الخميس، 25 نوفمبر 2010

قراءة في القصة الفلسطينية المعاصرة .. نازك ضمرة أنموذجاً

بقلم: محيي الدين إبراهيم - كاتب وإعلامي مصري

 

يقول زكي نجيب محمود: إن الأدب مهما تكن الصورة التي جاء عليها من شعر أو قصة أو مسرحية ينبغي أن يعبر عن نفس الأديب أولاً، وينبغي أن تتكامل أجزاؤه في بناء يكون بمثابة الكائن الفرد ثانياً (فلسفة وفن: 366).

نفس الأديب أولاً، تلك هي البداية التي من خلالها نستطيع معرفة إلى أي مدى يسير أدب أمة بعينها ونحو أي هدف.

وأمامنا اليوم نموذج معاصر حي للأدب القصصي الفلسطيني للأديب والروائي نازك ضمرة، الذي أعتبره قاص وروائي فلسطيني معاصر أستطاع أن يسبح ضد التيار ويعلن من جديد - في أعماله - عن الإنسان الفلسطيني البسيط في القرية والديرة التي كدنا أن ننسى انفعالاتها وحيوتها وأصالتها وأهازيجها الشعبية

الخميس، 18 نوفمبر 2010

الفساد وسنينه

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
خرج اليزيد بن معاوية ولم يبق على وفاة الرسول الكريم بضع سنين بجيش جرار لمكة والمدينة احتيالاً باسم الدين وحرق الكعبة واغتصب كل نساء المدينة في عام السفاح ليرغم اهلها على بيعة ابيه قصراً هذا بعد ان تم نفي كل صحابة رسول الله الذين عارضوه الى الصحراء!
هكذا يخبرنا التاريخ عن كل الكوارث التي كانت – ومازالت - تحل بوطننا العربي تحديداً وهي كوارث يعلمها الله مسبقاً ويراها ويعلم توابعها ونتائجها وماستسفر عنه الأحداث فيها من موت وخراب ديار، وبالرغم من ذلك تحدث ولانجد منه نصراً واحداً ولا فتحاً مبيناً مما آثار لدى البعض الكثير من الشكوك وعلامات الإستفهام حول وضعنا الحقيقي أمام الله سبحانه وتعالى ولماذا يتركنا هكذا دون معجزات رغم أنه هو وحده القادر على انقاذ آلاف الضحايا الذين يسقطون يومياً من المحيط للخليج بشكل مآساوي ومبالغاً فيه بل وسحق الغزاة بأمر صغير منه وايضاً استبعاد كل حكامنا الذين نعتبرهم مفسدون في الأرض بأن يطلق عليهم ودفعة واحدة مرض الطاعون فيموتوا في جماعة وفي وقت واحد رغم بعد المسافة واختلاف المذاهب السياسية!، فماهو السر في عدم النصر ؟ألسنا اهل الله واحباؤه أم أن المسألة فيها منا تجاهه جل وعلا عمليات نصب واحتيال ؟ اظنني أميل الى أن المسألة تحوي منا كثيرا من النصب والإحتيال على الله لذا فقد تركنا هكذا لمصيرنا لتنطبق علينا وحدنا دون غيرنا نص ايته الكريمة التي تقول " ويبدل قوماً غيركم" لانه – ربما - قد وجب تبديل القوم الذين قالوا ربنا الله ليس لإيمان في قلوبهم ولكن ليشتروا به ثمناً قليلاً. 
لقد خرج اليزيد بن معاوية ولم يبق على وفاة الرسول الكريم بضع سنين بجيش جرار لمكة والمدينة احتيالاً باسم الدين – وقد كان سكيراً - وحرق الكعبة واغتصب كل نساء المدينة في عام صار اسمه في التاريخ عام السفاح ليرغم اهلها على بيعة ابيه قصراً هذا بعد ان تم نفي كل صحابة رسول الله الذين عارضوه الى الصحراء وعلى رأسهم عبدالله بن عمر وابو ذر الغفاري الذين ماتا دون أن يدري عنهما عامة المسلمين شيئاً سوى انهما كانا – من وجهة نظر الحاكم – ارهابيين رغم كونهما – رحمهما الله – من المبشرين بالجنة، الأمر الذي دفع الدولة الإسلامية الوليدة ان تعيش مآساة الفتنة الكبرى ويموت فيها الآلاف ممن كان الإسلام الحقيقي في أمس الحاجة لهم ويموت فيها ايضاً غالبية صحابة رسول الله وعلى رأسهم على بن ابي طالب واهله جميعاً ولتنتهي الدولة الأولى في الإسلام وهي الدولة الأموية نهاية مآساوية دموية لم يشهد التاريخ لها شبيهاً على يد مسلمين آخرين زوروا الإسلام لخدمة نواياهم السياسية بقيادة " ابو العباس السفاح " كما كان يطلق على نفسه حيث لم ينجو طفلاً اموياً رضيعاً ولاإمرأة أموية من قطع رأسها بالسيف ولتقوم فوق هذه الاجساد الدولة العباسية – الإسلامية – وفوق بحر من الدم الإسلامي بعد النصب والإحتيال على الله باسم الدين وهو الأمر الذي لايقبله الله حتى وإن امهله بعضاً من الوقت لتنتهي الدولة العباسية نهاية اسوأ مما انتهت إليه على يديها الدولة الأموية وبيد مجموعة من الرعاع الوثنيين من قبائل منغوليا وتتاريا الصينيتان ليقتل– حسب رواية المؤرخين – مليون مسلم في بغداد وحدها وفي أقل من ثلاثة اشهر ليذق العباسيون بعد حين نفس الكأس الذي أذاقوه قسراً وارهاباً للأمويين ولينتهوا وتنتهي دولتهم. 

بوتين يرتدي عباءة ريجان

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
وكما فعل ريجان بشكل هوليودي واستبدع مشروع حرب النجوم الذي كان من اهم نتائجة – ان لم تكن الوحيدة – هو تفكيك الإتحاد السوفييتي وانهياره فإن بوتين ايضا سيصنع فيلماً لنفسه يحمل اسمه لربما تكون نتائجة اقرب لنتيجة فيلم ريجان وتنهار أمريكا

فجأة وجد بوتين نفسه و طوقاً يلتف حول عنق روسيا من جميع الجهات ويحوي قوى في غاية التناقض وان كانت كلها تتفق في امتلاكها للطاقة النووية أو قاب قوسين أو أدنى منها – كإيران - 
وعلى رأس الجميع القوات الأمريكية التي أصر قوادها أن تكون على مرمى حجر من موسكو بعد أن خلا لها وجه العراق وربما – رغم الإستحالة – يخلو لها وجه ايران ايضاً، وعليه كان لابد لبوتين ان يبحث عن مخرج لموقف بلاده الحرج والتهديد الغير معلن الذي ترمي به امريكا وتلوح به لروسيا خاصة بعد أن صارت اميركا – شئتم ام ابيتم - دولة دينية على يد اليمين المحافظ والكل يعلم أن أي حكم أو سلطة دينية في العالم دائماً ما تستهويها انهار الدم وصناعة الحروب وتدمير الأمم باسم الدين حتى قبل تطبيق الدين نفسه لأن الدين بالنسبة للساسة المؤدلجين ماهو إلا " ميكروباص" يصلون به إلى أهدافهم غير عابئين بدهس شعوبهم وضحاياهم من مختلف الشعوب الإخرى، ولما كان المخرج يلزم نوع من الذكاء – الروسي - الذي يجب ان يقتنع بمعطياته جل العالم لم يجد بوتين سوى عباءة ريجان ليتلحف بها، وكما فعل ريجان بشكل هوليودي واستبدع مشروع حرب النجوم الذي كان من اهم نتائجة – ان لم تكن الوحيدة – هو تفكيك الإتحاد السوفييتي وانهياره فإن بوتين ايضا سيصنع فيلماً لنفسه يحمل اسمه لربما تكون نتائجة اقرب لنتيجة فيلم ريجان وتنهار أمريكا خاصة أن الظروف الآن مواتية وتعلم مخابرات العالم الثالث قبل الأول أن الأقتصاد الأمريكي اليوم اصبح شبه عاجز عن تلبية كثير من الإحتياجات فمابال التطوير النووي الذي يحتاج الى جبال من الدولارات بل ان عدد الذين اصبحوا بلامأوى في شوارع امريكا قد فاق عدد امثالهم في الهند – حسب رواية الأمريكان أنفسهم - وان حرب العراق كادت أن تأتي على كل سنت بالخزانة الفيدرالية وأن محاولة استرجاع هذه السنتات من بترول العراق هي اشبه باسترجاع مياه البحر بواسطة ملعقة من الخشب وهنا اعلن بوتين عن امتلاكة أو قرب امتلاكة لسلاح نووي لا ولن تمتلكه أي قوى في العالم حتى ولو كان العالم بعضه لبعض ظهيراً. لم تتحمل اميركا هذه الصفعة التي ربما لو كان " كيري " على رأس البيت الأبيض ما صفعها له بوتين الذي يستشعر قرب الغدر الأميركي به وبشعبه خاصة بعد خروجه من المولد بلا حمص وضاعت منه صفقة البترول الباهظة الثمن التي صفقها مع نظام صدام حسين البعثي السابق، ولما لم تتحمل اميركا هذه الصفعة المباغتة خرج علينا اعلامها والمتحدثين باسم ساستها يتوددون لروسيا بأقوال مفادها أن روسيا هي صديق وحليف وأن الغاية واحدة بينهما في ان الإرهاب هو هدفهما معاً وأن السلاح النوووي الجديد ماهو إلا أداه لمحاربته والكل يعلم أن هذا كله كلام من باب " الضحك على الدقون " لأن امريكا وكل العالم المتحضر يعلم ان السلاح النووي تتم صناعته خصيصاً لقتال عدو يبعد عشرات الآلاف من الأميال كما فعلت اميركا بنجازاكي وهيروشيما ولايعقل أبداً أن تضرب به روسيا المقاومة الشيشانية مثلاً في حرب عصابات كالتي تقوم بها قوات التحالف في الفلوجة وهيت والموصل بالعراق لان ذلك يعني – والشيشان على مرمى البصر من موسكو – ان ينقلب السحر على الساحر ويفتك الغبار الذري بموسكو ومن حولها. 
إن بوتين يحاول التجهيز لهذا السيناريو منذ زمن بعيد بدأ تنفيذه – ربما - باحداث المدرسة الإبتدائية التي راح ضحيتها المئات من الأطفال والعوائل والتي كانت حجر الزاوية الذي بنى عليه بوتين قبة صخرته السياسية للوقوف أمام امريكا كند يستعيد قواه من جديد وهي كارثة ربما تؤكد ايضا تورط الإدارة الروسية في صناعتها وإلصاقها بالمقاومة الشيشانية لتحكم بمبرراتها امام العالم امتلاكها لاسلحة نووية فتاكة خاصة وانها تشبثت برفض اميركا لبروتوكول الحد من الأسلحة النووية فيما طمحت اليه وتعلنه اليوم امام شاشات التليفزيون وهو أمر جعل رد الفعل الأميريكي يعض على انامله من شدة الندم بعد ان ملأه التوجس والقلق في ظل هذه الظروف الصعبة التي تعيشها قوات التحالف مع الفلاحين في " قرى " العراق . 
إن كان فيلما روسياً على غرار مافعله ريجان فعلى أميركا أن تصدقه بكل مافيه وبحذافيره لانه ليس امامها إلا أن تصدقه لان هذا الفيلم قد صنع خصيصاً ليمس الأمن القومي الأميركي وعليه فأمريكا عليها أن تبحث منذ اللحظة عن اطنان من الدولارات تدفع بها الى معامل التطوير النووي لتقف امام روسيا – كما كانت في الماضي – نداً قوياً شرساً ولكن مع استمرار الحرب على العراق وتدفق الأموال التي يتم انفاقها على بسط قواعد الديموقراطية الملفقة ومصاريف الجند والسلاح هل سيمكن لأميركا ان تواجه هذا الفيلم الروسي دون أن تفلس أو يحيق بها ما حاق بالإتحاد السوفييتي من تفكك بعد أن صدق فيلم ريجان وحربه المزعومة من فوق اسطح النجوم، إن هذا مايريده بوتين واقصى طموحه بل وماتريدة فرنسا والمانيا ايضاً بل والمدهش انه وفي أول رد فعل للشارع الأوروبي نجد ان الغالبية منهم قد انتشت لمجرد ان الدب الروسي قد بدأ يستفيق من غيبوبته ويهدد ويتوعد - كما كان أيام زمان - حتى لو كان في هذا التهديد خسارة لأوروبا الموحدة نفسها مادامت الخسارة ستطول اميركا- الهدف الغير معلن لروسيا - ولتعم اللعنة على الجميع بعد أن خسر العالم حريته وراء مزاعم القضاء على الإرهاب والحروب الغير مقدسة

المجلة المصرية || نون

الأحد، 24 أكتوبر 2010

قيــــــراط أرض - قصة قصيرة جداً

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
نهره احدهم بقوله : ماتروح تهددة يا أخي وتقوله يالقيراط ياروحك وبكدة تخوفة وتاخد حقك .. حاجة من إتنين .. ياتاخد قيراط الأرض ياتقتله ونخلص منه ومن اجرامه!!!!. 
كان عبد القادر الخولي أحد فلاحين مصر الشرفاء له قيراط أرض زراعي واحد (175 ميتر )، كان شريطاً طويلاً يجاور خمسة فدادين يمتلكهم جاره الذي رأى أنه لاوجود اطلاقاً لهذا القيراط الذى يزعم صاحبة أنه موجود، ولما كان عرض هذا القيراط 15 سنتيميتراً فقط وطوله 1167 ميتراً فقد احتار في العثور عليه جهابذة القياس وفقهاء الحدود لدرجة أنهم آمنوا بأن هذا القيراط هو قيراطاً مزعوماً بالفعل وليس له وجود اطلاقاً وحذره من مغبة الخوض في صراع مع صاحب الخمسة فدادين كل أهل القرية بما فيهم شيخ الجامع وحتى زوجته زبيدة وابناءه الذكورخاصة وأنه ( أي صاحب الخمسة فدادين ) كان عدوانياً وشرانياً، لكن أصر عبدالقادر اصرار المطمئنين لإيمانه بأنه صاحب حق وأن هذا الحق حتى ولو كان تافها فهو يمتلكه ولابد له من وسيلة لأسترداده.
إن قيراط الارض موجود وهو ملكه وسيسترده حتى لو اتهمته كل الدنيا بالجنون، سيقاوم ويحاول وسينتصر ويستردة. 
المدهش أن هذا الرجل رغم بساطته وبساطة فكره ووعيه الفطريين ظل يدرس قدر هذا الفكر وهذا الوعي جغرافية المكان كلة وظل يستشير كل من يثق فيهم من اصحاب العلم الخلصاء الذين لهم دراية بتاريخ الأرض وجغرافيتها وعلاقة بطبيعة المكان وجذوره، ولما نهره احدهم بقوله : ماتروح تهددة يا أخي وتقوله يالقيراط ياروحك وبكدة تخوفة وتاخد حقك .. حاجة من إتنين .. ياتاخد قيراط الأرض ياتقتله ونخلص منه ومن اجرامه!!!!. 
كان دائماً ماينظر لمثل هذه الاقوال نظرة صاحب الحق الذي يرى أن قيمة البني آدم تكمن دائماً في الالتزام بالمشروع وان طال امد الحصول عليه وليس في السلب وان كان سيمكنك من امتلاك العالم كله في لحظة، ولهذا كان دائماً مايردد : لايحق لي أن استرد مافقد مني سلباً وغصباً ألا بالحق والقيمة وانا حقي القيراطوقيمتي في عنادي والا ابقى مااستاهلش. 
يمر عام واحد ( مدة طويلة بالنسبة لفلاح رأس ماله الارض ) ويقسم الشيخ مرتضى في صحن المسجد وبين خطبتي الجمعة أن عبد القادر الخولي كان الصادق الوحيد في البلد دي وكلنا كدبناة، انا بنزل من فوق المنبر أهو.. وبقول لعبد القادر اللي في وسطكم دلوقتي يابشر ( قوم يابو ايهاب ) وبشد على ايدة قدامكم وبحضنه كمان وبقوله يحميك ياعبد القادر .. يحميك وربنا يباركلك في اللى خدته لأنك علمتنا درس جامد قوي .. علمتنا ازاي يكون الواحد مننا يبقى بني آدم وبأخلاقه وبأخلاق البني آدمين ياخد حقة حتى ان طال زمن اخدانه رغم اننا كلنا قولنا عليك مجنون.
يعود الشيخ ليعتلى المنبر مرة ثانية وهو ينظر لأهل قريته نظرة كلها عتاب وغضب ثم يعلق بكلمة واحدة هي كل الخطبة الثانية ويقول: اللي يعرف قيمة نفسه بالحق ويحارب لأخدانه بالحق... حتى إن مات وهو بيحاول ياخده .... الناس كلها هتقعد تترحمعليه ليوم الدين وتترحم على اصراره ورجولته ونزاهة ضميره بعد ماتكون خدت درس كبير فازاي يكون البني آدم...بني آدم، وأقم الصلاة يابلد.

