( أنانداميد ) الشبيهة بالقنب ومخدر (الحشيش) التي تؤثر مباشرة على مراكز السعادة بالمخ، أبحث عن قوالب أفكاري (المجنونة) التي تحتوي على كميات ضئيلة من مادة (البراءة) المبعثرة في محيط العقل، تلك الأفكار التي ربما مختبئة في مخزن الطفولة هناك .. أبحث عنها كما يبحث المحترفين عن الألغام في ساحات الحرب .. بعد أن أصبحت النفس ساحة لصراع الذات مع الذات .. أتمنى لو انفجرت إحداها بدافع الخطأ بداخلي فتحدث ضغطاً يرتج له سكوني الذي تاق لحركة الوجود .. حركة العشق .. الصلاة بخشوع برئ في محراب الجمال .. بلا تكلف !!

العشق لا تبدله أوهام الغربة

عقارب الساعة لا تتحرك للخلف .. ولا يمكن تسريعها للأمام .. أنت رهن قوة جبارة تبقيك فوق عقارب الزمن .. كلما حاولت الانفلات غرستك في أعماقها أكثر .. حتى تغوص مشاعرك في جوف الحكاية .. لا تحاول الانفلات .. استمتع بركوبك أمواج الحياة .. إن علت بك لتحلق فوقها في الهواء .. أو تسارعت لتلقيك على شاطئ الحلم كطفل يستمتع بقالب حلوى .. فالفكرة الطيبة لا تنعدم بنسيانها .. ستعاود المجيء .. والقلب لا يتوقف عن الدهشة .. سيندهش مرة أخرى .. والعشق لا تبدله أوهام الغربة .. سيرتدي حتماً قميصه المبهج .. لذا .. لا تلقي بحنينك في صندوق الماضي .. فمازال هناك .. في المستقبل القريب .. ضحكة .. تتوق لشفاه تعرفها .. كي ترسم في سماء الغد .. بريشة الأمل .. ثمة لقاء.

الأحد، 1 يوليو 2018

أغنية “take me back to Cairo ” لكريم شكري 1960م

( نادر جداً ) أغنية “take me back to Cairo ” لكريم شكري 1960م وهو أول مطرب مصرى يقدم الفرانكوآراب منذ 50 عاما وقد غناها من بعده الفنان سمير الإسكندرانى وعرفه الجمهور من خلالها ولا يعرف الكثير أنها تعود فى الأصل للمطرب “كريم شكرى” المصرى الجنسية أو “جان زعلوم” والذي هاجر إلى كندا، وإلى جانب أنه صاحب الأغنية الأصلية فهو أيضاً من كتب كلماتها ولحنها وغناها عام 1960م بصوته فى مصر وكانت لها فضل كبير فى دعم السياحة فى مصر. وكريم شكري او جان زلعوم هو حفيد أديب سوري هاجر لمصر, في اول القرن الماضي وقد كتب كلماتها وموسيقاها عام1959 ولقيت نجاحا كبيرا 1960م وظلت هذه الاغنيه احدي وسائل الدعايه للسياحه في مصر منذ ذلك الوقت وحتي الان, فعندما استمع اليها الدكتور ثروت عكاشه ـ وزير السياحه في هذه الفتره ـ طلب من كريم شكري ان يصور الاغنيه بالفيديو ويغنيها وسط أهرامات الجيزه وابو الهول ووزعت علي جميع مكاتب السياحه في الخارج, و حققت الأغنية نجاحا كبيراً وانتشارا واسعا و تفاجىء بها الجمهور المصرى بكل مافيها من تطور موسيقى فى تلك الفترة حيث قدمها كريم شكرى للجمهور بطريقة الانجلو ارب بمزيج رائع مابين الموسيقى الشرقية والغربية مع جزء من الفلكلور الشعبى المصرى القديم، وكان رهان ناجح منه وتحدى كبير فى فترة امتازت وتشبعت بالأغنيات الكلاسيكية والرومانسية. وقد أعاد الفنان سمير الإسكندرانى تقديم الأغنية مرة أخرى عام 1980م، وذلك بعدما استأذن صاحب الأغنية الأصلى كريم شكرى أو جان زلعوم، الذى كان متواجدا فى كندا فى ذلك الوقت، وكان مرحبا جدا بطلب الفنان سمير الإسكندرانى ووافق على إهدائه الأغنية ليقدمها مجددا بطريقته، وحقق مرة أخرى نجاحا كبيرا بعد 20 عاما من تقديمها لأول مره للجمهور. بعدما حقق كريم شكرى النجاحات بأغنياته التى قدمها فى مصر نجح فى الحصول على وظيفة مدير مكتب للشركة الأمريكية الشهيرة بصناعة الافلام السينمائية “مترو جولدن ماير الامريكية ” فى مصر، ولكن أحد المصريين المتقدمين للوظيفة انتابته الغيره والحقد وأطلق شائعة بأن كريم شكرى يهودى ولا يجوز له الحصول على الوظيفة ومنافسة المصريين فى بلادهم، وهو الأمر الذى استقبله بكل حزن بعدما انتشرت الشائعة بشكل كبير، وقدم الادلة على انتمائه للجنسية المصرية وأدائه الخدمة العسكرية بها، وقرر الهجر الى كندا وعاش مع زوجته وأولاده فى مونتريال، وعمل كمنتج وموزع للأفلام حتى توفى هناك مؤخراً في مايو 1911م عن عمر ناهز 76 عاما، وكان قلبه متعلقاً بمصر وغنى لها فى جميع البلدان الغربية التى زارها، حتى أنه اقام حفلا خاصا فى مونتريال لدعم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967م. وكريم شكرى فنان شامل فقام بالغناء والتلحين والتأليف، ويعد هو أول مطرب مصرى يقدم أغانى الفرانكو آراب بألحانه وصوته منذ أكثر من 40 عاما على مسارح القاهرة قبل أن يهاجر إلى كندا، وقدم العديد من الاغنيات الناجحة بطريقته المميزة فى الفرانكواراب مثل “سمارة”، “مشمش بك”، “إن شاء الله” و “رمضان”، وغيرها ،حيث جمع كريم بين إيقاعات منطقة الشرق الأوسط، والغربى، وخلق حالة حديثة وجديدة فى الموسيقى مما مهد الطريق للكثيرين من الفنانين بعده لخوض التجربة وكسر التقاليد المتعارف عليها فى الاغنية الشرقية .