الأحد، 10 أكتوبر 2010

أعطيتها تمثالاً من قش

قال لي: 

ليست مجرد إمرأة .. من المؤلم أن تمر بتجربة مع عودة وجه تعرفه .. تحبه .. تحن إلي لحظة كانت لك معه .. بينما يرتدي أسفل وجهه الحقيقي أقنعة .. أوجه مزيفة وأسماء مزيفة وجغرافيا مزيفة .. أمرأة .. لكنها في عذوبة الياسمين .. لا شك أنها تجيد التنكر .. تجيد التشكل .. الإبداع .. أما أنا .. فأجيد الإختباء والتخفي والمراوغة .. وبالرغم من أني لا أعرفني .. هي تعرفني جيداً .. ربما تصورت أن اختبائها وراء قناع لن يجعلني أتعرف عليها .. لكن .. حركة يديها .. أنفاسها .. نبرة صوتها .. أعرفها أنا جيداً .. لكنها مادامت قد تخفت وراء وجه وأسم وجغرافيا مزيفة .. فهي حتماً تدفعني لتأدية دور ( عبيط القرية ) معها .. فمارست معها دور (عبيط القرية ) الذي رسمته هي لي .. كان قبولي لهذا الدور عن قناعة لأسباب أهمها .. ربما عادت لتثأر مني كأمرأة .. أنا بحاجة لأن تثأر مني كأمرأة .. فقررت أن لا أحادثها تليفونياً حتى لا ينكشف أمر ( اللعبة ) من أول مشهد تمثيلي بيننا رسمته هي وبدأته .. أنا لا أحب التمثيل .. فأنا فاشل فيه تماماً .. ولكن .. ( هل مررت بتجربة حب حقيقية ودفعك الخوف أن لا تستمر فيها رغم رغبتك الشديدة في أن تستمر ؟) .. ( هل جربت أن تجد إمرأة كأنها أنت .. تحدثك وكأنك تتحدث مع نفسك ثم .. من شدة التعلق .. تقرر الإنتحار ؟) .. أنا مجنون حتماً .. لكنني لستُ مفعماً بالغرابة ! .. لست أنا الشخص المحافظ .. لست كل هؤلاء الفرسان الذين تحكي عنهم حكايات الجدة .. لست ُ نبياً .. ولا ملكاً .. ولا مليونيراً .. ربما أنا شخص ( غبي ) يخشى السعادة ! .. شخص لا يعرف قيمة أن يكون محاطاً بحب إمرأة ( حقيقية ) .. أو ربما إسعاد إمراة حقيقية .. على شاطئ البحر معها .. في مطعم أختارته هي .. وجدت نفسي الضائعة معها .. عثرت عليها لأول مرة .. ألقت بعملة معدنية في الهواء .. تعويذة حظ لم أفهمها .. ولم تكن عندي رغبة لأن أفهمها .. ملك وأللا كتابة ؟ .. كتابة ! .. فأنا .. لم أحلم أبداً أن أكون ملكاً .. ولا أحب الملوك .. في آخر لقاء لي معها أعطيتها تمثالاً من قش .. قفزت به كطفلة في الهواء كأنه تمثالاً من مرمر .. ثم أدرت ظهري لها ولم أعد .. أدرت ظهري في نفس اللحظة التي أردت أن أعانقها فيها عناقاً محفوفاً بالخلود .. عناقاً يتوقف فيه الزمن ولا يتوقف فيه الحس .. هي أجبرتني بروعتها كأنثى أن .. أدرك مدى عدم استحقاقي لها كرجل .. خشيت أن تضيع مشاعرها الرطبة المليئة بالحياة .. والجمال .. والطفولة .. داخل ( خراب ) يابس ملئ بالجنون .. وبعد زمن .. حين عادت تبحث .. أو ربما تثأر .. من تحت قناع مزيف .. أسم مزيف .. جغرافيا مزيفة .. راودني الحنين لها مرة أخرى .. لكنني .. وجدت نفسي .. أمارس معها من جديد .. دور .. عبيط القرية !!

الاثنين، 27 سبتمبر 2010

الروح والنفس والجسد ( مثلث الذات الكثيفة )

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
أقسم لي أحدهم وكان سائحا فرنسيا أنه رآني في مدريد عاصمة أسبانيا وجلس معي في فندق بشارع انطونيو بأحد أحياء مدريد وتحدثنا وشربنا وأكلنا لمدة تزيد عن عشرة أيام في هذا الفندق حيث كنت في زيارة وسياحة هناك وأنه لم يكن يدري أني مصري حتى رآني بالصدفة في القاهرة!

(( لا تثقب الوعي في عقول الجهلاء ليقتلونك ))
الكثيف والخفيف واللطيف، تلك هي معطيات الذات البشرية المعقدة، معطيات الوجود العرضي المشروط بزمن محدد، ذلك الوجود الذي يبدأ بالنور وينتهي بظل النقطة، وحيث النقطة وصلة منه إليه، وصلة ما قبل الإرادة والخاطر، قبل الزمن والمسافة، الحركة والسكون، حيث لم يكن سوى هو .. هو فقط قبل كن ووعاء يكون.
والعقل علامة تدل على ذاتك، وليس جزءاً منك، ولو كان العقل جزءا منك لكان حجة عليك سواء حمل وعيا أو لم يحو، لذا فليس على المجنون مسئولية وإنما المسئولية تقع على الوعي الدال على الذات في وعاء العقل.
وقبل الحديث عن الذات بأنواعها والحياة والموت والوجود الأبدي المشروط للإنسان وكونه موجوداً لا يزول بزوال موت الجسد ولكنه باق ببقاء النفس أو ربما غير موجود على الإطلاق وأن ما يحدث فينا هو مجرد تداخل لموجات كثيفة اتحدت مع عنصر الأرض الترابي فكونت ما نظنه نحن أنه نحن، بينما نحن هم، أو ربما نحن وهم لسنا إلا مشروع قابل للبث في كلمة من كلمات هو، حيث لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل وإنما الآن، الآن فقط، ذلك الآن الذي تتواجد فيه الموجات الخفيفة متجمعة أو متفرقة في تداخل مذهل وحيوي وحيث هذا التداخل لتلك الموجات وحركتها وانعكاساتها واختراقها وظهورها واختفائها هو ما يمكن أن نطلق عليه حياة، وهل البشر مصنفون؟ بمعنى هل هناك بشر عادية أصحاب موجات أشبه بموجات الراديو الطويلة ذات المدى المحدود وبشر آخرين أصحاب موجات شديدة الإشعاع كموجات المايكروويف يستطيعون خرق حاجز الزمان والمكان لدوائر أخرى ومحيط آخر وعالم آخر في نفس الوقت الذي يكونون فيه معنا؟ هل أنت موجود في أكثر من مكان في ذات الوقت؟ وهل أنت تمثل ذات واحدة أم تمثل مجموعة كبيرة من الذوات كل واحدة منها تعيش في مكان آخر غير الذي تحيا فيه الأخرى؟ وهل مقولة " يخلق من الشبه أربعين" حقيقية ومن ثم فهناك أربعين ذات بأربعين نفس تأخذ ملامح شخص واحد، أم أن هناك شخص واحد يعيش في أربعين رداء في نفس اللحظة وفي أربعين مكان في العالم المحدود وربما العالم اللامحدود " الخارجي " أيضا؟ وهل أنت أنت في حال كونك موزع على أربعين شخص بنفس واحدة أم انك مجرد صورة من تلك الأربعين صورة من الذات الأم التي تحيا بعيدا عنك في مكان آخر؟ وهل بموت وفناء جسد الذات الأم تفنى صور الذوات الفرعية؟ وهل بعد فناء الجسد المادي وبقاء النفس المتوفاة معلقة بين الروح العظيمة وبين عالم الوجود المادي ستظل تبث حيوتها فتراها الأجساد التي لم تفن؟ لماذا نرى أقاربنا الذين رحلوا عنا وإذا ذكرنا هذا اتهمنا البعض بالجنون؟ وهل من سكنت أجسادهم وفنت يعيشون بيننا بالفعل من خلال أنفسهم الباقية والتي لم تفن ويتصلوا بنا بالفعل وكأنهم لم يرحلوا عنا أساسا؟ 
أقسم لي أحدهم وكان سائحا فرنسيا أنه رآني في مدريد عاصمة أسبانيا وجلس معي في فندق بشارع انطونيو بأحد أحياء مدريد وتحدثنا وشربنا وأكلنا لمدة تزيد عن عشرة أيام في هذا الفندق حيث كنت في زيارة وسياحة هناك وأنه لم يكن يدري أني مصري حتى رآني بالصدفة في القاهرة وأني أتحدث العربية والأسبانية بطلاقة بل وغضب مني حينما أجبته بالانجليزية أني أول مرة أراه فيها وأن علاقتي باللغة الأسبانية أشبه بزواج الابن من أمه يعني مستحيلة وأني لا أعرف أنطونيو ولا كليوباترا ولا أعرف اسبانيا أصلاً إلا من بعض كتب التاريخ وغزوة طارق ابن زياد وأنها ملتصقة بالمغرب التصاق الرضيع بأمة الشرعية.. وهنا رد بفظاظة وقال لي أني أريد أن أقنعه بأنه مجنون، وأقسم مرة أخرى أنه رآني واكل وشرب معي ولكني أنا المجنون وتركني وذهب وهو في قمة غيظه وحقده.
هذه الحكاية كانت تقريبا في عام 87 وكنت وقتها متخرجا حديثا من كلية الهندسة ابحث عن عمل ومستقبل ونسيت حادثة الرجل الفرنسي تماماً.
في عام 98 كانت المرة الأولى التي أسافر فيها خارج مصر إلى الولايات المتحدة، وفي 5 سبتمبر عام 1999 كنت في مدينة بيتسبيرج وتحديدا في مستشفى الرحمة استخرج شهادة ميلاد لأبني الأصغر.
كان لزاما أن أذهب إلى طبيبة القسم أولا في عنبر الولادة لأعطيها بعض الأوراق ثم تقوم هي بتوجيهي إلى القسم المسئول عن استخراج شهادة الميلاد، وحين دخلت مكتب الطبيبة قامت من كرسيها صارخة وكأنها تعرفني منذ زمن ونطقت باسم عجيب في الغالب ليس انجليزيا وهي تفتح ذراعيها، فنظرت حولي حتى استبين من الذي دخل ورائي وتعرفه هذه المرأة بهذه الدرجة الحميمية التي وصلت للأحضان دون الاهتمام بوجودي من عدمه، ولكني لم أجد سواي في المكتب!.
اندهشت الطبيبة من برودي اللامتناهي، وللحق لم يكن بروداً ولكن دهشة عظيمة توقفت معها كل أدوات التفكير عندي، وسألتني ثلاث مرات ألست أنا فلان، بينما أقسمت لها في الثلاث مرات أنني لست هذا ألفلان، والمدهش الذي تخطى حاجز الدهشة عندي لحاجز الذهول أنها أكدت لي معرفتها بي في فندق بشارع انطونيو بمدريد وهو نفس الشارع الذي ذكره الفرنسي في القاهرة ولكن ليست هذه المرة سائحا ولكني هذه المرة كنت مواطناً أسبانياً شيوعيا يفضل أن يشرب القهوة الصباحية في كافيتيريا هذا الفندق الرخيص يوميا تقريباً وأنها كانت في زيارة سياحية هناك وكانت تقيم في هذا الفندق وتعارفنا في الكافيتريا الخاصة بذلك الفندق الرخيص وأن الذي شدها لي ولحديثي في اسبانيا كوني – على حد قولها – ثوري يساري، بل أنها ظنت في بداية الأمر أني أكذب عليها لأتهرب من شئ ما ، ولم تصدق دعواي في اني لست ذلك الشخص الذي تتحدث عنه إلا بعد أن أخرجت لها بطاقتي الأمريكية وجواز سفري المصري ورغبتي في استخراج شهادة ميلاد لأبني من زوجتي المصرية، وتركتها وهي في دهشة وذهول ربما أعظم من دهشتي وذهولي وغادرت بعدها المستشفى للأبد... إنها مسألة عجيبة فعلاً.
كان ذلك في صيف عام 2004 وقبل سفري إلى مصر بأسابيع عائداً من الولايات المتحدة، وكنت أرغب في شراء بعض الفيتامينات والأدوية التي لا وجود لها في مصر لبعض الأقارب والأصدقاء.
ركنت سيارتي في ساحة صيدلية اسمها "سي في اس" على ناصية شارع اسمه فوربس أفينيو بذات المدينة " بيتسبيرج"، وكنت في طريقي – مترجلاً – لدخول الصيدلية وكان الوقت يقترب من الظلام إلا قليلا وحيث بدأت أعمدة الشارع تضئ الواحدة بعد الأخرى.
حينما وصلت بالقرب من باب الصيدلية المواجه تماما لشارع " فوربس" وجدت امرأة سوداء في الثامنة والعشرين أو ربما الثلاثين من عمرها تقود سيارة وبجوارها امرأة أخرى من نفس عمرها ووجدت المرأة التي تمسك بعجلة القيادة تخرج رأسها كله من النافذة وهي تصيح بأعلى صوتها أسباني قذر .. أسباني قذر، وكثير من الشتائم القبيحة والسافلة هذا إلى جانب إشارات سافلة بأصبع يدها وهي موتورة وحاقدة وغاضبة غضبا يكفي لحرق مدينة بأكملها.
نظرت إليها من باب الفضول وأنا أسير داخلا إلى الصيدلية والعجيب أني لاحظت أنها تنظر لي وكأنني المقصود بكل تلك الشتائم.
على أي حال أنا لا أعرفها والوحيدة السوداء التي كنت اعرفها في حياتي كانت فتاه تدعى زينب ابنة احد الدبلوماسيين بالسفارة السنغالية بالقاهرة أيام أن كنا طلبة في جامعة القاهرة، وغير ذلك لاعلاقة لي ولا أعرف أحدا قط.
ملأني الاطمئنان أنني لست أنا المقصود ودخلت الصيدلية.
أخذت أسير بين الأرفف استطلع أسماء الأدوية والفيتامينات قرابة عشرون دقيقة وقد استقر الأمر بي لشراء بعض اللوازم بالفعل وذهبت لكي ادفع ثمن ما اشتريته.
كان يقف بجوار طابور الدفع رجل شرطة " سمين قليلاً" ويمسك بيده جهازا أشبه باللاسلكي تصدر منه أصواتاً عجيبة، وكانت المرأة السوداء تقف بجوار الباب الداخلي للصيدلية تنظر لرجل الشرطة ومن باب عجب تنظر لي أيضاً وهي في غاية التوتر والغضب.
إنه أمر لا يعنيني على أي حال.
أقترب مني رجل الشرطة بعد إيماءة خفيفة له من المرأة السوداء الواقفة بجوار الباب، وسألني بأدب جم: هل لي أن أتفحص رخصة قيادتك ياسيدي؟
أجبت: بالطبع، وأحسست أنه عملا روتينيا خاصة فيما يتعلق بالتدقيق الأمني بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر وان رجال الشرطة من حقهم أن يستوقفوا من شاءوا في أي وقت شاءوا كنوع من أنواع دواعي الأمن.
نظر الشرطي في رخصة القيادة وسألني بأدب أكثر: أنت اسمك محيي الدين؟ .. من أي بلد أنت؟ 
فقلت له من مصر، فاعتذر عن تصرفه وأعطاني الرخصة وكاد ينصرف ولكني وببرود المواقف الصعبة التي ينتابني دائما حينما تكون هناك أمورا سيئة تدور من حولي سألته: ماذا يحدث؟ فأجابني أن تلك المرأة السوداء الواقفة بجوار الباب الداخلي للصيدلية تظن أنك فتاها السابق الاسباني وأنك تطاردها لسبب ما، ثم أعقب بقوله .. يمكنك أن تقاضيها إن شئت، فشكرته وأنا اردد: لا ..لا .. لا.
خرجت من الصيدلية وأنا لا أفهم شيئاً، دارت الذاكرة بداخلي للخلف واسترجعت لقاء الرجل الفرنسي بالقاهرة والطبيبة بمستشفى الولادة وهذه السيدة السوداء.
عدت إلى القاهرة في أغسطس من عام 2004 وتغير في القاهرة كل شئ بداخلي، لم أعد أتذكر من رحلة أميركا على مدار سبعة سنوات تقريبا سوى أن احمد ابني الأصغر يحمل الجنسية الأمريكية، وما عدا ذلك لا أتذكره على الإطلاق ربما لأنني ذبت في أحضان محبوبتي الوحيدة في هذا الكون مصر وحيث نسيت في سحر عناقها الدافئ كل بلاد الدنيا التي بلا سحر وإن ظل في خاطري ذلك الذهول الباقي من الحوادث السابقة وذلك السؤال الغامض الذي يحتويني : هل أنا أحيا بالفعل في عدة أمكنة مختلفة في العالم في نفس الوقت؟ أم أنني اسباني حقاً ولا أدري ذلك!.