الخميس، 28 يونيو 2018

الميل للفوضى

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbc@yahoo.com
 الإنسان ( بطبعه ) يميل للفوضى حتى في وجود الوازع الديني .. فمنذ عملية الاغتيال الأولى في البشرية حين اغتال قابيل أخاه هابيل .. والنصوص الدينية تهبط على البشر كما تهبط الأمطار .. ويتم إرسال الأنبياء .. نبي وراء نبي حاملين معهم كلمات الإله للحد من الفوضى .. لكن .. يتم التلاعب بالنصوص وبكلمات الإله .. أو التلاعب بتفسير النصوص وبتفسير كلمات الإله .. لتبرير الفوضى .. لإعطاء شرعية للفوضى .. إعطاء الحق في القتل والسحق والتدمير .. كل أطراف الصراع تدعي أنها ( عيال ) الله وأحبائه .. ويُعْجِبُكَ قَوْلُهُم .. تصفق لهم .. تتحزب إليهم .. وَيُشْهِدُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْوبِهِم .. وَهُمَ في واقع الأمر .. أَلَدُّ الْخِصَامِ .. ومن ثم فالنتيجة كما نراها اليوم في وطننا بين أطراف ( ضالة ) .. نظم ضالة .. دول ضالة .. قرى ضالة .. أفراد ضالة .. جماعات ضالة .. قبائل ضالة .. كل شئ ضال .. وكل ضلال .. يمارسه ( كل هؤلاء ) باسم الله .. والضحية اليوم .. يصبح غداً جلاد .. وجلاد الغد .. يصبح ضحية أفعاله بعد غد .. وهكذا .. في دائرة مغلقة سوداء لا تحتوى على منافذ للخروج .. الهروب .. النجاة .. ثقب أسود يمتص انسانيتنا فنفعل أفعال الطغاة والتاريخ ملئ بملايين القصص عن بشر ( من جميع الأديان ) ظنوا أنهم أقرب إلى الله بقتل كل من خالفهم في العقيدة أو المذهب .. بالفعل نحن ميالون للفوضى .. ولولا رحمة من الله بثها في قلوب ( أطفال ) تعيش بيننا كالملائكة لتم اختصار الزمن وقامت القيامة !!

من أجل تواصل إنساني نقي


عندما يتواصل الناس .. أو يبحثون عن التواصل .. خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي .. يكون الدافع ( نفسي ) .. دافع يكمن في عدم الفهم الكامل ممن يحيطون بهم لأفكارهم .. دافع بأن تنفجر الشخصية الحقيقية للذات في محيط افتراضي قد يرضى عنها .. يرضى عن أفكارها .. جنونها .. اتزانها .. خوفها .. تمردها .. أو لا يرضى عنها .. فتنسحب في هدوء دون إن يحرز أحد في نفسيتها ( جول ) لصالحه على حساب إنسانيتها.
لكن .. ماذا يحدث لو استشعر أحدنا ) بأنه قد تواصل بالفعل مع آخرين يشبهونه ؟؟ .. عندما ندرك أن مجموعة من الناس الذين لا نعرفهم قد فهمونا .. قبلوا ( ذاتنا ) كما هي .. تآلفوا مع هذا الجنون .. أو الاتزان .. مع هذا القلق .. أو التمرد !! .. ( أتصور ) أنه ينتابنا بشكل تلقائي شعور بالراحة تجاههم .. شعور بالعشرة .. بالحميمة المجردة .. قد تكون هذه المشاعر ( عابرة ) .. مؤقتة .. وقد نساهم نحن ( بوعي ) إنساني أن ندفعها لأن تكون كذلك .. لكن في ( خالص ) الأمر .. نؤمن في قرارة أنفسنا .. بأن هذه المشاعر هي ما نسعى إليه .. ما يجب أن نعيش من أجله .. نعيش من أجل تواصل إنساني نقي .. مسالم .. متغاضي .. طيب .. يبث في أرواحنا بعضاً من السكينة التي افتقدنا جزء كبير منها في محيطنا الضيق والمزدحم. !!

روح الكلمة

الكلمات ليست ( ذات ) ميته .. إنما كل كلمة هي ( روح ) صامته بأسرارها .. حتى تنطقها قولاً أو .. فعلاً أو .. كتابةً .. فيتلقاها ( الآخر ) .. تتلقاها ( روح ) الآخر .. فإذا تناغم التلاقي .. كانت الكلمة سر ( التآلف ) .. سر ( التعارف ) .. أما إذا تصادم التلاقي .. كانت الكلمة سر ( التخالف ) .. سر ( المخاوف ) .. فالكثير من تجارب البشر ليس مدركاً بالحواس وإنما بالروح .. مسائل كثيرة نمارسها ولا نستطيع التعبير عنها بنطق العبارة .. نعجز في التعبير عنها بالكلمة المسموعة .. لكن نفعلها بروح الكلمة المكتوبة .. أو الكلمة حين تفصح عن ( سرها ) العيون .. القلوب .. الأرواح .. في صمت معجز .. وتكمن معجزته في ( روح ) الكلمة .. سرها الصامت بهذا الصمت الجليل .. الذي لا يدركه سوى أصحاب الأفئدة وولاة البصائر.

الأربعاء، 27 يونيو 2018

الكبت والزهد

الجسد والنفس في الذات البشرية هما أساس بناء الشخصية الإنسانية البسيطة أو المعقدة .. ولذلك فإن من أبشع الأمور التي يمارسها بعض الناس تحت وهم أو دعوى التدين أو الحفاظ على الأخلاق هي ( كبت ) انفعالات الجسد وخنق رغباته .. الأمر الذي يؤدي إلى شذوذ انساني محض .. يصنع ذات مشوهه .. لذلك لا نتعجب حين قال الرسول الاكرم للثلاث رهط الذين جاءوه ليستحسن أفعالهم في كبت رغبات وانفعالات الجسد تحت وهم التقرب لله: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .. كذلك ( زهد ) النفس في الحياة .. في بهجتها .. في ملاحقة الحلم .. صناعة الحلم .. الأنس .. الحركة .. التفاعل مع حركة الحياة دون تحريم أو تجريم .. حتى تعي ( بالمشاهدة ) حدود مايشبهك فتفعله .. والنأي بالنفس عما لا يشبهك فلا تفعله .. مسألة أقرب لتقوية دعائم ( الإرادة الحرة ) .. امتصاص التجارب لتفعيل دقة اختيارك .. أحيانا نجد عالماً جليلاً وليست لديه القدرة على اتخاذ القرار فيما سيأكل أو فيما يرتدي أو فيما سيرتبط بها لتقاسمه حياته فيقعد طيلة عمره ملوماً محسوراً .. وعلى الجانب الآخر نجد ( جاهل ) أطلق لفطرته العنان فلم ( يكبت ) رغبات وانفعالات جسده .. ولم ( يزهد ) بنفسه في صناعة حلم وملاحقته .. فصار سوياً .. طبيعياً .. تملأ عينيه سعادة توحي لك ببساطته .. إن نظرت إليه .. سمعته .. تأملته .. اكتشفت أنك ينقصك الكثير رغم ماتحمله من شهادات .. لتكون مثله !!!