الأربعاء، 7 يوليو 2010

قراءة أولية في حوار شيخ الأزهر

كتب: محيي الدين ابراهيم 
الشيخ الدكتور أحمد محمد أحمد الطيب من مواليد 6 يناير 1946، وقد تولى مشيخة الجامع الأزهر منذ 19 مارس 2010. كما أنه كان الرئيس السابق لجامعة الأزهر، ومفتي سابق للديار المصرية. 
والدكتور احمد الطيب هو احد رجالات الأزهر المعتدلين وليس ذلك فحسب بل ومن رجالاته الأقوياء أيضاً الذين يؤمنون ويريدون تطبيق منهج الاعتدال والوسطية بقوة بعدما تفشت في المجتمع – بعد غياب دور الأزهر لفترة – روح التشدد الديني والتي كان من أهم نتائجها السلبية رفض الآخر، ومن ثم ظهور ما يسمى بالفتنة الطائفية، وهو الأمر الذي مرجعه الوحيد غياب دور الفقهاء المعتدلين أبناء الأزهر الشريف، أو سحب البساط من تحت أرجلهم. 
إنني أؤمن أن أي تغيير في أي امة يبدأ أولا من مؤسساتها الدينية، وأن المؤسسة الدينية في مصر تحديداً سواء كانت تلك المؤسسة إسلامية أو مسيحية لابد أن يكون من هو على رأس إدارتها رجل قوي يتمتع بنفوذ قوي عند الخاصة والعامة على السواء، وربما هذا ما نستشعره بتفاؤل في شخصية الدكتور احمد الطيب وتاريخه الذي يشهد له بقوة الشكيمة واصرارة على الحق وإدارة دفة الأمة باعتدال مع من يديرونها بالفعل. 
وربما يأتي تفاؤلنا مع هذا الرجل نابعاً من إدراكه للمسائل التي من شأنها تهييج الأمة وتجنبها بالإصلاح والتصدي بدلا من الصمت والتغاضي وأهمها ملف الفتنة الطائفية وكذلك تطبيع العلاقات بين الأزهر وحاخامات إسرائيل، والملف الأول للأسف تعامل معه الشيخ طنطاوي رحمه الله بالصمت وربما بكثير من الميوعة وهو الأمر الذي هيج مشاعر الكثير من أبناء الأمة ولا أقول المسيحيين فقط ولكن المسيحيين والمسلمين على السواء لخطورة ذلك الملف وضرورة أن كان يجب اتخاذ قرارات أكثر قوة وتفاعلية عن تركها والصمت عنها ومصافحة القساوسة للمشايخ في كل مناسبة وبدون مناسبة الأمر الذي ضاعف من حجمها حتى كدنا مع تفشيها نكاد نؤمن بأنها صارت مستحيلة الحل، ولكن جاءنا الدكتور احمد الطيب ليعلن على الملأ وبقوة لا تحتمل التراجع أثناء حواره الهام مع الأستاذ الصحفي الكبير مكرم محمد احمد في أنه مع بابا الأقباط في أن الإسلام يترك للأقباط تنظيم أحوالهم الشخصية، وهو بهذا التصريح الذي أؤمن انه لم يصدره " للطبطبة" أو لمداعبة مشاعر الأقباط بل للفصل ومراعاة الفصل بين ماهو مدني وماهو ديني حفاظا على روح الأمة والوطن، لأني اعلم من تاريخ هذا الرجل انه شخصية قوية لم تصدر كلمة من فمه إلا وكان يؤمن بما يقوله فيها ويؤمن معها بأن لديه القدرة على تنفيذها وبحسم، كما أنها رسالة في غاية الأهمية قرأنا فيها ما معناه أرفعوا أيديكم عن الأقباط فهم ونحن سدا ولحمة الوطن ان انفلتت منه فسيلة تمزق نسيج الوطن كله. 
الأمر الثاني الذي جاء على لسان الدكتور احمد الطيب هو تصريحه الذي قال فيه بالحرف الواحد: لن أستقبل حاخامات اليهود ولن أصافح بيريز، وهذا التصريح حينما نحلله التحليل الواجب نجد أنه تصريحاً لاعلاقة له باسرائيل ولا برفض أو قبول معاهدة السلام من عدمه، ولكن لهذا الرجل بصيرة ثاقبة ونافذة تجعله يحافظ على مشاعر الناس الغاضبة من تصرفات اسرائيل فلا يصافح من أجلها حاخامات اسرائل او بيريز، خاصة وهو على رأس اعلى مؤسسة دينية اسلامية في العالم ومن ثم فلايجوز أن تصنع تلك المؤسسة الكبرى خصومة بينها وبين رعاياها الذين أن فقدوا الثقة فيها استحالت السيطرة عليهم، وهي مسألة اعتبرها انجازا عظيماً للدكتور احمد إذ اعلن فيه للناس أنه ماجاء إلا لإعادة بناء الثقة بينهم وبين مؤسستهم الدينية من جديد وهو الأمر الذي فشل فيه الشيخ طنطاوي رحمه الله. 
إن مسألة مصافحة حاخامات اسرائيل ورؤساء وزرائها ليست بأمر ذا القيمة بالنسبة لمؤسسة دينية اسلامية يصب دورها فقط في الشأن الديني والنصح السياسي، لذا فإن الدكتور احمد يعلن أن مصافحة اسرائيل أمر معني بالساسة وأنه لن يقبل اقحام مؤسسة الأزهر في تلك المسائل – على الأقل الآن – حفاظاً على مشاعر الملايين خاصة وأن رأس المؤسسة المسيحية في مصر وهو البابا شنودة كان قد أعلن منذ سنوات انه لن يدخل القدس إلا ويده في يد أخيه المسلم. 
إن الحوار الذكي والأكثر من رائع الذي أجراه الأستاذ مكرم محمد احمد مع الدكتور احمد الطيب هو اكبر بقعة ضوء مرت علينا منذ سنوات، لأن ذلك الحوار دل على أن التغيير قادم وبدأ بالفعل بوجه هذا الشيخ الجليل. 
أما المسألة الأخرى التي أعلن عنها الدكتور أحمد ولم يجرؤ أحدا قبله أن يعلنها أو حتى يتطرق لها هي رمزية السيف للإسلام حيث قال: الشيخ‏:‏ ليس صحيحا أن الحضارة الإسلامية فرضت نفسها علي العالم بحد السيف‏,‏ الإسلام انتشر في العالم لأنه دين الفطرة ودين العقل الذي خاطب عقول الناس وقلوبهم‏,‏ وساوي بين البشر ودعا إلي العدل‏,‏ ولا يصلح السيف رمزا للإسلام لأن الإسلام رحمة وعدل‏,‏ والمسلم لا يحمل سيفه عدوانا علي الآخرين‏,‏ وإنما يحمله للدفاع عن الأرض والوطن والعقيدة والإسلام يحض المسلم علي أن يكون قويا قادرا علي الدفاع عن وطنه ودينه ونفسه‏,‏ لكنه لا يحرضه علي العدوان علي الآخرين، إن الدكتور أحمد بهذا الإعلان يوجه لطمة قوية لأصحاب الألوية التي ترسم السيوف وتحض على الكراهية ونبذ الآخر وهي رسالة لاتحتاج إلى شرح أو تضييع الوقت فيمن كان يقصد الدكتور احمد بقدر ماتحتاج منا إلى أن نستشعر الإطمئنان لظهور نجم قوي مضئ في سماء أهم مؤسسة دينية لأهم دولة في الشرق الأوسط وهي مصر. 
أخيراً يحضرني حديث سيدنا رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام حيث قال: إذا ضاقت فأستبشر خيراً، والوضع في مصر ضاق حتى إلتحمت فيه صدور الناس بظهورهم من شدة البأس، لكن مايجعلنا نستبشر خيرا في ظل ذلك الضيق وأن الغد المشرق قادم ظهور مثل ذلك الوجه المضئ للشيخ الجليل احمد الطيب أطال الله في عمره وألهمه السداد والقوة في تنفيذ مايراه في صالح الناس لأننا منذ زمن كنا بحاجة لرجل في مثل قوة ذلك الرجل الطيب. 