أول خطوة للتصالح مع النفس

كيف أتصالح مع نفسي ؟ .. سؤال يكاد يكون لسان حال الكثير .. هو يعرف الإجابة .. لكن تربية ( الخوف ) في مجتمعنا الشرقي خاصة تربية المرأة .. تدفع الناس ( للخوف ) من تنفيذ مسألة التصالح مع النفس بكل حزم .. لأنها ستفقده جزء ممن يعرفهم في مجتمعه ..خاصة وأن مسألة المعرفة في شرقنا المجهد تعتمد على ( الحميمية ) .. لا نستطيع وضع حدود نفسية فيكون هذا صديق حميم .. وهذا صديق .. وهذا مجرد صديق .. وهذا زميل وهذا أخ وهذا جار.. نخلط المسائل والعلاقات حتى نساهم في إحداث فوضى في أعماقنا لا نستطيع الفكاك منها بسبب إلتزامات نتجت عن هذه العلاقات المتداخلة في تشوه واضح .. وكلها بسبب تربية لم تقم على اسس بل قامت على انفعالات .. فاصبحت حتى العلاقات الزوجية قائمة على انفعالات وليست قائمة على ( وعي ) .. فنفشل عند أول اختبار يختبر وعينا ( الغير مدرب ) ونسقط في مخالب الحزن.
أول خطوة للتصالح مع النفس هي قطع العلاقة بشكل كامل وليس بشكل جزئي وبكل حزم وحسم مع أي شخص أدركت أنه لا يسبب لك سوى الحزن ونقد تصرفاتك والضغط عليك بالتزامات تأبى نفسك أن تعيشها حتى لو وصل الأمر أن تستبدل الجميع ( بكلب ) يعيش معك تحت سقف واحد كما يفعل أهل الغرب الأوروبي والأميريكي .. إلى أن تعيد ترتيب أوراقك باختيار مجتمع جديد يشبهك .. هذه العملية الجراحية للنفس ستدفعك في بدايات حدوثها أن تشعر بألم شديد في وجدانك .. شعورك .. قلبك .. لكن مع تدرج زوال الحزن بتدرج زوال المتسببين فيه .. ستطل عليك شمس يوم جديد لتجد نفسك إنسان مختلف .. إنسان أكثر أنسانية .. أكثر حرية .. اكثر إبداعاً.

الثلاثاء، 26 يونيو 2018

حتى تغشى القلب

في أحلك لحظات العتمة .. حينما لا تستطيع أن ترى أصابعك .. تسمع صوتك .. تفقد القدرة على ابتلاع نسمة هواء .. لحظتها .. ينتابك فيض نور .. خيط يبدأ بنقطه في فراغ محيطك .. ينبثق كوردة .. ثم تومض الوردة .. تومض بألوان كألوان قوس قزح .. ومن رحم الوميض تلامس سطح صدرك .. حتى تتحول إلى خيط .. يخترقك كطلقة رصاص تستقر في غرفة القلب .. حتى تغشى القلب .. فتتجلى عليك من عالم الروح .. روح .. فتستشعر الأنس بها .. أنس يحول كل ( العتمة ) إلى .. احد عشر كوكباً .. وشمس .. وقمر .. لنهبط جميعاً من خشيته في سجود مطمئن .. كأنك تسبح في ملكوت خاص .. ليس كملكوت السماء .. ولا ملكوت الأرض .. إنما ملكوت خاص .. أضواء تلاحقها وتلاحقك .. ملكوت كأنه العشق .. وعشق كأنك تراه .. فتنظر إلى انسحاق حزنك لا ينشزه .. ولا تكتسى عظامه لحماً .. فقط يتم إنشاء الفرح نشوءاً آخر .. كأنها البداية من جديد .. او كما بدأ اول خلق .. يعيده !!

الإنسانية .. العدالة .. الحرية ( من القصص السياسي )


( مشهد سينما خيالي لا يمت ولا يرمز للواقع بأي صلة وإن مس هامش من واقع فهو محض صدفة لا علاقة للكاتب بها )

انزعج العمدة ( عبد الجليل ) من كتابات هذا الصعلوك الحقير .. فأمر شيخ الغفر بأن يأتوا بهذا الضال صاحب المنشور .. ليأتوا به .. وينالوا منه .. فجاءوا به .. أجلسوه وحده في غرفة مظلمة بعد أن أزالوا الغمامة من فوق عينيه.. يومان كاملان لا يدري أين هو .. لا طعام .. لا نوم .. فقط ( دورق ) مملوء بالماء ليملأ به جوفه إن شعر بألم الجوع في معدته الفارغة .. لم يدخل عليه أحد .. لا أحد .. مسألة أقرب للحرب النفسية .. تكسير نفسيته .. هزيمته دون أي مواجهة .. إنهم يمارسون معه نوعاً من الانهيار الذاتي .. يتركوه وحيداً حتى تقفز أفكاره السوداء بأسئلتها السوداء في فراغ الغرفة المظلمة ثم لا يجد سوى اليأس فيسقط .. وحين يسقط يستطيعون الحصول على كل ما يريدونه من إجابات .. هو لا يريد سوى ( الإنسانية ) .. عدالة العمدة التي تتيح حدود الرضا عند الناس ليمارسوا إنسانيتهم الطبيعية دون أن يعيشوا حالة من الانسحاق .. عدالة العمدة لتستشعر الناس النور .. عدالة العمدة في قريتنا ليمارس الفلاحين حرية وجودهم كبشر وليس كبهائم .. هذه هي إجابته الوحيدة التي يمتلكها .. لا يريد شيئاً آخر.

الجمعة، 22 يونيو 2018

قبل فوات الربيع !!

( قصة قصيرة جداً من واقع أحداث حقيقية ) لم تقوى على النهوض من سريرها .. فقدت الوعي .. هكذا دون أي تمهيد أو سابق إنذار .. شك أن ذلك بسبب سوء تفاهم حدث بينهما بالأمس .. هو دائماً لا يرتاح لبعض أسئلتها المتكررة .. تريد أن تعرف كل شئ .. كل شئ .. لكن .. لم يكن يتصور أن سوء تفاهم ( صغير ) من وجهة نظره .. يمكن أن ينال منها بهذه السهولة .. لم يدري ماذا يفعل .. فجأة وجد نفسه لأول مرة خائفاً .. فجأة وجد نفسه يخشى أن يفقدها .. فجأة صرخ في وجه الطبيب على الطرف الآخر للتليفون أن يحضر حالاً .. أن يترك حياته نفسها ويأتي .. لم يصدق مسألة الإنهيار العصبي المؤقت .. لم يصدق أنه يجلس وحيداً لا يفكر إلا في أن تنهض من غيبوبتها وتصفعه على وجهه .. لم يصدق أنه يشعر باليتم وكأنها لم تكن زوجته بل أمه وعمره ومحيطه .. لم يصدق أنها كانت كل البشر .. ظل شهر ونصف ساهراً بجوارها كالطفل الذي يخشى إن غاب عن أمه تخطفه ( أمنا الغولة ) .. كان ينظر لعينيها الذابلتين أسفل جفونها المغلقة ويتذكر كل ما مر به معها من أحداث .. كيف وافقت أن تكون زوجته .. كيف قالت له أن أبنهما يشبهه تماماً لأن المرأة إذا أحبت صار الولد يشبه ابيه .. حين سافر أول مرة تاركاً إياها في منزل والدها فقالت له أن منزلها في قلبه وتمنت أن يعود سالماً حتى تعود هي من غربتها في غيابه .. نظر لجسدها المستسلم للنوم والمرض وبكى .. كانت المرة الأولى التي يعرف فيها طعم البكاء .. المرة الأولى التي يخشى فيها السقوط .. المرة الأولى التي يستشعر عظمة حبه لها .. في اليوم السادس والأربعين .. كان يستلقي بجوارها منتظراً ميعاد جرعة الدواء ليعطيها لها .. كان يمسك بألبوم صور الزفاف وهي بفستان الفرح .. لأول مرة يلاحظ أنها تمسك ذراعة بكلتا يديها .. فجأة .. سمعها بصوتها الضعيف وهي تقول: تلك عمتي التي تقف بجواري في الصورة وكانت دوماً تحذرني منك .. لم يصدق أنها استفاقت .. لم يصدق أنها تكلمه .. لم يصدق نعمة أنه يسمع صوتها .. قفز كالعصفور من شدة الفرح حتى اصطدمت رأسه ( بالنجفة ) المعلقة في سقف الغرفة فشجت رأسه .. لم يشعر بالألم .. كل ماكان يشعر به هو أنه أخذ يرقص في الغرفة كالمجنون .. يصرخ .. يضحك .. يقفز .. ثم هدأ فجأة .. انحنى على ركبتيه بجوار جسدها المستلقي في ضعف .. قبل رأسها .. رفع كفيها إلى فمه .. ثم أغرق رأسه في صدرها وهو يقول لها بكل صدق الرجل: آسف. بقلم: محيي الدين إبراهيم إسماعيل كاتب وإعلامي مصري