المجلة المصرية || نون

الجمعة، 25 يونيو 2010

الشخصية المصرية.. بين كتابات الرحالة والموروث الشعبي

 بتاريخ الجمعة 25 يونيو 2010

بقلم د. عمرو عبد العزيز منير - مصر
ظلت الشخصية المصرية عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء في كتابات الرحالة والمؤرخين ووجدت العديد من التحليلات لها بدءاً من هيرودوت واسترابون وامتداداً عبر العصور إلي ابن زولاق والكندي والسيوطي وابن جبير، العبدري، وابن خلدون، والمقريزي وغيرهم العديد من الذين أكدوا علي أن للمصريين شخصيتهم المتفردة وسماتهم المادية والثقافية المميزة التي تفردهم عن غيرهم من الشعوب وكانت نظرة التأرجح عند المؤرخين دافعاً لأن جاءت النصوص التاريخية محملة بسمة (النزوع الأسطوري والخرافي) في سياق حديثهم عن السمات والخصائص المميزة للمصريين.
وقد نهض (المحتسب التنسيي) على تلك النزعة في سياق وصفه لأخلاق أهل مصر في مدينة تنيس – المندثرة سنة 624هـ- بقوله:" وطالع تأسيس هذه المدينة برج الحوت وصاحبه المشتري، السعد الأعظم، وصاحب الشرق الزهرة؛ لذلك كثر طرب نفوس أهلها، وفرحهم، ورغبتهم في مداومات اللذات واستماع الأغاني ومواصلة المسرات"
وانساق الرحالة والمؤرخون لهذا النزوع الخرافي عندما ربطوا بين طالع السعد وأخلاق أهل القاهرة بقولهم:" ووضع البناءون الأساس في لمح البصر, فبُهِتَ المنجمون وصاحوا قائلين "القاهرة" والقاهرة اصطلاح للمنجمين يطلق على المريخ جلاد الفلك، فلذلك السبب لا تنقطع الدماء والقتال والنزاع والفتن والفساد عن القاهرة المعزية التي سميت بهذا الاسم لوضع أساسها في طالع المريخ"
ولعبت الأساطير والحكايات الشعبية دوراً في وصف علاقة المرأة بالرجل في مصر فيقول المقريزي في سياق وصفه لأسماك النيل أن به سمك يسمي الرعَّاد قيل عنه :" إذا علقت المرأة شيئاً من الرعَّاد عليها لم يطق زوجها البعد عنها" . كما لجأت بعض النساء إلى التحكم فيهم حتى أننا نسمع عن بعض السلاطين والحكام ـ كالسلطان إينال ـ أنهم استسلموا لزوجاتهم حتى أصبحت الواحدة منهن على جانب كبير :"من نفوذ الكلمة ووفور الحرمة في الدولة وطواعية السلطان لأوامرها " وفي هذه الحالة يصبح السلطان أو الأمير :"لا اختيار له معها " .
وعلى الرغم من سمو مكانة المرأة المصرية , ونيّلها من حقوقها في مختلف عصورها ما لم تنله امرأة في مجتمع آخر , وعلى الرغم من نشاط المرأة المصرية في مجال السياسة والآداب فإن أغلب الكتابات الأدبية لم تصور لنا إلا جانباً واحداً هو وصف جمالها وما يرتبط به من زينه وفتنة وبواعث الحب أو الجنس ومظاهر إعجاب الرجال بها والتي لعبت فيها الأسطورة والخرافة دورها الفاعل. حيث كانت زينتها أحياناً وشماً تدقه على خدها . فترسم بالمسك صورة عقرب أو ثعبان إثارة أو إغراء أو معتقد في جذب الرجال إليها, فالمرأة المصرية هنا قد توحي للرجل وتناديه حينما تحذره من الاقتراب أو تخيفه من العقرب أو الثعبان. ومع ذلك فلا بأس بهذا اللدغ, ولا بأس من الاقتراب.فالشاعر ابن عرام يصف حبيبته بالقسوة , ومع ذلك فإنه يقبلها علي الرغم من أن العقرب يلدغه :
مَنْ مُعيني على اقتناصِ غزالٍ ** نافرٍ عن حبائلي روَّاغ
قلبهُ قسوةً كجلمودِ صخرٍ** خدُّه رِقةً كزهرِ الباغِ
كلما رمْتُ أن أُقبَّل فاه ** لَدَغَتْني عقاربُ الأصْدَاغِ
فلقد احتل كل من الثعبان والعقرب ركناً مهماً في قائمة الأشكال الحيوانية والنباتية التي كانت المرأة المصرية تقوم بوشمها على بدنها بما تحمله تلك الأشكال من رموز ودلالات تعكس بالضرورة بعضاً من رواسب أفكار أقدم.
الموروث الشعبي الذي يربط بين المرأة المصرية وكل من العقرب والحيَّة نجد تصويره عند القاضي الفاضل حيث يعترف بفتنة العقرب , ولكنه اكتشف أن لها رقية تعجزها عن اللدغ وتكف أذاها آلا وهى القبلات:
حدِّثْنا يا فتى وأخبرنا ** وأيما شئت منهما فقلْ
عن حيَّةٍ في الخدود ظالمةً** تمنع من شمَّ وردها الخضلْ
إن لها رقيةً مجربةً ** وإن ألفاظها من القبل
ويصور القاضي الفاضل زينة المرأة المصرية وما بها من وشم للحيَّة على الخد فيقول:
من حيَّةٍ في الجمْرِ ما احترقَتْ ** والجمرُ فوق الخدِّ ما اشتعَلا
لو أنها تلك التي انقلبتْ ** يوم العصا لم يعصِ من جهلا
لعل ذلك ما دفع بالعديد من الكتابات التاريخية أن تصف المرأة المصرية بالتسلط والسيطرة، وتصف الرجل المصري بقلة الغيرة على امرأته مستعينة في ذلك كله بشواهد الأساطير والخرافات الممزوجة ببعض القصص الديني، مثال ذلك: ما روَّجه ابن عبد الحكم من أساطير حول غرق (فرعون موسي) وجنوده فيقول: "وكان نساء أهل مصر حين غرق من غرق منهم مع فرعون من أشرافهم، ولم يبق إلا العبيد والأجراء لم يصبرن عن الرجال, فطفقت المرأة تعتق عبدها وتتزوجه وتتزوج الأخرى أجيرها، وشرطن على الرجال ألا يفعلوا شيئا إلا بإذنهن، فأجابوهن إلي ذلك فكان أمر النساء على الرجال، والقبط على ذلك إلي اليوم أتباعا لمن مضى منهم لا يبيع أحدهم ولا يشتري إلا قال: أستأمر امرأتي.." ويضيف المقريزي:" ولهذا أيضاً صارت ألوان أهل مصر سمرا من أجل أنهم أولاد العبيد السود الذين نكحوا نساء القبط بعد الغرق واستولدهن" "فأنسابهم مختلطة لا يكاد يتميز منهم القبطي من الحبشي من النوبي" وذلك بتدبير من الملكة دلوكة التي استطاعت أن تقود مصر في ظل فراغ سياسي وأمني آنذاك بها قامت به من تدريب." فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة".
والناظر في الخرافات التي دارت حول قوة وشكيمة المرأة المصرية يدرك أنها تأثرت بالقصص العربية في العصر الجاهلي، فقد أورد لنا ابن فضل الله العمري ما استعاره الوجدان الشعبي من مضمون لقصة (الزباء ملكة الجزيرة) دون التفاصيل في سياق الحديث عن بناء مدينة الإسكندرية حين سَلكَ مسلكاً مغايراً فتقول الرواية: " إن الذي بني الإسكندرية أول أمرها : جبير المؤتفكي ، وإن الذي دعاه إلي بنائها ، إنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر، وكان اسمها ( حورية بنت البرت) وأنه لما طال بينهما الحرب أنفذت إليه تقول: إني قد رغبت في أن تتزوجني، فيصير ملكنا واحداً ودارناً واحداً... فأجابها وعقد النكاح علي ما كان يعتقدون، والتمس الدخول بها فقالت: إنه يفتح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة تبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع وأجل مكان, وحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما تبنيه . وإنما كان ذلك منها مكراً به لتنفذ أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعة، فأجابها وأنفذ مهندسين إليها واختارت موضع الإسكندرية فكان كلما بني بناء خرجت دواب البحر عبثت به وهدمته فأقام زماناً, ونفذت الأموال فوضع طلمسات وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت، فكانت في الماء حذاء الأبنية ، فإذا جاءت دواب البحر فرأت الطلمسات والتوابيت نفرت فثبت البناء وبنيت المدينة، وتمت بعد زمان طويل ثم راسلها في المسير, فسارت بجميع قللها وعساكرها حتى نزلت حذاء عسكره وراسلته : " إني قد أحببت أن أحمل عنك مؤونة الأنفاق علي العسكريين في أطعمة تصلح وأشربه، وقد أعددت لوجوه الأمراء والقواد خلعاً وتحفاً عنك لكرمك في بناء المدينة.... فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة.فلبسها وجوه العسكر،ولبس الملك جبير خلعته، وكانت أقل سماً من غيرها، إبقاء عليه لتبقي فيه بقية لخطأ بها فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا, وماتوا ورأي ذلك بقية العسكر فعلموا موضع الحيلة فبادروا مستأمنين فنودى فيهم بالأمان... ودخلت الملكة المدينة وأقامت بها زمانا وعادت إلي مصر.."
فالقراءة الأولية للحكاية التي نقلها لنا الرحالة ( ابن فضل الله العمري) عن دهاء المرأة المصرية تؤكد أن عناصر حكاية ( مصرع الملكة زباء) سواء عناصرها التحليلية أو الأولية للحكاية لم تغب عن الضمير الشعبي وخياله الخلاَّق، بل استحضرها بشخوصها وأحداثها ووقائعها ورموزها، أو على الأقل فيما يتصل ببعض العناصر التي تقاطعت مع النص المصري للحكاية على نحو ما جاء في الحكاية التي نقلها لنا ( ابن فضل الله العمري) في عنصر السم – على سبيل المثال- وكذلك في مجال اسم الشخوص، وهكذا ينطوي التنَّاصْ هنا – في ضوء مفهومي الاستدعاء والتحويل- على معنى التداخل والتوالد, والتفاعل المضمر, أو غير المباشر بين النص الجاهلي العربي وبين النص الشعبي المصري .فقد قام الخيال الشعبي ببراعة بتحويل هذه الاستدعاءات الشعبية أو هذه المرويات السردية التاريخية وصهرها وأذابها في النص الخاص بالحديث عن المرأة المصرية وعلاقتها ببناء مدينة الإسكندرية وتطورها، وقدم لنا مجموعة من آداب السلوك تتلخص في وجوب أعمال الحيلة للخروج من المأزق إذا لم يستطع المرء مواجهته.
وفي تعميم غير منطقي تصف الروايات الشعبية المرأة المصرية بالتسلط والسيطرة وتصف الرجل المصري بقلة الغيرة على امرأته، فيقال:" ومن أخلاق أهل مصر قلة الغيرة، وكفاك ما قصة الله سبحانه وتعالى من خبر يوسف ، ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه, وشهادة شاهد من أهلها عليها, بما بيَّنَ لزوجها منها السوء ،فلم يعاقبها على ذلك بسوي قوله: "استغفري لذنبك أنك كنت من الخاطئين" .
وتعلق الكتابات التاريخية بقولها :" فكما أن عزيز مصر كان مغلوباً لامرأته زليخا، فإن المصريين لا يزالون مغلوبين لنسائهم وخدمهم ميالين للطرب واللذة والصفاء والشقاء رغم أنوفهم" وتذهب الروايات إلي الحد الذي تجعل عنده هذا الأمر سمة من سمات البيئة المصرية فقد أورد ابن عبد الحكم: " وأخبرني الأمير الفاضل الثقة ناصر الدين محمد بن محمد بن الغرابيلي الكركي رحمه الله: أنه منذ سكن مصر يجد في نفسه رياضة في أخلاقه ، وترخصا لأهله، وليناً ورقة طبع مع قلة الغيرة". وهو ما أنكره (ابن الحاج) في قوله:" وهذا فيه من المحرمات وجوه كثيرة، وكل من يعاينهم من الناس سكوت، لا يتكلمون، لا يغيرون، ولا يجدون لذلك غيرة إسلامية". وقد علل ابن ظهيرة هذا السلوك بقوله :" عدم الاعتراض علي الناس، فلا ينكرون عليهم ولا يحسدونهم ولا يدافعونهم بل يسلمون لكل أحد حاله، العالم مشغول بعلمه, العابد بعبادته، والعاصي بمعصيته ,وكل ذي صنعة بصنعته ولا يلتفت أحد إلي أحد, ولا يلومه بسبب وقوعه في معصية أو نقيصة " .
ويتداخل الخيال مع الأسطورة لدي من وصف المصريين سواء كان مؤرخاً أو كاتباً، فيربط البعض منهم بين الأحوال الفلكية, وسمات أهل مصر؛ يقول المقريزي: " إن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون وينذرونه بالأمور المستقبلة، ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة".
يشير المقريزي إلي تلك الحاسة ويرجعها إلي عوامل بيئية جغرافية تتصل بموقع مصر وعلاقته بالنجوم والأفلاك, ويلحظ المرء بروز الاعتقاد في تأثير النجوم في طبائع الناس وأحوالهم ويشير ( أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي) إلي ذلك فيقول :" المصريون أكثر الناس استعمالاً لأحكام النجوم، وتصديقاً لها وتعويلاً عليها وشغفاً بها، وسكوناً إليها .حتى أنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلي أن لا يتحرك واحد منهم حركة من الحركات الجزئية التي لا تحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها ولا تضبط جهاتها، ولا تقيد غاياتها ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها ونصب يعتدونها".
ويستشهد صاحب الرسالة المصرية علي ما يقول, بحكاية يرويها :" ولقد شهدت يوماً رجلاً من الوقادين في آتون الحمام يسأل رزق الله المذكور- أحد المنجمين- عن ساعة حميدة لقص أظفاره فتعجبت من سمو همته, علي خساسة قدره ووضاعة مهنته ".ويضيف إلي ذلك قوله: " ومن الحكايات العجيبة, في فرط استعمالهم لأحكام النجوم ,وعنايتهم بها؛ ما شهدت بالصعيد الأعلى وذلك أن بعض الولاة حبس رجلاً من بعض أهل تلك الناحية كان ينظر في علم النجوم وشفع إليه فيه من يكرم عليه فشفعه فيه, وأمر بإطلاقه, وكان من الحبس في عذاب واصب, وجهد ناصب, فلما أتوه وقالوا له: انطلق لشأنك. أخرجَ من كمه اصطرلاباً, فنظر فيه فوجده مذموماً، فسألهم أن يتركوه مكانه إلي أن يتفق وقت يصلح للخروج من السجن, فعادوا إلي الوالي, فأخبروه بخبره فضحك منه, وتعجب من جهله وفساد عقله وأجابه إلي سؤاله وتركه علي حاله, وأطال مدة عقابه" .
هكذا بلغ الاعتقاد في النجوم والطوالع وتأثيرها في أحوال الناس الحد الذي جعل وقاداً في أحد الحمامات يستشير النجوم قبل أن يقص أظافره, وجعل ذلك المنجم يرفض الخروج من السجن حين أتيح له ذلك بعد شفاعة أحد المتشفعين، لأن الوقت لم يكن مناسباً حسبما قالت له الأبراج. كانت تلك سمة من سمات ذلك العصر في تلمس كل السبل للتنبؤ بالغيب حتى انتشرت الوسائل المتعلقة بها وتنوعت تلك الأمور ما بين ضرب الرمل واستنطاق الودع، وفتح المندل والاستخارة بالرؤية وبالقرآن الكريم حتى أنكر ابن الحاج ذلك علي المصريين بقوله: " أما الباطل فهو زعمهم في فتح الختمة والنظر في أول سطر يخرج منها أو غيره".
واضطلع العديد من الناس بهذه المهام ليقدموا للإنسان اللاهث وراء المجهول كل ما يرضيه أو يطمئنه علي المستقبل أو ينذره من ويلاته وحسبنا هنا مشاركة المؤرخ العيني (855هـ) حيث أشار في حديثه عن (السلطان الظاهر ططر) بقوله : " وكانت توليته في ساعة أجمع عليها أهل الحساب أنها تدل علي طول أيام مولانا السلطان خلد الله ملكه مع عافية وأمن وسرور . ثبت الله أركان دولته وأيام سطوته وعزته ". بيد أن " ساعة السعد" التي أشار إليها العيني لم تكن كذلك فقد تبوأ السلطان (سيف الدين أبو الفتوح ططر) في يوم ( 29 من شهر شعبان عام 824هـ ) ولم يمهله القدر في حكم مصر أكثر من تسعين يوماً لا غير.
ويُوردُ المقريزي أخبار واقعة تدل علي ما ذهب إليه من أن المصريين يتحدثون بالأشياء قبل كونها ويخبرون بما يكون فيقول" ومن هذا الباب واقعة ألدمر ذلك أنه خرج الأمير ألدمر أمير جندار يريد الحج من القاهرة في سنة ثلاثة وسبعمائة وكانت فتنة بمكة قتل فيها ألدمر يوم الجمعة. فأشيع في هذا اليوم بعينه في القاهرة، ومصر وقلعة الجبل بأن واقعة كانت بمكة قتل فيها ألدمر، فطار هذا الخبر في ريف مصر، واشتهر فلم يكترث الملك محمد بن قلاوون بهذا الخبر فلما قدم المبشرون علي المادة أخبروا بالواقعة وقتل الأمير سيف الدين ألدمر في ذلك اليوم .الذي كانت الإشاعة فيه بالقاهرة". وأورد المقريزي أكثر من واقعة مشابهة ثم ينتهي إلي القول" وفي هذا الباب من هذا كثير"