الخميس، 21 يونيو 2018

بهائم العمدة


( فانتازيا قصيرة جداً مستوحاة من أحداث تاريخية حقيقية ) 
ثارت قريتنا على العمدة ( الطاغية ) .. حررها الثوار بقيادة شيخ البلد من ( عبث ) العمدة عبد الجليل .. قرر الثوار في اجتماعهم الأول مع شيخ البلد .. توزيع اراضي العمدة بالتساوي علينا جميعاً .. لابد أن يأخذ كل منا حقه من العمدة .. لابد أن ينال كل منا ثأره من عبد الجليل .. هلل البؤساء للثوار .. إطمأن الجياع على شبع بطونهم في العهد الجديد .. أقيمت الأفراح والليالي الملاح احتفالاً بيوم النصر .. يوم أن نال كل بيت من بيوت القرية عشرة قراريط .. يوم أن إستولى كل منا على جزء من أراضي الطاغية .. يوم أن أصبح كل فلاح فينا مالكاً وليس أجيراً في أر العمدة.
في أيام العهد البائد .. كانت قريتنا مشهورة بزراعة القمح وتخزينه وطحنه .. أما اليوم .. فكل صاحب عشرة قراريط .. يقوم بزراعتها ( خيار وبقدونس وطماطم ) أو سيموت من الجوع .. المدهش أن العشرة قراريط لا تدر على صاحبها ماكان يتقاضاه أيام العمدة عبد الجليل من دخل .. فاليوم نقوم بشراء العيش من البندر .. ( فلوسنا كلها رايحة على شراء العيش ) .. حتى ( بهائم ) العمدة .. ذبحناها لنأكل لحومها ونتلذذ بطعام العمدة وشرابه .. كنا قديماً .. ملوك القمح .. كنا نمتلك ( وابور ) طحين .. كانت كل القرى من حولنا تأتينا للتخزين وطحن الدقيق .. اليوم لا يأتي قريتنا ولا يطأها أحد إلا في فرح أو جنازة .. فقد توقف ( وابور ) الطحين عن العمل لإنعدام القمح .. وأصبحت صوامع الغلال لا تحوى إلا الفئران والثعابين.
بعد عام وبضعة أشهر .. أصبح حال الناس في قريتنا أكثر بؤساً من أيام العمدة عبد الجليل .. فزراعة ( الخيار والبقدونس والطماطم ) .. حرقت الأرض وأضعفت المحصول حتى اسودت الدنيا في قلوب الكل .. كان لسان حالهم يقول: ولا يوم من أيامك ياعبد الجليل .. هكذا الناس .. كلما جاعت بطونهم ثاروا .. وكلما ثاروا ندموا .. وكلما ندموا ثاروا من جديد .. حتى تلطخت أرض قريتنا بدماء الغضب .. والشكوى .. والحزن.
كيوم صلاة الاستسقاء .. خرج الفلاحون بنسائهم وأولادهم إلى ساحة القرية التي شهدت أيام ثورتهم الاولى ضد العمدة عبد الجليل .. وحين إكتمل نصابهم .. ذهبت هذه الجموع البشرية الغاضبة في مشهد أقرب لمشهد السعي بين الصفا والمروة في أيام الحج نحو دار شيخ البلد .. إنهم لا يريدون العشرة قراريط .. إنهم لا يريدون ( الخيار والبقدونس والطماطم ) .. أطل شيخ البلد من نافذة الدار فوجد أهل القرية جميعاً وعيونهم مملوءة بالغضب .. كان يجتمع معه في تلك اللحظة كل من شاركه من ثوار التغيير ( الصغار ) .. استشعروا جميعاً الخوف .. صعدوا يسبقهم شيخ البلد لسطح الدار بحثاً عن وسيلة للهروب .. استفز هذا الأمر جموع الغاضبين فلحقوا بهم وانقضوا عليهم .. وكما تفعل الكلاب الجائعة لم يتركوهم إلا جثثاً هامدة منهوشة البطون .. ثم قاموا بإلقائها جميعاً في مجرى ( الترعة ) .. قريتنا الآن بلا عمدة .. ولا شيخ بلد .. ولا ثوار .. أما الفلاحين .. فصار كل منهم يعمل أجيراً مرة أخرى .. ولكن هذه المرة عند عمد القرى المجاورة .. ليستطيع توفير أي دخل يسد به رمق جوع عياله !!
بقلم: محيي الدين إبراهيم
كاتب وإعلامي مصري

الأربعاء، 20 يونيو 2018

ستنجو

لا أحد يقدم لك النصيحة لوجه الله .. وإنما ليتسيد بها عليك .. ليستشعر أنه الأقوى .. الأكثر إتزاناً منك .. فلا تأخذ بها .. فقط أتبع قلبك .. ثق في نواياك .. وستنجو

ولا الضالين .. آمين ( قصة مستندة على احداث حقيقية )

 درويش الأعمي .. ( مؤذن ) مسجد قريتنا الكفيف .. كان بيته على بُعد نصف ميل من المسجد .. لم يكن بيتاً بالمعنى المتعارف عليه .. فقط غرفة من الطين بسقف من ( سعف ) النخيل .. غرفة عارية تماماً من أي شئ .. كان فقيراً جداً لدرجة أنك تندهش من فقره .. بل وكأن الله خلق الفقر على هيئة درويش الأعمى !! .. توفى والده وهو في سن السابعة من ( عضة ) كلب .. كان يمكن أن تكتب لأبيه النجاة لو تم حقنه لمدة 21 يوماً بحقنة داء الكلب .. لكن أكتفى أهل قريتنا أن يرسلوا له حلاق قريتنا ( حامد أبو عيشة ) ليضع فوق الجرح الغائر من ( ناب ) عضة الكلب بعضاً من حبات الإسبرين المسحوق .. فمات المسكين بعد ثلاثة أيام وتم دفنه بملابسه فلم تكن تمتلك زوجته مايمكنها من شراء ( كفن ) .. لكنها تمكنت من تربية ( درويش ) قدر استطاعتها في خدمة بيوت الفلاحين الأثرياء .. كان درويش ذكياً .. يحفظ كل مايستمع إليه بمجرد أن يقال مرة واحدة .. في سن التاسعة كان قد حفظ القرآن لمجرد أنه كان يجلس في إحدى زوايا المسجد بعيداً .. يستمع للشيخ وهو يلقن أبناء الفلاحين دروس حفظ القرآن ليتمكنوا من دخول الأزهر .. كان أبناء الفلاحين بمجرد الإنتهاء من دروس حفظ القرآن يذهبوا إليه .. ثم يقيموا حلقة من حوله .. ثم يصرخون ويتصايحون وهم يرددون: الأعمي آهو .. الأعمى آهو .. حتى ينقذه من يدهم الشيخ رضا .. وحين مات الشيخ رضا .. كان درويش في الثالثة والعشرين من عمره .. ولم يجد أهل ( قريتنا ) من يتولى أمور الآذان وقراءة قرآن الجمعة وتحفيظ أبنائهم القرآن الكريم .. إلا ( درويش ) .. ورغم أنه عملُُ يرتبط بشعائر الدين إلا أنه كان أشبه بالعبودية .. أشبه بالسخرة .. استعبده أهل قريتنا .. فقد كان لا يحصل مقابل ذلك إلا على رغيفين من الأرغفة الفلاحي كل يوم وصحن خضار مطبوخ من بقايا البيوت كل يوم خميس وقليل من الجبن القديم تكفيه وأمه طيلة الأسبوع .. كان راضياً .. لم نسمعه يشتكي أبداً .. بل أننا لم نسمع له صوتاً إلا في الآذان وقراءة وتحفيظ القرآن .. حين كبرت أمه في السن لم تعد تقوى على ( سحبه ) من يده في كل وقت صلاة إلا صلاة الفجر .. لتدفع عنه الكلاب .. كان يخاف من الكلاب بعد موت أبيه من عضة كلب .. ثم تنتظره حتى تنتهي الصلاة وتعود به لغرفتهما لينام .. ثم يأتي طفل من أبناء الأثرياء يسحبه من يده قبل صلاة الظهر بساعتين ميعاد دروس تحفيظ القرآن الكريم .. ويظل درويش بالمسجد حتى تنتهي صلاة العشاء .. فيسحبه أحد المصلين لغرفته حيث تكون أمه في استقباله .. هي تعلم أنه جائع .. فلم يتذكره أحد طيلة يومه ولو بنصف رغيف ( حاف ) .. كان من شدة التعب ينام وهو يأكل ويستيقظ على صوت أمه قبل صلاة الفجر حتى يستعد معها للذهاب إلى المسجد ليؤذن للصلاة ويصلي بالناس .. في أحد الأعوام .. جاء الشتاء قاسياً .. عنيداً .. جاء الشتاء لا يحمل في رحم أيامه شفقة .. كان هطول أمطاره كطلقات الرصاص حتى غرقت غرفته التي ينام على أرضها الطينية إلى أن اصبح النوم فيها مستحيلاً .. مستحيل الصقيع .. ومستحيل السقف المفتوح على السماء .. ومستحيل الأرض المبللة دوماً بالماء .. كان الفلاحون يمرون من أمام غرفته يومياً أثناء عودتهم من الحقول .. ولم يفكر واحد فيهم رفع جزء من معاناة هذا الشاب البائس الفقير .. في الثالث من شهر ديسمبر .. خرج من صلاة الفجر متأخراً لدرجة أن أمه كاد قلبها أن يتوقف من شدة تأخره .. لكنها وجدته خارجاً حاملاً ( حصيرة ) من حصائر المسجد لينام فوقها مع أمه وتحجز بينه وعظامه وبين رطوبة طين أرضية غرفته .. وحين سألته عنها .. أجابها: هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ .. حين أشرقت الشمس .. كان معظم فلاحين قريتنا يحملون ( فؤوسهم ) ويحيطون بغرفة ( درويش الأعمى ) لص حصائر المسجد .. ليهدموا الغرفة فوق رأسه ورأس أمه .. أول مرة تتحد قلوب فلاحين قريتنا على قلب رجل واحد .. دخل أحدهم الغرفة بالقوة .. سحبه بالقوة ولم يرحم ( عماه ) .. ألقاه كالكلب بين الفلاحين الغاضبين ليقيموا عليه حد السرقة .. وهنا .. هنا فقط سمعنا صوت درويش لأول مرة .. درويش الثائر .. درويش الغاضب .. نهض من سقطته وواجه الجميع: ماذا تريدون مني أيها الضالون .. يامن تتوسلون لله زوراً أن يكشف عنكم الضر وأنتم أهل ضر .. بلد شر وأهلها شر وأهل شر .. ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) .. أنتم كالأنعام بل أنتم أضل .. تقرأون القرآن لايصل حناجركم من شدة ضلالكم .. وبخل نفوسكم .. وقساوة قلوبكم .. تلك القساوة التي دفعتني لمنزل العاطي الوهاب .. لبيت الله .. للرحمن الرحيم .. لمسجده .. لم أجد سواه لأنجو ببدني وأمي بحصيرة منه أفرشها فوق ارضية غرفتي لأستطيع أن أنام بعد أن أكل الصقيع جسدينا وكاد أن يقتلنا على مرأي منكم وليس فيكم محسن .. حصيرة من بيت الرحمن تحافظ على ماتبقى في جسدي من قوة أقوى بها على أن أصلي بكم عسى أن تلين قلوبكم التي كالحجارة .. ( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .. ياكفرة !!
أجلس الآن بين صلاة المغرب والعشاء بمسجد قريتنا بعد التجديدات والتوسعة .. أجلس ممتلأ بالحماس لسماع بقية الحكاية من الشيخ ( عبد المعطي طناني ) .. مستندين أنا وهو على حائط غرفة ملحقة بالمسجد منذ ثمانين عاماً .. قرر الفلاحين بنائها للشيخ درويش بعدما أبكاهم بثورته وغضبه .. فعادوا من حيث أتوا .. ثم قرروا بناء تلك الغرفة له ولأمه ملحقة بالمسجد على أن يمنحوه مبلغاً شهرياً يعينه على المعيشة وأيضا ليحافظوا على ما تبقى لهم من عفو .. يعفو به الله عنهم وعن ماأقترفوه في حق درويش .. هب الشيخ عبد المعطي واقفاً فقد إقترب ميعاد آذان العشاء .. ثم أشار لي نحو شاب يقف بالقرب من المحراب ثم قال: عزوز .. حفيد الشيخ درويش الله يرحمه .. هو من سيؤذن لصلاة العشاء !!
بقلم محيي الدين إبراهيم
كاتب وإعلامي مصري