وهكذا ظهر المصريون وكأنهم اطلعوا علي علم الغيب، ويخبرون بما يكون وينذرون بالأمور المستقبلية, وكأنهم استلقوا السمع, ولم يتبعهم شهاب ثاقب, وكأنها سمة اتسم بها المصريون منذ أقدم العصور , حيث تنبؤا بطوفان نوح بعد أن " نظروا فيما تدل عليه الكواكب مما يحدث في العالم وعلموا أن تلك الآفة تكون ماء يغرق الأرض ومن عليها فأمر الملك ببناء الأهرام". كما تنبؤا بالمجاعات التي سوف تلم بمصر كقول المقريزي :"ثم وقع الغلاء في زمن أتريب بن مصريم, ثالث عشر ملوك مصر بعد الطوفان , وكان سببه أن ماء النيل توقف جريه مدة مائة وأربعين سنة , فأكل الناس البهائم حتى فنيت كلها...فأوحى الله سبحانه وتعالى إلى هود  .أن أبعث إلى أتريب بمصر أن يأتي لحف جبلها , وليحفر بمكان كذا ...فإذا عقود قد عقدت بالرصاص , وتحتها غلال كأنها وضعت حينئذ , وهى باقية في سنبلها لم تدرس , فمكثوا ثمانية شهور في نقلها , وزرعوا منها وتقوتوا نحو خمس سنين , فأخبره أخوه صابر بن مصريم أن أولاد قابيل بن آدم  لما انتشروا فى الأرض وملكوها , علموا أن حادثة ستحدث في الأرض , فبنوا هذا البناء , ووضعوا فيه الغلال . فزرعت مصر وأخصبت ".
ويكشف لنا صاحب الرسالة المصرية عن بعض الجوانب المتعلقة بفكر المصريين وتاريخهم فيقول :" وحكى الوصيفىُّ في كتابه الذي ألفه في أخبار مصر أن أهلها في الزمن السابق كانوا يعتقدون أنَّ هذا العالم ,الذي هو عالمُ الكون والفساد أقام برهةً من الدهر خالياً من نوع الإنسان , وعامراً بأنواع أُخَر غير الإنسان , وأن تلك الأنواعَ مختلفة على خِلق فاذَّة وهيئات شاذَّة ثم حدث نوع الإنسان فنازعَ تلك الأنواع فغلبها واستولى عليها , وأفنى أكثرها قتلاً وشرَّد ما بقى منها إلى القفار , وأن تلك المشَّردة هى الغيلان والسعالي وغير ذلك , مما حكاه من اعتقاداتهم المستحيلة , وتصوراتهم الفاسدة , وتوهماتهم النافرة ."
وعلى الرغم من رأي أبي الصلت الذي حسب فيما أورد من رأي ذاع عن المصريين القدماء أنه يؤكد رأيه في عقلهم واعتقاداتهم , إلا أنه في الحقيقة أورد ـ ربما دون أن يقصد ـ ما يعني أن المصريين القدماء قد اقتربوا من فكرة نظرية النشؤ والارتقاء . فلا شك أن عبارة أبي الصلت هي من المتلقيات العامة والمتيسرة عن معرفة ما تبقى في الأذهان من أفكار كاملة شاعت عند المصريين وذاع أمرها , حتى تناقلها العوام بهذه الصورة المحرفة والمشوشة والمشوهة شأنهم في ذلك شأن العوام في كل مكان وعصر . كما نلمس أن معلومات أبي الصلت عن فكر المصريين وتاريخهم ورجالهم تختلط فيها بقايا معرفة حقيقية لها أصولها الأولى الحقيقية , بحكايات خرافية , في نسيج متنافر من بقايا العلوم والثقافات .
ويبدو أن ظروف العصر قد ساعدت الخرافات والأساطير على التغلغل والتسرب إلى نسيج المجتمع إضافة لما كان يحدث فيه من ضربات موجعة للمسلمين لأول مرة في تاريخهم تحت وطأة الحروب الصليبية واقتطاع أجزاء من المنطقة الأمر الذي كان له انعكاسات واضحة على النظام القيمي والأخلاقي في العالم العربي, فامتلأت النفوس بالغضب ومشاعر الإحباط والمرارة التي زادت من حدتها أعداد اللاجئين الهاربين من وحشية الصليبيين عند كل هجوم جديد فشعر الناس في المنطقة العربية بمدى عجز الحكام , وامتلأت النفوس في كل مكان بروح العجز , وشاعت روح من التقوى السلبية , والتدين العاطفى الهروبي , وقد تجسد هذا كله في التفاف عامة الناس حول نمط المتصوفة /الدراويش والمجاذيب كأحد مظاهر التعبير عن روح اليأس , والهروب إلى المجهول , والتي سيطرت على قطاعات كبيرة من سكان المنطقة العربية , والتي تركت أيضاً العديد من الأفكار المحملة برواسب الرؤى والأحلام التي يرى فيها النائم النبي  أو الاجتماع بسيدنا الخضر  . كتعبير عن الآمال التي تجيش في نفوس الناس حيال الواقع المرير الذي يعيشونه , فأصبح معتاداً أن يتكلم المتعلمون عن القيامة وأحاديث آخر الزمان , وبالخرافات التي شاعت حول عذاب القبر ونعيمه, والاعتقاد والتسليم بالخوارق والمعجزات ,والتي عكست أثر الشخصية المصرية على هذا النوع من الأخبار والقصص في التعبير عن اعتقاد الناس في كرامات الأولياء وشفافية النفس المصرية في تقبلها تلك الأمور الغيبية عن إيمان وصدق. ومن أمثال هذه القصص ما رواه أبو الفتح رضوان ـ فتح الله بن سعد الله التميمي المنفلوطي  ـ يقول :"كنت يوماً مع شيخنا أبي الحسن الصباغ  على ساحل البحر , ومعه إبريق يتوضأ منه , فسمع بالقرب منه صياح الناس , فسأل الشيخ عن ذلك فقيل له قد أخذ التمساح رجلاً من الساحل فترك الشيخ الوضوء وأسرع إلى المكان الذي فيه الناس مجتمعين فرأى التمساح قد قبض على الرجل وقد توسط به لجة البحر , فصاح الشيخ بالتمساح أن يقف فوقف مكانه لا يتحرك يميناً ولا شمالاً, فعبر الشيخ على متن الماء , وهو يقول بسم الله الرحمن الرحيم , وكأنه يمر على وجه الأرض وكان البحر في نهاية زيادته حتى انتهى إلى التمساح, فقال له: ألق الرجل , فألقاه من فيه ..وقد هلك الرجل فخذه من مسكة التمساح , فوضع الشيخ يده على التمساح وقال له : مت فمات موضعه .. وقال الشيخ للرجل قم إلى البر فقال : يا سيدي لا أستطيع من فخذي وأنا لا أحسن العوم , فقال: اذهب فهذه سبيل النجاة , وأشار إلى طريق البر فإذا البحر من الموضع الذي فيه الشيخ والرجل صلب قوي كالحجارة إلى البر فمشى الشيخ والرجل حتى وصلا إلى البر والناس ينظرون , ثم عاد البحر إلى حالته المعتادة , وجر الناس ذلك التمساح ميتاً ."
فالشخصية المصرية بارزة في هذا النوع من الحكايات والكرامات والتي تسربت إلينا عبر الحركة الصوفية التي نشأت بمصر في مرحلة النضج عن ظاهرة جديدة في المجتمع المصري ذات صلة بتكوينه الجغرافي والبشري والنفسي , لاسيما وأن :" الخرافات والأسمار كانت مرغوباً فيها مشتهاة" ولا تزال رواسبها متغلغلة في الموروث الشعبي المتعلق بالحياة اليومية للمصريين والتي حفظها لنا المؤرخون في كتاباتهم في سياق حديثهم عن أعياد أهل مصر والتي كان يحتفي بها كل أهل مصر علي حد سواء مثل عيد الشهيد:" و عيد الشهيد يكون في اليوم الثامن من شهر بشنس واعتاد النصارى أن يحتفلوا بذلك اليوم بإلقاء تابوت في نهر النيل به أحد أصابع أسلافهم من الحواريين ويزعمون أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فإن النيل لن يزيد" ,وربما كان ذلك الطقس صدى للأسطورة التي راجت في كتابات المؤرخين حول (صندوق/ تابوت) النبي يوسف  وما دار حوله من روايات مفادها أن يوسف  :"لما حضرته الوفاة قال :إنكم ستخرجون من أرض مصر إلى أرض آبائكم فاحملوا عظامي معكم . فمات فجعلوه في تابوت ,ودفن في أحد جانبي النيل فأخصب الجانب الذي كان فيه وأجدب الآخر . فحوَّلوه إلى الجانب الآخر فأخصب الجانب الذي حولوه إليه وأجدب الآخر . فلما رأوا ذلك جمعوا عظامه فجعلوها في صندوق من حديد . وأقاموا عموداً على شاطئ النيل , وجعلوا في أصله سكَّة من حديد, وجعلوا في الصندوق سلسلة أثبتوها في السكة , وألقوا الصندوق في وسط النيل , فأخصب الجانبان جميعاً ".
وهذا الصندوق وما أحاط به من طقوس تتفق كثيراً مع بعض التفاصيل في ســيرة "سيف بن ذي يزن" والتي تحدث فيها الراوي عن ( كتاب النيل) الموضوع في صندوق من خشب الأبنوس الأسود مصفح عليه بصفائح الذهب الأحمر فعيد الشهيد هنا يحمل ظلالاً وإمدادات كثيرة الماضي في تداخل مع الرواسب الفرعونية والقبطية لتصنع كتاب النيل.
علي أن كلمة ( كتاب) هنا تذكرنا بكتاب (عمر بن الخطاب) الذي أرسله رداً علي كتاب (عمرو بن العاص) إليه بشأن العروس ( أسطورة عروس النيل التي كانت تلقي في النيل سنوياً) . فعمر لم يكتف بالزجر والمنع بل كتب كتاباً ليلقي به في النيل علي نحو ما هو معروف ونقله إلينا ابن عبد الحكم المسئول الأول عن نص الخرافة التي وصلتنا في قوله :" لما فتح عمرو بن العاص مصر، أتي أهلها إلي عمر حين دخل شهر بؤونة : فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سُنْة لا يجري إلا بها فقال لهم: وما ذاك؟ قالوا: إنه كلما جاءت الليلة الثانية عشرة من هذا الشهر , عمدنا إلى جارية بكر من أبويها فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في النيل... فقال لهم عمرو هذا لا يكون في الإسلام. إن الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا شهور بؤنة وأبيب ومسري. والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً حتى هموا بالجلاء.. فلما رأي عمرو ذلك كتب إلي عمر بن الخطاب  بذلك فكتب إليه عمر أن قد أصبت إن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك ببطاقة فألقها في النيل إذ أتاك كتابي. فلما قدم الكتاب علي عمرو فتح البطاقة فإذا بها:
" من عبد الله أمير المؤمنين إلي نيل مصر، أما بعد فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك".
فألقي عمرو البطاقة في النيل، وكان أهل مصر قد تهيأوا للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل وأصبحوا وقد أجراه الله تعالي ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة" ويعلق الإسحاقي قائلاً :"وقطع الله تلك السنة السيئة عن أهل مصر وصار يعمل في ليلة وفاء النيل المبارك في كل سنة إشارة عظيمة كبيرة ينصب بها قناديل تعلق بحبال كثيرة على أخشاب مرتفعة توضع بمركب وتوقد القناديل وتسير في البحر يميناً وشمالاً وتزف بالطبول وتسمى عروسة البحر وذلك مستمر إلى تاريخه".
والراجح فيما يتعلق بتلك الخرافة التي نقلها لنا ابن عبد الحكم قد جانبه التوفيق فنقل تلك الأسطورة علي أنها حقيقة واقعة , كما أن جميع المؤرخين الذين جاءوا بعد ابن عبد الحكم وتناولوا بعض الموضوعات المتعلقة بالواقعة التي حفظها لنا ابن عبد الحكم قبلهم، فقد ذكروا هذه الخرافة وكرروها علي أنها معلومة تاريخية .نقلاً عما كتبه ابن عبد الحكم سواء بإسنادها إليه مباشرة أو بذكرها دون إسناد كما لو كانت حقيقة واقعة حيث كانت تلك الأسطورة هى غاية علمهم آنذاك ولم يعرفوا أنها أساطير, كالمقريزي، والكندي, وابن تغري بردي, وابن دقماق, والسيوطي, وياقوت, وابن إياس وغيرهم .
ولعلنا نتسأل كيف تمر ثلاثة شهور هي بؤنة وأبيب ومسري" والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً"!. إن ذلك لو كان حدث لكانت هناك كارثة تزول فيها الحياة تماماً ولا يبقي بعدها إنسان أو حيوان أو نبات, وكيف يرتفع النيل 16 ذراعاً ليلة واحدة !!. كما أن الفتح الإسلامي كان سنة 641 ميلادية وكان المصريون آنئذ قد اعتنقوا المسيحية وهي دين سماوي ولا يمكن أن يقبل أو يقر حكاية إلقاء عروسة بكر حية لتموت غريقة في النيل فالأديان السماوية الثلاث لا تقر ولا تعرف تقديم ضحية بشرية كقربان لله.
كما أن الثابت تاريخياَ عن المصريين القدماء؛ أنه لم يعرف عن تاريخهم المعروف والمدون أنهم كانوا يقدمون ضحية بشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه لأنهم كانوا علي يقين من أن البشر هم الثروة الحقيقية لحضارتهم ووقودها الفاعل والدافع.
فالثقافة المصرية وما أنتجته من العادات والتقاليد، عبرت عن نفسها في عدد من الأعياد والاحتفالات التي اهتم المصريون بإحيائها والاحتفال بها، ومن الطبيعي أن عدداً من هذه الأعياد كان يتمثل بعقائد المصريين ودياناتهم، بل هناك من الأعياد ما كان يأخذ شكل الاحتفال القومي، وذلك لارتباطه بحياة المصريين جميعاً مثل الاحتفال بوفاء النيل الذي ارتبط بالتراث المصري القديم .
ومن الأعياد التي كان المصريون يحتفلون بها قبل الإسلام وبعده عيد " الغطاس" إذ يقول المسعودي عن احتفالات المصريين بذلك العيد: " ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام الناس فيها, وهي ليلة إحدى عشرة تمضي من طوبه، وستة من كانون الثاني، ويصف المسعودي ما ارتبط بهذا العيد من اعتقادات خرافية بقوله:" وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً ولا تغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم في النيل، ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ومبرئ من الداء".
فقد كان المصريون يحتفلون بـ " ليلة الغطاس" مسيحيون ومسلمون يتجمعون علي شاطئ النيل ويشعلون المشاعل والشموع يأكلون ويشربون ويمرحون ويغطسون في ماء النيل حتى يبرؤا من كل داء- بحسب اعتقادهم - وهو اعتقاد مرتبط بالتراث المصري القديم الأمر الذي يؤكد صدق تواصل أجيال الشعب المصري وامتداد المعتقدات والممارسات الشعبية المصرية التي تبرز القسمات الواضحة للشخصية المصرية.
وربما كانت كثرة الاحتفالات والأعياد المصرية وراء تلك الملاحظة التي سجلها أحد الرحالة بقوله " أصل كثرة السرور والأفراح بمصر ناشئ عن كونها إقليماً أخر لأن طبع مصر" زهري" فلذا يميل أهلها إلي الموسيقي والغناء واللهو واللعب، ثم أن شعبها الكبير العدد كثير المال مما يساعده علي الإنفاق في الطرب والذوق والصفا" ويقال أن بين مباهج الأعياد , ومباهج بعض أعياد الفراعنة قرابة وصلة و ومن تلك الأعياد عيد بوباسطيس(تل بسطة بالزقازيق ) وقد وصف لنا هيرودوت كيف أن الرجال والنساء كانوا يركبون قوارب تسير بهم في النيل , وهم يرقصون ويغنون , ويسرفون في تناول الطعام والشراب .
هذه الاحتفالات التي كانت سمة بارزة من سمات الحياة الاجتماعية المصرية كانت تعبيراً عن ثقافة شعب متجانس تكشف عن أن المجتمع المصري عاش حياته الاجتماعية بالشكل الذي يوافق موروثه الثقافي الموغل في أعماق الزمن , والذي يحمل العديد من الممارسات التي تداخل فيها الموروث الشعبي بكل ما يحمله من أساطير ورموز وحكايات وأشعار وخير مثال لذلك، احتفالهم ( بسبت النور) .
حيث :"أعتاد أهل مصر علي أن يتكحلوا اعتقاداً أن من يتكحل في ذلك اليوم يقوي بصره، وأن من يشرب الدواء في هذا اليوم أيضا يكون ذا فائدة عظيمة في الشفاء، كذلك يخرج إلي شاطئ النيل من يعاني من أمراض جلدية ويدهنون أجسامهم بالكبريت ويستلقون طوال اليوم تحت أشعة الشمس" ويهمنا أن نلاحظ تلك الصلة بين المعتقد الشعبي والعادات الجارية . وإذا كان قد نسى هذا المعتقد إلا أننا نستطيع أن نتعرف عليه من هذه العادات ذاتها, فعادة الاستحمام وتدليك الجسم بالكبريت فتذكرنا بالمعتقدات الخاصة بشفاء أيوب في بلواه.
وأما أيوب نفسه , الذي تحول في القصص الشعري الغنائي الشعبي ؛ إلى إنموذج لصفة الصبر , فنحن نعرف قصته الأصلية الواردة في سفر التكوين (الإصحاح الأول إلى الإصحاح الثاني والأربعين من سفر التكوين) وكيف كان رجلاً على قدر كبير من التقوى ووفرة المال وطيب النفس , ثم امتحنه ربه في ماله فصبر , وامتحنه في جسمه "وضرب أيوب بقرح ردئ في باطن قدمه إلى هامته , فأخذ أيوب لنفسه شقفة ليحتك بها وهو جالس في وسط الرماد فقالت له إمرأته :أنت متمسك بعد بكمالك بارك الله وموت فقال لها أألخير نقبله من عند الله والشر لانقبل" وتنتهي القصة المقدسة بأن "بارك الله آخرة أيوب أكثر من أولاده" وضاعف له الراحة ومد في عمره عشرة سنين ومائة ورأى أربعة أجيال من ذريته , وماله يزيد ويثرو. ويعزو الذهن الشعبي إلى أيوب أنه دهن جسمه بدهان معين فشفى. ,أما عادة الاكتحال , في تلك الفترة التي يقع فيها شم النسيم , فتتصل باتقاء أمراض العين ( الرمد) الذي كان كثيراً ما يصيب الناس عند انقلاب الجو وتكاثر الذباب , وأتربة الخماسين .وهو الأمر الذي لاحظه الرحالة چوزيف بتس بقوله:"الناس هنا ذوو عيون متقرحة وسيقان متورمة".
كما اعتاد المصريون علي شراء السلاحف اعتقاداً منهم أنها تطرد الشياطين من البيت الذي تكون فيه .كما اعتقدوا أن المرء:"إذا علق منقار الغراب على إنسان حفظ من العين وإذا غمس الغراب الأسود جميعه في الخل بريشه وطلى به الشعر سوده.. وإذا صر في خرقة وعلق على الصبي الذي لم يبلغ الحلم نفعه من السعال المزمن وقطعه ".
أضف لتلك الممارسات والعادات حرص الناس علي تخصيص أيام معلومة لزيارة الأولياء والتبرك بهم:"فجعلوا يوم الخميس والجمعة للقرافة ولزيارة الإمام الشافعي " . وأورد المقريزي حكاية عجيبة عن القرافة (أي مدافن القاهرة) نصها : " وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة ظهر شيء يقال له القطرية تنزل من جبل المقطم فاختطفت جماعة من أولاد سكانها ,حتى رحل أكثرهم خوفاً منها، وكان شخص من أهل كبارة مصر يعرف بحميد الفوال، خرج من أطفيح علي حماره, فلما وصل حلوان عشاء رأي امرأة جالسة علي الطريق فشكت إليه ضعفاً وعجزاً, فحملها خلفه, فلم يشعر بالحمار إلا وقد سقط, فنظر إلي المرأة فإذا بها أخرجت جوف الحمار بمخالبها. ففر وهو يعدو إلي والي مصر، وذكر له الخبر فخرج بجماعته إلي الموضع فوجد الدابة قد أكل جوفها ثم صارت تتبع الموتي بالقرافة وتنبش قبورهم وتأكل أجوافهم وتتركهم مطروحين فامتنع الناس من الدفن في القرافة زمناً حتى انقطعت تلك الصورة". أضف لهذه الحكاية العديد من الخرافات والتي شاعت ولا تزال في المجتمع المصري عن عالم القبور والموتى فيذكر الإسحاقي:"أن رجلاً من البهنسا أخبرني شفاهاً أن بها شخصاً مشهوراً بابن الميتة قال وذلك أن أمه ماتت وهي حامل به فلما مضي مدة من دفنها ماتت امرأة من أقاربها ففتحوا قبرها لدفن تلك الميتة فأحس الحفار بشئ يدور حول الميتة. فطلع الحفار وهو مرعوب وأخبر من حضر بما شاهده في القبر فظنوه وحشاً, ثم أوقدوا ناراً وأشرفوا على داخل القبر, فوجدوا ولداً معلقاً بالميتة ملتقماً ثديها, وقد أجرى الله فيه اللبن؛ لرضاعه فأخذ الحفار الولد, وضمه إلى صدره وعصب عينيه؛ خوفاً من مفاجأة النور. وأطلعه من القبر وعاش, وتزوج ورزق الأولاد ". وهذه القصة التي أوردناها عن القرافة مثال جيد علي نوعية قصص الرعب التي كان أهل مصر يتداولونها حول المقابر والرهبة التي أحاطت بالموتى والقبور، وهي تذكرنا بتلك القصص المرعبة التي سمعناها كثيراً في طفولتنا عن النداهة والعفاريت والمارد، بيد أن أهم ما تدل عليه هو مدي سيطرة الخيال والخرافة علي حكي القصص آنذاك.
المجتمع المصري يتصف بلزوجة في عناصره وقضاياه وهمومه وآماله وآلامه لتتشكل كل هذه المقادير في إناء واحد هو "الشخصية المصرية". تلك المعزوفة الإنسانية التي التقت فيها نغمات شتى من مكان , وزمان بين إيجاب وسلب. لتخرج لحناً خاصا هو الإنسان المصري الذي عاش مئات القرون على هذه الأرض, التي تركت سماتها في مكونه الإنساني , وأكسبته مرارة الأيام , والسنين وتواليها سمات وخبرات خاصة ,أضفت على الشخصية المصرية مكوناتها( ) ولزوجتها التي تأتى عفوية في سياق النسيج الاجتماعي المصري اليومي.
لكن لماذا هذه اللزوجة في السوسيولوچيا المصرية؟
إنها تأتى منسجمة مع التركيبة النفسية للشخصية المصرية، فالإنسان المصري يتمتع بين الشخصيات العربية الأخرى بأعلى معدل من الرفاهة والعاطفة التي تجعله سريع التقلب بين الغضب والرضا والمدح والذم والضحك والبكاء والخشوع و الفرفشة.
ولأنه كذلك فإن اللزوجة الوجدانية في مكونات الشخصية المصرية هي أسهل الأساليب لسرعة التحول من الغضب إلى الرضا , حيث ليس ثمة فارق صلب بين هذين الشعورين يستدعى بذل جهد كبير للتحول من أحدهما إلى الآخر كما تفعل الشعوب الأخرى( ).
تلك اللزوجة المصرية التي كانت نتيجة ذاكرة تراكمية, تاريخية, وشعبية. فإذا كان الإنسان في فترة حياته المحدودة يحوى في أعماقه ذاكرة إنسانية لكل تجاربه وخبراته , وينتقل من فترة زمنية إلى أخرى, من طفولة إلى شباب وشيخوخة كل مرحلة تستقر في بؤرة تفكيره قد يتغير منظوره الفكري وأيدلوچيته. فقد ينتقل من اليسار إلى اليمين مع تقدمه في السن. أو يمزج بينهما في تناقص مألوف ولكن تظل تجاربه الفكرية السابقة في بؤرة ذاكرته الحضارية الدافعة والناهضة، والأمر نفسه بالنسبة للمكون الإنساني لشخصية الشعب، فهناك تجارب إنسانية عديدة ومكونات قد تمتزج وتتوارى في الأعماق، ولكنها لا تمحى وتظل في المكون الإنساني, وقد تتوارى خلف المكون اللزج الجديد ويعد ذلك تواصلا وليس انقطاعاً إنسانياً بين الحقب الزمنية التي كانت شاهدة على تغير وامتزاج تاريخي وفكري وديني وأسطوري واضح نلمسه فيما ورثته مصر من العادات والتقاليد والأعراف والأفكار التي تعبر عن وجدانها في شتى عصورها ومعتقداتها في الحياة. مثل بعض العادات التي انطبع وقع حوافرها بقوة في الذاكرة الشعبية للمصريين، كعادة تلقين الميت، وسعف النخيل، وليلة الخامس عشر، والأربعين، كلها عادات مصرية قديمة ظلت متغلغلة في المعتقد المصري إلى الآن( ) شيوعاً ورسوخاً ليكشف عن المدى الواسع الذي تنتشر فيه تلك المعتقدات وعن التأثير العميق الذي تحدثه في حياة الناس( ) ولا غرو في ذلك فالمعتقد هو الفاعل الأصلي في التاريخ( ).
وقد عُرف عن المصريين أصالة الصلة بينهم وبين المعتقدات الشعبية شديدة اللزوجة فى التناقض ولا عجب فعندهم أن "إللى يعتقد فى حجر ينفعو"( ) مما يوحى لدينا أنه يمكن التعايش بين أكثر من نمط فكرى فالشخصية المصرية تتعايش فيها سمات بعضها يرتبط بالماضي وبعضها يرتبط بالحاضر( ) وفقا لمبدأ التعدد في أنماط الأفكار والمعتقدات مما يؤكد على تعايش السمات الثقافية المتناقضة في وجدان الإنسان المصري المتسم باللزوجة الوجدانية وانصهارها وهو سر تميز الشخصية المصرية عن غيرها وهو ما نتلمسه في سياق كتابات الرحالة والمؤرخين الذين زاروا مصر أو كتبوا عنها .
فالمصريان المتخاصمان إنك لن تلبث كثيراً حتى تراهما يرتشفان الشاي معاً بصحبة آخر نكتة!! ومرد ذلك هو الحاجز المصري اللزج بين الصداقة والخصومة وهو ما لم يستطع الرحالة العبدري – في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي – أن يدرك أبعاده حينما سمع مصرياً فى قافلة الحج : "ينادى رفيقه فى الركب فلما أتاه لعنه ولعن أباه وقابله الآخر بمثل ذلك وتهارشا زمانا ثم قعدا يأكلان!! ..." ( ) لهذا فإن المصري قد يكون صديقا لكي مدى الحياة – رغم بعض الخصومات الطارئة – لكنه لا يمكن أن يكون عدوا لك مدى الحياة وكلمة السر عنده هي "الابتسامة": "فهم يفهمون الإنسان الذي يتصادق بابتسامة لطيفة"( ).
كما أنه يتسم بالتصلب النسبي ولا يقبل التغير السريع ويتمسك بالأرض ويتسم تفكيره بالتدين الشديد بل إن المصري – في رأى هيرودوت – يزيد كثيرا عن سائر الناس في التقوى وأنه أول من أوقف للآلهة الهياكل والتماثيل والمعابد( ) وهو نفسه الإنسان الذي يؤمن بالقدرية ورغم ذلك فهو : "أكثر الناس استعمالا لأحكام النجوم وتصديقا لها وتعويلا عليها وشغفاً بها وسكونا إليها حتى إنه قد بلغ من زيادة أمرهم في ذلك إلى أن لا يتحرك واحد منهم حركة من الحركات الجزئية التي لا تحصر فنونها ولا تحصل أجزاؤها وأنحاؤها ولا تضبط جهاتها ولا تقيد غاياتها ولا تقدر أساليبها ولا تعد ضروبها إلا في طوالع يختارونها ونصب يعتمدونها( ) وطبعا هناك اختلاف بين المتعلم وغير المتعلم على الأقل في مجال تصديق الخرافات وتحميل الجن وعين الحسود وأعمال السحر فوق ما تطيق في امتزاج ولزوجة مع الدين فى تناقض عجيب أدهش أبا الصلت أمية – القرن الخامس الهجري – الذي ذكر أنه شاهد "رجلا من الوقادين فى أتون الحمام يسأل رزق الله المذكور عن ساعة حميدة لقص أظافره فتعجبت من سمو همته على خساسة قدره ووضاعة مهنته ... "( ).
ولقد كان إدوارد لين محقا حينما قال: "هؤلاء المصريون الذين يقحمون الدين في أحاديثهم العادية بإخلاص وحسن نية هم أنفسهم الذين قال الكاتب نفسه عنهم: "وكثيراً ما يسمع فى المجتمع المصري العبارات الدينية تعترض الحديث في الأمور الحقيرة والخليعة أيضا، وقد يكون ذلك أحيانا بطريقة تحمل من يجهل أخلاق هذا الشعب على أنه يظنه هزءا بالدين. ويكرر المصريون اسم الله في كثير من أغانيهم الماجنة من غير قصد للإهانة طبعا وإنما يفعلون ذلك لاعتيادهم إقحام اسم الله فى كل ما يدعو إلى الدهشة أو العجب فيعبر الماجن عن انفعاله بالجمال عند رؤيته فتاة فاتنة بقوله أثناء كلامه الفاحش تبارك الذي خلقك يا بدر".
ولقد ركز هذا التناقض الواضح فى تصرفات الناس المثل الذي يقول: "ساعة لقلبك وساعة لربك" أي إنك عندما تمارس الشعائر الدينية لا تنس أن تمتع نفسك وأيضا عندما تمارس لهوك لا تنس ربك( ) ومرد ذلك هو الفاصل المصري اللزج بين هذه وتلك والذى أثار انتباه (وينفريد بلاكمان) وقد دعاها إلى القول أن: "من الملاحظ أن معظم الصفات المتناقضة يمكن أن تجدها في إنسان واحد وبرغم كثرة الفقر والمرض وقلة وسائل التسلية التي تقضى على رتابة حياة الفلاح المصري نجد أنه إنسان مستبشر وراض بصورة تدعو للدهشة والفلاحون المصريون سريعوا الفهم وحاضرو البديهة ويحبون النكتة حتى وإن كانت تسخر منهم وعادة ما يتمتع الفلاح المصري بذاكرة قوية وقلب طيب وروح مرحة وكرم ضيافة يضاف إلى ذلك حبه للعمل وهو فى الوقت نفسه ذو عاطفة جياشة شديد الحساسية ويتسم بالجهل كما أنه فى أغلب الأحيان يعجز عن السيطرة على نفسه ..." ( ).
والمصري هو الأقدر على الإضحاك وهو أيضا الأقدر على الإبكاء وتقلب المزاج بين الحزن المفرط والفكاهة المفرطة( ) والمصريون يضحكون من كل ما يحسون فيه مخالفة للمألوف ويضحكون من الهجاء والسباب والشتم ويضحكون من النوادر والنكت والمزاح ثم هم يضحكون ضحك ازدراء أو ضحك إعجاب أو ضحك سخرية أو ضحك هزل أو ضحك انتصار أو ضحك عطف أو تشفى. فصور الضحك والإضحاك ومنابعها كثيرة والأمم تختلف في إنتاجها وقدرتها على تذوق ضروبها المختلفة والمصريون من أكثر الأمم ميلا إلى الفكاهة والضحك ومن هنا كان أدبهم غنيا بألوانها وخاصة ما اتصل بالنكت وخفة الدم والروح( ) والكتابات التاريخية كانت شاهدة على أن المصري يضحك حتى لا يموت من الغم.
وعلى الرغم مما شهدته الشخصية المصرية من محن وشدائد عديدة صهرتها محنة الحروب الصليبية فقد خرجت منها ومن المحنة المغولية غير فاقدة لقدرتها على المرح والتفاؤل وعشق الحياة فالمصريون لم ينسوا طبعهم أثناء الحروب الصليبية بل لقد خلف لنا هذا العصر طرفة فكاهية مشهور هى "كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش"( ) هذا الكتاب أقدم الكتب الفكهة فى تاريخ مصر فى العصر الإسلامي ألفه الأسعد بن مماتى صاحب ديوان الجيش والمال لعهد صلاح الدين الأيوبي وقد عرف ابن مماتى كيف يحيل قراقوش إلى شخصية هزلية وقد أضافت العصور التالية إلى هذه الشخصية خطوطا وألوانا أخرى إذ نسب المصريون بروح الدعابة التي يمتازون بها إلى تلك الشخصية كثيرا من القصص المضحكة وأصبحت شخصية قراقوش شخصية رمزية لكل حاكم طاغية على مصر فكان المصريون طوال الحكم التركى فى عصر المماليك وبعده يقصون نوادره ويضيفون إليها نوارد جديدة( ) استرسلت فيها قريحتهم التى وصفها ابن بطوطة بقوله : "وأهل مصر ذوو طرب وسرور ولهو .. "( ).
ويشير البعض إلى أن: "أصل كثرة السرور والأفراح بمصر فناشئ عن كونها إقليما آخر.. فأهلها يشرعون في الشجار لأتفه الأسباب وذلك لأن طبع مصر "زهري" فلذا يميل شعبها إلى الموسيقى والغناء واللهو واللعب. ثم إن شعبها الكبير العدد كثير المال الذي يساعده على الإنفاق في الطرب والذوق والصفا ... "( ).
: "وكذلك كثر طرب نفوس أهلها وفرحهم ورغبتهم في مداومة اللذات واستماع الأغاني ومواصلة المسرات والرغبة في الراحة وطرح كل يوجب التعب والمشقة والحب للنقش والصورة والرقم والتلوين بالأصباغ وعلى قلة الضجر فى السفر وترك المخالفة لمن يصاحبون وكثرة المبالغة لمن يألفون وحسن المؤازرة لمن يستخدمهم ..." ( ) فيقبلون عليك بالبشر والترحيب ... وبشاشة المحب عند لقاء الحبيب"( ).
وما يعرفه الناس عن خفة ظل المصري فيه الكثير من الصحة ولكنه في الوقت نفسه ضرورة للتفريج عن نفسه ولذلك فإنها وسيلته للقضاء على الشعور بالقهر والضيق واليأس والمرض وهو ما أشاد به (صاحب الرسالة المصرية) برغم حنقه الشديد من مصر وأهلها إلا أنه لم يستطع أن يخفى قسمات وجه وهو يبتسم من: "ظريف ما سمعه أنه كان بمصر منذ عهد قريب رجل ملازم للمارستان يستدعى الأطباء فيدخل على المريض فيحكى له حكاياته مضحكة وخرافات مسلية ويخرج له وجوها مضحكة وكان مع ذلك لطيفا فى إضحاكه وبه خبيرا وعليه قديرا فإذا انشرح صدر المريض وعادت إليه قوته تركه وانصرف فإن احتاج إلى معاودة المريض عاده إلى أن يبرأ أو يكون منه ما شاء الله ..." وقد دعى أبوالصلت أمية إلى ضرورة العمل بهذا الاختراع المصري خفيف الظل وتعميمه فى كافة أساليب العلاج بقوله: "فليت أطباء عصرنا هذا بأسرهم قدروا على مثل هذا العلاج الذى لا مضرة فيه ولا غائلة له بل أمره على العليل هين ونفعه ظاهر بين كيف لا وهو ينشط النفس ويبسط الحرارة الغريزية ويقوى القوى الطبيعية ويقوى البدن على دفع الأخلاط الردية المؤذية والفضول مع الاستظهار بحفظ الأصول".( ) مما يدفع بالمرء أن: "يتعجب كثيراً من جدهم ومرحهم"( ).
ولكن خفة الظل هذه قد تصبح داء يعجز المصرى معه أن يقول جملة دون تعليق ساخر أو ضاحك بحيث يصاب محدثه إما بنوبة ضحك لا تنقطع وإما بالضيق الشديد إذا لم يكن من المعجبين بهذا النوع من "القافية" كشكل من أشكال الفكاهة يختلف عن النكتة والتي تتطلب قدرة ومران( ) قلما تجدها إلا عند المصريين بما فيهم: "من نزعة إلى السرور واندفاع فطرى إلى المزاح والمطايبة على وجه ينم على الذكاء وحضور الذهن وسرعن الخاطر"( ) والتي أشار إليها الدهلوي وما تعرض له من (قافية) في مصر أغضبته فيروى أنه عندما ذهبت إلى الحمام بالقاهرة و: "خلعت ملابسي ولففت إزاري ونزلت إلى أسفل فوجدت عددا من المصريين العرايا أجسامهم ضخمة وبنيانهم قوى شاهدوا جسدي النحيل فأخذوا يدعون بصوت عال أن ينجيني الله من مرض الهزال الذي أعانى منه فتأذيت كثيرا من كلامهم هذا ..." ( ).
فالقافية التي تأذى منها الرحالة الدهلوي تعد واحدة من الأساليب المختلفة للمصري في التنكيت والسخرية وتعتمد على المبارزة الكلامية باللعب على الكلمات والمعاني وإن كان لا يقصد منها سوى الممازحة وقد شهد الرحالة الأندلسي ابن سعيد (المتوفى 685هـ) على الحاجز المصري اللزج بين الممازحة والمكر بقوله: :" لم أر فى أهل البلاد ألطف من أهل الفسطاط فهم فى نهاية من اللطافة واللين فى الكلام وتحت ذلك من الملق وقلة المبالاة برعاية قدر الصحبة وكثرة الممازحة والألفة ما يطول ذكره"( ).
والمصري هو الأكثر موعظة ودموعا فهو يبكى فى لحظات الحزن وكذلك فى لحظات الفرح الشديد ويهرع لتلبية أية دعوة للمشاركة فى الحزن ويبكى على راحل ليس من الأهل أو الأصدقاء ويعتقد أن الاشتراك فى تشييع راحل لا يعرفه هو عمل من أعمال الخير، له ثواب عظيم، والظهور بمظهر الإنسانية المتعاطفة مع الإنسان لوجه الله وتأكيد الإيمان بقبول الحكمة الإلهية المتمثلة فى الموت والرضوخ الكامل لها. وعبارة "اللهم اجعله خيرا" التي ينهى بها المصريون ضحكاتهم أو أي تعبر آخر عن الفرح، تدل على أنهم يخشون الفرح بأشد مما يخشون الحزن( ).