الثلاثاء، 19 يونيو 2018

قدس عشقها النور

وضع وجهه في حضن كفيه .. كان يستحي وهو ( العاصي ) أن تلتقي عينيه الخاسرتين .. بعينيها الملائكيتين .. كانت نزوة .. هو لا يستطيع إنكار ذلك .. لكن عشقه لها لم ينقص .. لم يذبل .. لم يفقد ركن واحد من أركان روحه .. لقد أخطأ الجسد مع غيرها مرة وحيدة وليتها لم تحدث .. إنما روحه .. مازالت تصلي في قدس عشقها النور .. هنا .. هنا فقط .. إلتقطت إذناه رنين خاتم الزواج وهو يسقط فوق سطح الطاولة التي كانا يجلسان عليها .. في نفس المكان الذي التقاها فيه .. أول مرة !!

القنديل الأخير

عند مفترق الطرق .. في صحراء مشاعره .. كان الظلام دامساً .. بينما رغبته في الوصول ( أبلغ ) من وجوده .. طريق واحد عليه أن يسلكه ليصل .. عليه أن يسحق الظلام ليسلك ( الطريق ) .. لا أن يسلك ( طريق ) ليسحق الظلام .. قفز في قلبه حتى أعمق نقطة في وجدانه .. كان هناك بقايا عشق قديم .. وظل باهت لوجهها الذي يعرفه .. ونقطة صغيرة استطاعت المقاومة من روح أشعلت في وجوده قناديل الحياة .. تناول القنديل الأخير .. وانتفض خارجاً يحمله حتى انسحق الظلام .. وبمعرفة الطريق .. سار نحو نقطة الوصول .. كلما سار .. تساقط حزنه .. الآن .. رغم أنه في منتصف المسافة .. يشعر بدفء وجهها الذي يعرفه منتظراً هناك .. عند بوابة عشقه القديم .. ينتظر بنفس طيبة الناسك .. ليبث في روحه .. ما سلبه الحزن من نور !!