وتاريخ المصري على مر آلاف السنين هو سجل حافل بجرائم الحكام والساسة ومفهم بالمعاناة الطويلة والحرمان القاسى وتقلب الغزوات والأجانب عليه بعد عزته فى التاريخ المصرى القديم ولذلك أضحى المصري أشبه يشيخ هرم، مكسور الخاطر أو عزيز قوم ذل. والإحساس المستمر العميق بالظلم لابد أن يفتح منابع الحزن والكآبة سواء فى الفرد خاصة أو الشعب بصفة عامة( ).
وبرغم بشاشة المصرى وعشقه لألوان الحياة إلا أن هذا لا ينفى أن مظاهر الحزن غلفت حياته ذلك أن التعبير الحقيقى عن الوجدان هو البكاء وليس الضحك وقد أحس الرحالة ابن جبير – فى القرن السادس الهجري / الثاني عشر الميلادي – بروح الحزن التي مست شغاف قلبه لما شاهده من تمسح الناس بقبر رأس الحسين: ".... وطوافهم حوله مزدحمين داعين باكين متوسلين إلى الله سبحانه ببركة التربة المقدسة ومتضرعين بما يذيب الأكباد ويصدع الجماد.."( ) ويصف الرحالة السبتي (ت730هـ) احتفاء أهل مصر بالحجيج على طريقتهم الخاصة بقوله : "... واندفع جماعة من القراء بين يديه يتلون قوله تبارك وتعالى : "الحج أشهر معلومات" الآيات وجعلوا يكررونها بأصوات حسنة ويرددونها بالتلاحين العجيبة متراسلين على عادتهم فى هذه البلاد المشرقية ونمقوا أصواتهم بذلك أى تنميق وأجروا الدموع على الخدود وشوقوا إلى الحرم الشريف أى تشويق .." ( ).
المهم أن العنصر المصري الذى مازال كامنا فى قلب من يسكن فى أرض الكنانة هو الذى تدمع عيناه كلما حان وقت الفراق أو الرحيل نجده قد: "فاضت الدموع ولحق الخشوع"( ).
والشخصية المصرية تعانى من اللزوجة فى ازدواجيتها التى تتبدى فى جوانب عديدة كالتناقض بين الإنشاء والأخبار وبين القول والعمل وبين الداخل والخارج( ) وتسترسل الأمثال الشعبية فى ذلك موردة لتلك اللزوجة المتناقضة فى أحوال وسلوك المصرى فتقول: "أقرع ونزهى" أو "غشيم ومتعافى" و "زى الطبل صوت عالى وجوف خالى"( ) وقد أطال الحديث عن مثل هذه النوعية من البشر صاحب (الرسالة المصرية) وأفاض عنهم فى قوله: "وأما الطائفة المقلدة التى حظها من المعارف القشور دون اللبوب والظواهر دون البواطن والأشباح دون الأرواح فأمثل من بها منهم الآن رجل يعرف برزق الله النحاس فإن له فى فروع هذه الصناعة بعض دربه وتجربة وبتجريباتها وبجزيئاتها بعض خبرة وهو أكبر المنجمين بها وكبيرهم الذي علمهم وأميرهم الذى يلوذون به وكبيرهم الذي علمهم السحر فجميعهم إليه منسوب وفى جريدته مكتوب وبفضله معترف ومن بحره مغترق وهو شيخ مطبوع بتطايب وبتخالع .." ( ) وتحدث عن آخر بقوله: "وكان مثله فى عظم دعاويه وقصوره عن أيسر ما هو متعاطيه كقوله الشاعر:
يشمر للج عن ساقه ويغمره الموج فى الساحل( )
وتسترسل الأمثال فى السخرية ممن ينهون ويتكبرون غير مدركين لقيمتهم الحقيقة موردة تلك اللزوجة المتناقضة فى أحوال وسلوك المصري والذي تراه أحيانا (من بره هللا هللا ومن جوه يعلم الله) وهذا يعكس اهتمام المصرى بالقيمة أكثر من اهتمامه بالشكل أو القشور( ) ولا يتوانى المصري فى توجيه أشد أنواع السخرية وأكثرها اقترابا من الفكاهة لمثل تلك النوعيات التى تراها من (بره رخام ومن جوه سخام) أو تلك الفئة التى تعامل معها الرحالة (الدهلوى) فى مصر والتى يقال عنها: "بعد المعركة ينتفخ المفش" أو "طلع طلع ونزل على فاشوش"( ) فيقول عنهم الدهلوى: "... وإذا حدث واضطررت إلى التعامل معهم فلا تخش أجسامهم الضخمة وهيئتهم المخيفة فهم جبناء ضعاف الهمة كما أنهم يتصفون بالدناءة فإذا ما هددتهم مرة واحدة هربوا على الفور من المواجهة... وقمت أنا أيضا بتعنيفه وأمام جمع غفير من الناس وقضنا بأجسامنا الضعيفة وظللنا واقفين وإذا به يمد يديه طالبا العفو قائلا: دعونى أذهب، ثم أخذ يسب ويشتم وهو يغادر .. "( ) "فهم ذوو لسان سليط كالدعرات لكنهم قلما يهتمون بالدخول فى معارك وإن حدث فإنهم يضربون بأكفهم (يصفعون) وليس بقبضاتهم"( ) و (قلما ينقلب الشجار بين المصريين من التنابذ بالقول إلى التضارب بالأيدي بل أنه سرعان ما تهدأ النفوس وتسكن ثورة الغضب فيها بعد تنازل أحد الخصمين عن حقه بقوله للآخر "الحق على")( ).
والمصري الذي يتسم بطيب النفس: "وبالهدوء والرقة والوداعة قد يرتكب جريمة وحشية فى لحظة .. فقد قتل رجل جاره بطريقة فظيعة لأنه سرق بضع بصلات من حقله وبعد لحظه من ارتكابه لجريمته كان يبكى فوق جثة ضحيته"( ).
وهكذا فالمصري تجده غير مدرك للعواقب ولعل أخطر ما يؤخذ عليه وعلى سخريته حيال الأزمات العنيفة وسخريته من ذاته أنه يكتفى بالسخرية من الشئ أو الشخص أو الأزمة ويضحك ملئ شدقيه ولسان حاله يقول: "شر البلية ما يضحك" ويكتفى بذلك وكأن السخرية قد حلت الأزمة أو غيرت الأمور من حال إلى حال غير مدرك أن السخرية ليست وسيلة تغيير ولا طريقا إلى حياة أفضل وذلك يعنى أنه شخصية غير مدركة للعواقب والغريب أن هذا هو دأب الإنسان المصري منذ قرون بعيدة( ) فقد لاحظ الرحالة عبد الرحمن بن خلدون ذلك منذ ارتحاله لمصر وقال: عن أهلها مصر :" كأنما انطلق (فرغ) أهله من الحساب"( ) أى كأنهم تجاوزوا كل ما هو جاد. وعلق المقريزي على ذلك بقوله: "... وقال شيخنا الأستاذ أبو زيد عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله تعالى: "أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب"( ) وذهب المقريزي إلى أبعد من هذا بقوله: "ومن أخلاق أهل مصر الأعراض عن النظر في العواقب فلا تجدهم يدخرون عندهم زادا كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان .. ومن أخلاقهم الانهماك في الشهوات والإمعان من المملاة وكثرة الاستهتار وعدم المبالاة ..." ( ) فهذا المصري البسيط والماكر فى آن معا تجده أحيانا "يخاف ولا يختشيش" على حد لسان حال الأمير رودلف حين ذكر أنه: "كان عدد كبير من الفلاحين البؤساء يلبسون ألبسه متواضعة – رغم أن لبعضهم منظرا يوحى بالقوة – يعملون تحت إشراف خولي يلبس عباءة طويلة ويحمل فى يده كرباجا من جلد وحيد القرن وقد تقدم منى هذا الخولي بزهو وتحدث طويلا وهو يومئ كثيرا أثناء الكلام وقد فهمت بعد أنه يرغب منا مغادرة الأرض ولما رأيت أنه يرفع صوته أكثر من اللازم ويحرك يده بعنف استدعيت عثمان الخادم الأسود ... ولما رأى هذا الشرقي الفاضل الخولي البزة المميزة لخادم القنصل انخفض صوته وتراجعت نبراته وانسحب سريعا خوفا من خطر يحيق به واختبأ داخل أعواد القصب الكثيفة"( ). وكأن لسان حال الخولي "اللى ما يعرفك يجهلك". ورغم هذا التناقض الظاهر فى الموقفين أي الاعتزاز البالغ بالنفس مقابل الإكبار والتبجيل من قدر الآخر والخوف منه فإن المصري صدره كبير ويتسع لذلك وأكثر وشعوره فى قرارة نفسه بالعلو لا يمنعه من منح الآخر فى الاحترام( ).
والمصري (قلبه أبيض) لا يحمل الضغينة لأحد يغضب ويزيد ويصرخ كما رأينا ثم تقول له (صلى على النبي) فتنزل به الصلاة على النبي من قمة غضبه لتجعله إنسانا متسامحا يغفر لخصمه: "ويتفق أحيانا أن يتداخل بين الخصمين ثالث ويجعل تمهيده للمقابلة قوله: "اللهم صلى على سيدنا محمد" فيكرر الخصمان هذه العبارة بصوت خافت ثم يقرأن فى سرهما ما تيسر من القرآن ويستأنفان روابط الود القديم بعد أن يتعانقا تعانق الوئام والوداد..."( ).
والمصري يحب لهجته. وكثيرا ما لا يكون مستعدا لفهم غيرها وإذا أراد أن يتحدث لهجة عربية أخرى أصبح كوميديا وفى حين لا يتقن المصري اللهجات العربية الأخرى ويصر على نطق حرف الجيم بصورة مختلفة (دون تعطيش الحرف) والقاف (ألفا) وغير ذلك مما هو معروف عن هذه اللهجة فإنه يرى تحدث الآخرين باللهجة المصرية أمرا بديهيا( ) وليس كوميديا يثير الضحك كما فعل الرحالة العبدري – فى القرن السابع الهجري – فى سياق تهكمه على المصريين بقوله: "واللكنة فيهم فاشية وجمهورهم يجعل القاف والكاف همزة وقد سمعت شخصا منهم فى التلبية يقول: "لبيك اللهم لبيك ويجعل كافاتها كلها همزات فلو سمعته سمعت كلاما مضحكا ..." ( ).
وقد تأسف (الرحالة الهندى النعماني) لما وصلت إليه حال اللغة العربية أمام العامية المصرية غير مدرك إلى أنه لم يجد المتكلمون بالعربية مقرا لهم من أن يخلقوا – إلى جانب الفصح – لغات عامية يباشرون بها شئون حياتهم اليومية( ) فيقول: "إن اللغة العربية المعاصرة مختلفة إلى حد ما عن اللغة العربية القديمة لدرجة أن أي عالم كبير من الهند لو سافر إلى مصر والشام فإنه سيستغرق فى فهم اللغة هناك نفس الوقت الذي يستغرقه أحد العوام تقريبا"( ).
ويشير الرحالة إلى أن أهل مصر: "يختصرون كثيرا من الكلمات إلى حد لا يستطيع الذهن أن يتجه ناحية الكلمات الأصلية ما دام لم يذكرها شخص ما ... يزيدون بعض الحروف فى بداية الكلمات أو فى آخرها والتى بها يتغير شكل الكلمة تماما ... وفى مصر يزيدون حرف (ش) فى نهاية الكلمات مثل (ياخدش) بدلا من (يأخذ) هناك فساد كبير فى نطق الحروف بل يجب القول إن جميع خصائص نطق اللغة العربية قد محيت، فهم يتحدثون بالهمزة بدلا من العين والدال بدلا من الذال والكاف الفارسية بدلا من الجيم والهمزة بدلا من القاف ولا ينطق بهذه العوام والجهلاء فقط بل إن العلماء والأشراف أيضا يؤدونها هكذا بهذه الحروف، سألت طالبا فى مصر ذات مرة من أين جئت؟ قال جاى من الجمعة أى جئت من مسجد الجمعة"( ) غير أن أحد المولعين بمصر رأى أن اللهجة المصرية هى أحد مصادر النكتة: "لاسيما وأن اللهجة التى بها يتفاهمون تساعد على التورية والجناس والتحريف والتصحيف والكتابة إلى غير ذلك مما ينمقون به الحديث ويكسبونه من الطلاوة ما يرتفع له حجاب السمع وتشتاق له النفس..."( ).
وهذا مؤرخ مصرى هو الأدفوى يدرك الناظر إلى كتابه فى التراجم الموسوم "بالطالع السعيد" الطابع المصري الأصيل فهو يحكى القصص ويسوق الأقوال بأسلوب لهجته المصرية أكثر من عربيته( ) فيقول فى ترجمة على بن عبدالرحيم بن الأثير: "ثم بلغه ما اقتضى عزله من تلك الجهة فتوجه إلى الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير فتكلم شيخنا قاضى القضاه فى المجلس بكلام فشق عليه [وعيط ]عليه ..." ( ).
أما المصنف الموسوم بـ "الإعلام والتبيين فى خروج الفرنج الملاعين على ديار المسلمين" فقد كان على العموم ابن عصره تشيع فى كتابته الأخطاء النحوية ويكتب باللهجة العامية بحيث يقول مثلا: "وفى هذه السنة هجمت (هجم) الفرنج على دمياط وأخذوها بلا طعنة ولا ضربة .. فعضب وشنق من أعيانا ستين نفسا فقالوا: إيه ذنبنا إذا كان عسكرنا هربوا (هرب) فما نصنع نحن ففزع العسكر من السلطان وصطوته (وسطوته) وكان السلطان مريضا فأرادوا (فأراد) مماليكه قتله"( ).
وقد تذمر ابن الحاج فى "المدخل" من تلك اللهجة العامية بقوله: "فالذاكر منهم فى الغالب لا يقول (لا إله إلا الله) بل يقول (لا يلاه يلله) فيجعلون عوض الهمزة ياء وهى ألف قطع حتى جعلوها وصلا وإذا قالوا (سبحان الله) يمطونها ويرجعونها حتى لا تكاد تفهم والقارئ يقرأ القرآن فيزيد فيه ما ليس منه وينقص منه ما هو فيه بحسب تلك النغمات والتوجيهات التى تشبه الغناء والهنوك التى اصطلحوا عليها) ( ).
ويقف المقريزي (القرن التاسع الهجري) شاهد عيان على تمسك المصري بلهجته. فيذكر: "أعلم أن ناحية أدرنكة هى من قرى النصارى الصعايدة ونصاراها أهل علم فى دينهم وتفاسيرهم فى اللسان القبطى ... والأغلب على نصارى هذه الأدبرى معرفة القبطى الصعيدى وهو أصل اللغة القبطية وبعدها اللغة القبطية البحرية ونساء نصارى الصعيد وأولادهم لا يكادون يتكلمون إلا بالقبطية الصعيدية"( ) ويشير (صفى الدين الحلى) (المتوفى 750هـ) إلى ما للهجة أهل مصر من مذاق وحلاوة ورقة فيقول: "ولسان المصريين يبدلون الضاد دالا"( ) إلا أن: "لعوامهم لغة لطيفة رقيقة مختصة بهم وظرافات رشيقة هى أحلى موقعا من اللفظ العربي والمغربي ... كحلاوة ألفاظ المغاربة والمصريين"( ).
والمصري يكره النقد لأي شئ يصنعه أو اعتاده. يمكن أن تقول له ما تشاء ولكن بدون توجيه نصح بصورة مباشرة ولا تفكر فى تعريفه بخطئه على الإطلاق بل يكون ذلك بتوضيح وجود إمكانات أخرى للوصول إلى حل للمعضلة وعندها يمكن أن تقول عكس ما يقول باعتباره بديلا لكلامه فيتقبله دون تردد( ) وهذا بعينه الخطأ الذي وقع فيه صاحب (الرسالة المصرية) – فى القرن الخامس الهجري – عندما دخل في مناظرات علمية وكلامية مع أهل مصر ولم يكن واقفا على طبيعة من تحدث معهم فى أمور العلم فيقول: "وجهدت كل الجهد على أن أجد من أهل هذه الصناعة من أستفيد منه وأستزيد بمذاكرته وأقدح خاطري بمفاوضته. فلم أجد غير قوم طبع الله على قلوبهم وأعمى أبصارهم وطمس إفهامهم وحال بين الحكمة وبينهم.... وقد تخلقوا بكثرة الخلاف وقلة الإنصاف ولزموا البهت والمعاندة والشغب والمكابرة ..." ( ).
ولعل الصفة الأخيرة من أهم صفات المصري وهو الاعتقاد الخاطئ بأنه وحده الموجود على خريطة العالم وأن الدينا حوله لا تساوى شيئا وأن مصر وحدها تعدل نصف العرب وعند هذا المصري شعور بأن حضارة القدماء المصريين تعطيه الحق لينظر للعالم من فوق هرم خوفو. شعور بأنه يستغنى عن العالم كله فعنده – حسب ظنه – الريادة فى كل مجال( ) وقد أنكر عليه الكثير من الرحالة كقول العبدرى – فى القرن السابع الهجرى – : "ومن الأمر المنكر عليهم والنكر المألوف لديهم تدارسهم لعلم الفضول وتشاغلهم بالمعقول عن المنقول فى إكبابهم على علم المنطق واعتقادهم أن من لا يحسنه لا يحسن أن ينطق .. "( ) وقول صاحب (الرسالة المصرية): "ورأوا أن غرضهم من صناعة الطب الذى هو عندهم وحسب ..." ( ) وفى الوقت نفسه نجد المصرى يحب جدا النقاش بل والجدال إلى درجة الشجار: "فيرى الشيوخ منهم يتهارشون فى الطرقات ويقطعون بلعنة أسلافهم فسيح الأوقات"( ) وقد عانى ابن خلدون من الإرهاق بمناقشات وحجج وحجج مضادة مع المصريين بقوله: "فتتعارض الفتاوى وتتناقض ويعظم الشغب إن وقعت بعد نفوذ الحكم والخلاف فى المذاهب كثير والإنصاف متعذر ... فلا يكاد هذا المدد ينحسر ولا الشغب ينقطع"( ) وعند ذلك يصبح المصري محترف مكر ووشاية ويكره الوقوف فى آخر الصف بل لابد أن يجد وسيلة ليصبح فى المقدمة ومن هذه السمة عانى ابن خلدون بقوله: "وانطلقوا يراطنون (يكلمون) السفهاء فى النيل من عرض وسوء الأحدوثة عنى بمختلف الإفك وقول الزور يبثونه فى الناس ويدسون إلى السلطات التظلم منى..."( ) ويبدو أن المقريزي قد نال نصيبه من المكر والمراوغة فنجده فى تحليله للشخصية المصرية يشير إلى جغرافية المكان وتأثيرها على طباع وأزمة الناس فى مصر بقوله: "وأن هؤلاء وماءها رديئان" ويرى أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن: "وأبدانهم سخيفة سريعة التغير قليلة الصبر والجلد وكذلك أخلاقهم يغلب عليها الاستمال والتنقل بين شئ إلى شئ والدعة والجبن والقنوط والشح وقلة الصبر والرغبة فى العلم وسرعة الخوف والحسد والنميمة والكبد والسعى على السلطان وذم الناس"( ).
وما ذكره المقريزي عن ممالأة الحاكم فهو نتيجة لضغط وقهر إنساني من العديد من الدول التي تداولت الحكم وليس طبيعة مصرية خالصة فما دخل علينا من الخضوع أو ممالأة الحاكم السلبية ليست نتاجا لطبيعة أرض، بقدر ما هي تراكمات تاريخية من قهر لدول حاكمة تملك قوة السلام أمام شعب مسالم يؤثر السلامة ويكره لون الدم ولا يملك أمام السيف إلا الدعاء والشكوى أو الانفجار المفاجئ إذا وصل الأمر إلى مرحلة الموت قبل الموت( ).
والمصري (فهلوى) أى لا يعرف خطوطاً مستقيمة و تقف الحواجز أمامه عقبة كئود بل لابد من البحث عن ثغرة أو مخرج حتى ولو كلفته عناء أكبر من الانصياع لإرادة الآخرين وقلما نجد مصريا يقول (لا أعرف) فهو يجرب ويحاول ولا يفقد الأمل بسرعة ولكن إذا وصل إلى نقطة اليأس فإنه لا يعترف بعدم القدرة بل هناك ألف مبرر بشرط ألا يكون أحدها عدم المعرفة أو أنه خاض فى حقل لا يفهمهم فيه شيئا ودليل ذلك ما أورده أبوالصلت أمية بن عبد العزيز (المتوفى سنة 528هـ) عن رجل مصري يسمى رزق الله النخاس الذي قال عن نفسه: "سألتني امرأة مصرية أن أنظر لها فى مسألة جملية تخصها فأخذت ارتفاع الشمس للوقت وحققت درجة الطالع والبيوت الأثنى عشر ومركز الكواكب ورسمت ذلك كله بين يدى فى تخت الحساب وجعلت أتكلم عن بيت بيت منها على العادة وأنا فى خلال ذلك أتحسس أمرها وهى ساكتة لا تنبس فوجمت لذلك وأدركتنى فترة عظيمة وألقت إلى درهما قال: فعاودت الكلام وقلت: أرى عليك قطعا فى بيت مالك وضياع فاحتفظى واحترزى! فقالت: الآن أصبت وصدقت قد كان والله ما ذكرت قلت: وهل ضاع لك شئ؟ قالت: نعم، الدرهم الذى ألقيته إليك! وتركتنى وانصرفت ..." ( ).
ويتمتع المصرى بقيم دينية داخلية لم تتغير تبعا لروح العصر بما فيها من أنانية وتجاهل لألم الآخرين وأوضح دليل على ذلك ما يراه الناس من خير وفير فى أيام وليالي رمضان. كما يذكر الكمدى عن عبد العزيز بن مروان أنه كان له ألف جفنة كل يوم تنصب حول داره كما كانت له مائة جفنة يطاف بها على القبائل وهى مملؤة بالطعام تفرق على الفقراء والمساكين ومعها الخبز( ) فالمصريون ميالون بوجه عام إلى البر بالفقراء والإحسان عليهم لأن فى دينهم من التعاليم والمبادئ ما يجعل هذه الفضيلة فرضا واجب الاتباع( ).
فمازال فى قلب المصري شفقة بالفقير وحسن الظن بالناس يصدق سريعا كل ما يسمع ويحرص على صلة الرحم والبر بالوالدين والحنو على الأبناء لدرجة أنه: "قد حرص كل من الأب والأم على تجميل أطفالهم بالحلى والملابس الجميلة إذا كانا فى سعة من العيش"( ) وكان مشهدا معتادا أن يدخل المصري على أطفاله حاملا لهم "العلاليق" الحلوى التى على هيئة الخيول والسباع والقطط بحيث لا يبقى جليل ولا حقير حتى يبتاع منها لأهله وأولاده( ).
ونفس هذا المصري مستعد لأن يكون رمزاً للجحود والعقوق لا يبالى بأي شئ ولسان حاله يقول: " اللي يعرف أبويا يروح يقوله" ليضرب المثل السيئ فى العقوق حتى تظن للوهلة الأولى أن: "العقوق بينهم متعارف فكان معنا فى طريق الحجاز شخص منهم حج بأمه فكان إذا اغتاظ عليها يقول لها يعنك الله ولعن الذي آواك – يعنى أباه – وذلك بعدما حج بها!! ( ) على حد قول العبدري فى القرن السابع الهجري.
والمصرى البسيط الطيب لا يختلف كثيرا عن باقى الشعوب حين تجوع فلا تجد ما تقتات به سوى شرفها. فى ظل انحصار للأخلاق وتخلخل لمنظومة القيم الاجتماعية للمصري وتحت وطأة البؤس والجوع وحالة الموت ما قبل الموت فيكون موقف المصري إما أن يعمل فى : "نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم وهذه البلية ... وجدت فى جميع بلاد مصر ... من أسوان وقوص والفيوم والمحلة والإسكندرية ودمياط وسائر النواحى...." ( ) أو أن هذا المصري الأب المكافح والبطل المستعد أن يضحى بكل شئ من أجل أبنائه وفى سبيل توفير قوت يومهم والتي وقد تصل التضحية بالمصري لقبول عمل دون مؤهلاته بكثير ولو فى آخر بقاع الدنيا وفى ظل ظروف عمل قاسية. نفس هذا الإنسان تجسده حين تزيد وطأة الجوع والفقر عليه يترك أبناءه المفلسين فى أمان الله إذا ما وصل أمر العجز عن الوفاء إلى حد الاستحالة لدرجة أن تكون "العين بصيرة والإيد قصيرة"( ) وتكون "حيلة العاجز دموعه" فنجد "كثيرا ما كانت المرأة تملص من أبنائها فى الزحام فيتضورون حتى يموتوا ..." ( ) أو أن يشاع: "بيع الأحرار ... عند من لا يراقب الله حتى تباع الجارية الحسناء بدراهم معدودة"( ) وتجد من يزعم: "أنه افتض خمسين بكرا ومنهم من يقول سبعين كل ذلك بالكسر .." أى بمبلغ يسير( ).
إن مثل هذه الأحوال كانت تترك صوراً سيئة لنفسيات الناس في مصر فقد كانت كالمعاول التي تهدم قيم ومشاعر الناس يغذى ذلك مجموعة كبيرة من الأمثال التي صورت المصرى فى أسوأ الأحوال وتسخر من وضعه الاجتماعي منها: "إذا لقيت عريان ما تسألوش على هدومه .. " فالمصري فى فقره لا يستطيع أن يفعل شيئا لأن: "فقر المرء فى وطنه غربة"( ) ولكن الفقر المصرى له مذاقه اللزج والخاص الذى شعر به الرحالة التركى (جناب شهاب الدين) فيقول: "منظر الفقر والعوز يمزق القلوب كثيرا ها أنتم تشاهدون الآن متسولا عاريا فتطلبون الشفقة له وهو يظهر لكم وقارا هكذا فى أوضاعه وحركاته!!" ( ) ليعبر (جناب شهاب الدين) عن الحاجز المصرى اللزج بين الفقر وعزة النفس أو كما يقال: "فقرا ويتمشوا مشى الأمرا"( ) وقد يعكس اهتمام المصري بالقيمة أكثر من اهتمامه بالشكل أو القشور ويرى أنه ليس من العار ما يعيشه المصرى الآن ولكن عدم إدراكه لسوء ما يعيش وقد نوه الرحالة التركى (جناب شهاب الدين) إلى شعور المصرى بمدى الفقر المدقع الذى وصل إليه فقال: "والواقع أن الوظائف الدوائية الخسيسة ظلت مقصورة على السواد الأعظم من شعب مصر أمثال العربجية والعتالة وقد قال مصرى ملمحا لهذا الوضع بلاشك: "كلما تضارب مدينتنا بالثراء نفتقر نحن فمدينتنا تخدعنا غالبا ..." ( ).
وألمح لهذا المعنى القاضى الفاضل بقوله: "أهل مصر على كثرة عددهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم مساكين يعملون فى البحر ومجاهيد يدأبون فى البر ..." ( ) حتى استحالت مصر إلى جنة للمعذبين فى الأرض. ولاشك أن شعوب العالم أجمع قد عانت عبر العصور من ويلات العبودية بمختلف أشكالها وألوانها ومن بينها تلك المأساة المصرية التي عبر عنها القاضى الفاضل فالمأساة الإنسانية هى الصراع غير المتكافئ بين الإنسان والطبيعة وبين الإنسان والمجتمع وبين الإنسان والسلطة أو الحاكم بمعنى أن أحد الطرفين يحمل فكرة قمع الآخر أو قهره أو إذلاله ثم الانتصار عليه ولما كان هذا الصراع هو السمة الأساسية لتاريخ البشر فإن الحس المأساوي والقمعي هو الغالب على بقية أحاسيسهم وقد ظل التاريخ الشعبي منذ العصور الأول للإنسان يعبر عن مقاومته الدائبة لهذه المأساة تعبيرا ملحميا أو ذاتيا يحيط بجملة من الطقوس الاجتماعية والظروف التاريخية الصانعة له( ).
والمصري مستعد للتنازل عن قوت يومه وملابسه بل والطعام لكى يوفر المال للأبناء ليعيشوا حياة لا يعرفها هو أبدا لأنه يعلم أن فى ظل الجوع يصبح المال هو "عصا سليمان" يستطيع أن يذلل كل الصعوبات التى تعترض الإنسان كما أنه – أى المال – يبعث على الثقة "إدى مالك للى عنده مال وادى ولدك للى عنده ولاد"( ) مثلما حدث مع الرحالة البغدادى – فى القرن السابع الهجرى – عندما سألته امرأة تحت ذل السؤال أن: "يشترى ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم فعرفتها أن ذلك حرام، فقالت خذها هدية!!" ( ) ولا عجب فى ذلك "فالفقير لا يتهادى ولا يتدادى ولا تقوم له فى الشرع شهادة"( ) بحسب منطق الطغاة والبغاة وشريعة الغاب حتى وإن: "مات جماعة منهم من شدة الحر؛ حر النار مع حر الزمن"( ).
"وفى الوقت نفسه يدفعهم حب المال لأن يتسموا بالشراهة والجشع وهو سبب المشاكل الخطيرة التى تنشأ فيما بينهم"( ) وهو ما سجله لنا (الرحالة النعمانى) عند وصوله إلى مصر حيث وصل: "بمشقة بالغة وهناك هجم الحمالون فكان كل أربعة منهم يتعاركون حول راكب" ولم ينس النعمانى أن يلمح إلى (خفة الظل المصرية) بقوله: "وحمل أحمد الحمالين الأقوياء حقائبي فاضطررت أن أصحبه ... ومن الطريف أن حضرة الحمال جلس بجواري فأي قدرة لى حتى أعترض على جرأته ..." ( ) "وهذا الجشع الغريزي فى المصريين جعلهم لا يستحيون من الالتجاء إلى الغش والتدليس فى معاملتهم التجارية وبث فيهم الميل إلى الاحتيال والسرقة ..." ( ) وأوجد "غرائب لا نهاية لها فى البيع والشراء"( ) كما أنهم: "لا يعرفون على الإطلاق أسلوب الكسب ويريدون أن يغمضوا أعينهم وينهبوا الناس"( ) وفئة منهم إذا: "عاملهم غريب لم يلق منهم إلا ما يريب يتخذونه هدفا ولكل منهم فيه سهم مصيب حتى يخرج من ماله بغير نصيب"( ).
"فهم بارعون فى الاحتيال والغش خاصة مع الغرباء الذين لا يعرفون عملتهم ولا يعرفون أساليبهم فى البيع والشراء فعندما يضع المشترى بارا فى يد البائع فإن البائع يضعها (أى البارا)- أن أمكنه فى فمه ثم يتناول بمكر بارا أخرى (غير جيدة) كان قد وضعها فى فمه أيضا لتحقيق هدفه ثم يقدم هذه البارا الأخرى (غير الجيدة) للمشترى قائلا أن بارته مغشوشة"( ) فمثل تلك الحيل والملاعيب المصرية لها قواعد وأصول تظهر سريعا مع الأجانب والغرباء على حد قول الدهلوى: "لكن العامل المصري فهم أننى أجنبي وطبقا لقاعدة الخداع المصرية أخذ منى عشرة قروش ..." ( ) كما أن تلك القاعدة لها أدائها الخاص الممتزج بالنصيحة وسرعة البديهة وكثيرا ما تجد: سم الغش ممزوج فى عسل النصائح"( ) التي تصل إلى حد الفكاهة فمثلا: "السهام الانفعالية التى يقذفها كل من البائعين بنظرة جانبية لهم ثم فكاهة مضحكة جميلة فى مشاهدة أنهم يعبرون إلى المنضدة الأخرى صامتين ونادمين ييأس عميق ولاشك مطلقا بأن التاجر فى تلك اللحظة يقول وهو ملئ بالفتور داخليا: حقا إنني ساحر وشيئا ما سيعجبك أنت أيضا ..."( ).
ولسوف تكتشف فى العبارات السابقة إلى أي مدى بلغ دهاء المصريين وحسن حيلهم وفهلوة بعض شرائح منهم استطاعت أن تجعل الرحالة أولياچلبى يصفهم بقوله: "أنهم مهرة قد حذقوا فمنهم إلى حد أن الواحد منهم يسرق العين من الكحل ويبقى الكحل مكانه ..." ( ) كما استطاعت أن "تسرق النوم من العين" نتيجة كثرة التجارب( ) وما تميزوا به من لزوجة بين ما عندهم من: "بشاشة وملق وعندهم مكر وخداع"( ).
ولكن الغريب أن هذه الشخصية اللزجة الوجدان والسلوك سرعان ما تحولك من الغضب إلى الرضا أو الدهشة فمع: "أن أهل القاهرة – مثلا- مولعون بغش الغرباء وخداعهم فإنهم يعاقبون بصرامة من يطفف الكيل والميزان فالخبز يتم فحصه فإذا ما ثبت أن وزنه أقل من الوزن القانوني تم سحبه – أى الخبز – وتوزيعه على الفقراء ومعاقبة الخباز بضربه بالفلكه (القلقة) على قدميه العرا يتين بشدة"( ) وقد شهد بذلك الرحالة جوزيف بتس بقوله: "وقد رأيت ذلك مرات عديدة لذا فإن بعض الخبازين يتركون خبزهم إن كانوا يعلمون أن وزنه أقل من الوزن القانونى ويجرون هاربين لتجنب العقاب البدنى .." ( ).
كما أشار التاريخ إلى ما يلحق (بالزغلية) – أي المزيفون للنقود – من عقاب صارم فيذكر ابن إياس فى أحداث شوال 928هـ أن: "والى القاهرة شنق فى يوم واحد أربعة وعشرين إنسانا وخوزق منهم جماعة وعلقهم فى أماكن متفرقة وكان أكثرهم حرامية وزغلية ومن عليه دم .." ( ) ويذكر التاريخ أن إحدى النساء قد شنقت على باب زويلة لأنها سرقت بعض الملابس والأمتعة من أحد الحمامات( ).ويذهب البعض فى تفسير أسباب ما يلجأ إليه المصرى من حيل وألاعيب تصب فى خانة الخصم من رصيده الحضاري إلى أن : "تعليل هذه النزعة الدنيئة بأن المصريين رئموا للمذلة وصنوف الاضطهاد عشرة قرون كان الحكام فى خلالها يعاملونهم بالشدة والصرامة ويسومونهم خطة خسف ولما كان من المتعذر عليهم مع هذه المعاملة الجائزة أن يدرأوا مطامع أولئك الحكام عن أموالهم وأن يكفوا عنها أيديهم وهى عندهم أعز عليهم وأكرم من نفوسهم فقد تعمدوا الظهور فى سربال الفقر والعوز دفعا لما عساه أن يحيق بأموالهم من خطر السلب"( ) فتأصلت فى: "أخلاقهم من الملق والسياسة التي أربوا فيها على كل من تقدم وتأخر وخصوا بالإفراط فيها دون جميع الأمم حتى صار أمرهم في ذلك مشهورا"( ).
وبرغم ذلك فقد أضحى : "الفلاح وزوجته يعيشان في عذاب متصل : فليس من حد يقف ادعاء الحياة ولا جشع رجال الإدارة واختلاسهم مال الأهالي أنهم قد ينتزعون من أسرة الفلاح غدا ما تركوا لها اليوم ومهما حسب الفلاح من حساب فلن يستطيع تدربي ما يضمن له المستقبل .." ( ) فعندهم: "سرعة الخوف من السلطان"( ) والتي تولدت نتيجة الثقة المعدومة بين الحاكم والشعب وأدت بالمصري إلى حيل المكر والخداع والنفاق مرغما متخليا عن كلمته – إلى حين – حتى لا يموت بالسيف لأنه يعلم أنه إذا عاش بالسيف مات بحذاء الحاكم ورموزه فكان لسان حاله : "نحن قوم لا نمل من النفاق إذا لم ننافق متنا".
وقد غذى الوجدان الشعبي تلك العلاقة بمجموعة كبيرة من الأمثال الشعبية التى تولدت نتيجة الغيط والنفور كان أبرزها: "افرحوا واتهنوا بقدومه جاكم بشومه"، "سيف السلطة طويل"( ) ، "السلطة غول وقميصها كل حبتنا" " السلطة غول كلتنا لحم طب وإحنا عضم رمتنا"( ).
وقولهم "حاميها حراميها" كدليل على أن الحاكم لص كبير يتضح ذلك عند الجبرتي في سياق أحداث سنة مائتين وألف : "أن الأمير حسن بك : "ركب بجنوده وذهب إلى الحسينية وهجم على دار .. متولى رياسة دراويش الشيخ البيومى ونهبه حتى مصاغ النساء والفراش ورجع والناس تنظر إليه .. وفى صبحها يوم الجمعة ثارت جماعة من أهل الحسينية بسبب ما حصل فى أمسه من حسين بك وحضروا إلى الجامع الأزهر ومعهم طبول والتف عليهم جماعة كثيرة من أوباش العامة والجعيدية وبأيديهم نبابيت ومساوق وذهبوا إلى الشيخ الدردير .. وقال لهم : أنا معكم .. وتنهب بيوتهم كما ينهبون بيوتنها ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم .. وركب الشيخ فى صبحها إلى إبراهيم بيك وأرسل إلى حسين بيك فأحضره بالمجلس وكلمه فى ذلك فقال فى الجواب: "كلنا نهابون أنت تنهب ومراد بيك ينهب وأنا أنهب كذلك" وانفض المجلس وبردت القضية"( ).
مما يعكس لنا ضعف فاعلية السلطة وتراخيها في التصدي لمظاهر العنف والظلم الواقع على كاهل الناس والذي يهدد أمنهم وحياتهم فى المجتمع ويساعد على اهتزاز ثقة الناس فى رموز الحكم وخلق حالة من الخوف عان منه الناس وعبر عنها الرحالة البغدادي بقوله: "ورأيت مع امرأة فطيماً لحيماً فاستحسنته وأوصيتها بحفظه فحكت لى أنها بينما تمشى على الخليج انقض عليها رجل جاف ينازعها ولدها فترامت على الولد نحو الأرض حتى أدركها فارس وطرده عنها ... وبقى الولد مدة مريضا لشدة تجاذبه"( ).
فالمؤكد أن هناك شرخاً فى هذه العلاقة من الخوف والانعزالية وهو ليس وليد وقائع محددة أو فترة محددة ولكنه نتاج لتراكمات حدثت عبر فترة ممتدة من الزمن. وقد أخذت هذه التراكمات أشكالا مختلفة تبلورت فى معظمها حول قضية إهدار كرامة المصري على يد الحاكم ورموزه من العسكر( ) وتفريغ مبدأ (إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين) ( ) وإخلال الحاكم بمبدأ الإمامة القائم على خلافة شخص من الأشخاص للرسول  فى إقامة القوانين الشرعية وحفظ حوزة الملة على وجه يجب إتباعه على كافة الأمة( ) وتفريغ ذلك كله من مضمونه الحقيقي فارتبط ذلك بعملية فساد وإفساد واسعة داخل حوزة الحاكم بكل قطاعاته وطوائفه تعددت معه وتكاثرت أشكال العنف وقسوة الحاكم ورموزه بل وارتبطت بها. فالإسحاقى المنوفي ينقل ما معناه: " ويقال أن ... القسوة عشرة أ