الخميس، 3 فبراير 2011

مُبَاركْ لا يصدق أنه مات


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
سيادة الرئيس، بقاءك حتى الآن هو بسبب نبل الجيش المصري ورجاله وجنوده الشرفاء، الجيش المصري الذي لا ينقلب على قائده أبدا، رغم انقلابك أنت عليهم بملف التوريث الذي كان سيفقد العسكرية المصرية هيبتها أمام الشعب للأبد، جيش مصر الذي أدرت له ظهرك وأخرجت له لسانك ولسان جمال مبارك، هو سبب بقائك للآن وليس لأي سبب آخر.
ثلاثون عاماً، ثلاثون عاما كانت مصر قبلها في عام 1981 يتراوح عدد سكانها 44 مليون نسمة حينما تولى فيها مبارك مقاليد الحكم في البلاد، وإعلانه الأحكام العرفية فور توليه السلطة لتظل قوانين الطوارئ هي شرعية الحكم وشرعية القضاء وشرعية السلوك برضا قادة العالم ( الحر) الذين لم يقوموا حتى بنصح مبارك في أن مسألة الحكم بقانون الأحكام العرفية طيلة مده حكم أي رئيس دولة هي سابقة لم تحدث في العالم حتى في ظل ديكتاتوريات سابقة كشاوشيسكو وفرانكو وماو تسي تونج، وان ما يتشدقون به أمام قنوات التليفزيون من مناصرتهم للشعوب الطامحة للحرية هي مجرد أكاذيب لكونها تتعارض مع مصالحهم، وحيث سقطت الآن كل الأقنعة وأصبح الجميع يطلق الرصاص على رأسه وينتحر، وربما ظهر جليا وقفة قادة العالم ( الحر ) وردود أفعالهم الساذجة والمترنحة تجاه ذبح الشباب المصري الأعزل المطالب بحريته ومستقبله على يد نظام ديكتاتوري لاقى كل الدعم منهم في ذبح شعبه مقابل البقاء في الحكم بدعم منهم حافظوا من خلاله ومن خلال المنح التي لا ترد وتصب في الجيوب لا في مصلحة الشعوب علي مكاسبهم ومكاسبه وانهالوا عليه لوجيستياً بالمدرعات والقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاطي وغاز الخردل والغازات المحرمة دوليا التي تحدث فور استنشاقها عملية شلل مؤقت لأحرار الوطن الأمر الذي من شأنه إعطاء الفرصة لرجال الشرطة أن ينقضوا عليهم بالضرب والسحل والاعتقال وتكميم الأفواه لتمرير مصالح الكل، فوق أجساد عدوهم المشترك والوحيد ألا وهو الشعب، صاحب الوطن الأصلي وصاحب الأرض الحقيقي.
ثلاثون عاما صار فيها تعداد مصر اليوم حسب الإحصاءات الرسمية 81 مليونا بخلاف من لم يشملهم الإحصاء من مواطنين يقطنون في أطراف البلاد ويتراوح عددهم الافتراضي مابين 10 إلى 18 مليون نسمة في مناطق مثل الصحراء الغربية وجنوب الوادي وحلايب وغيرها، ثلاثون عاما أفرزت أجيالا جديدة تقدر رسميا بحوالي 36 مليون نسمة تحت حكم مبارك ولا يعرفون لمصر رئيساً غيره ، ثلاثون عاما تزوج فيها منهم من تزوج وأنجب أطفالا تتراوح أعمارهم الآن مابين عام وخمسة أعوام على أقل تقدير وهم لا يعرفون إلا نفس الشذوذ ونفس الوجوه التي تحكمهم دون تغيير منذ عقود حتى أنهم بسبب كبر سنهم المبالغ فيه وإصرارهم على إدارة دفة البلاد حتى الموت صاروا يحكمون وبعضهم يرتدي حفاضات واقية بين أفخاذهم تماما كأعضاء مجلس الدوما الروسي قبل البرستوريكا بسبب أمراض الشيخوخة والتي من بعض أعراضها وربما أهمها أمراض التبول اللاإرادي الذي ينتاب - بسبب تقدم السن - الكثير منهم والكثير من قيادات الحكم فيهم وكذا قيادات الحزب الوطني الحاكم في مصر والتي أرجو أن لا يعتبرها البعض مزحة بل هي حقيقة ( مأساوية ) يعلمها الكل وتخنق أحرار مصر الذين تم تكميم أفواههم وتقييد حركتهم وحريتهم في السجون والمعتقلات، بل وقتل بعضهم ودفنهم سراً في صحراء الفيوم وحلوان على مدى ثلاثين عاماً.
36 مليون نسمة هم فرق التعداد بين مصر 1981 ومصر 2001 لا يعرفون لهم حاكما سوى مبارك، 36 مليون نسمة يشكلون ما يقرب من 15% من حجم سكان الوطن العربي كله، ولدوا وتعلموا وتزوجوا في قفص نظام مبارك حتى توهم هو والذين معه أن مصر أصبحت بالفعل مملكة وخديوية له ولأبنائه من بعده، لدرجة وصلت به وبقدرة فاقت جبروت هتلر – رغم الفرق الكبير بينه وبين هتلر إذ آمن هتلر بعظمة المواطن الألماني أما مبارك فلم يؤمن إلا بنفسه فقط ) وتحت وهم ( ما أظن أن تبيد هذه أبداً ) قام بالتدخل ( العار ) في تشويه مواد الدستور وأعاد صياغتها بواسطة شياطين القانون المحسوبين من ( شماشرجية ) النظام الذين برعوا في تفصيل دستور جديد يضمن بقائهم للأبد لتتحول مصر بموجبه إلى ( عزبة ) وكل من فيها عبيد إحساناتهم بتصفيق حاد ومباركة من أعضاء البرلمان ( التفصيل ) الذين اشتراهم النظام بأموال الشعب المطحون لزيادة الضغط عليه وإذلاله وإخضاعه لكل سيناريوهات المستقبل التي لا تخدم إلا مصالح النظام، ومصالح الشواذ فيه.
ولا شك – في تقديري - أن ما حدث في الخامس والعشرين من يناير 2011 من وثبة للشعب المصري على قلب رجل واحد ضد طغيان النظام لم تحدث عفوا، فليس هناك ثورة شعبية بهذا القدر العظيم من الإصرار والوطنية و التنظيم تحدث هكذا عفوا أبداً، وفي لحظة واحدة، من مشارق مصر لمغاربها، ولكن ما حدث كان – من المؤكد - وفقا لسيناريو وطني خالص وشديد الوطنية ولا مجال للتلميحات بشأنه الآن لكونه مجرد تحليلات ظنية حتى تأتي ثورة الشباب بنتائجها والمرجو منها، ويكفيني فقط هنا التأكيد على عمق طهارة هذه الثورة من أي تلوث خارجي أو حزبي أو طائفي أو مذهبي أو كما يروج وزير الإعلام المصري الذي فرضته طغمة فاسدة على رأس إعلام اكبر بلد في الشرق الأوسط بعد أن كان يدور في حواري الولايات المتحدة الأمريكية بحقيبة ( سمسونايت ) كمندوب مبيعات لكن ومن خلال كتاب قام بتأليفه ويحكي فيه عن مآثر زوجة السيد الرئيس وتنازله عن فيلا كانت ميراثا له من جده لأمه في مصر الجديدة لصالح جمعية زوجة السيد الرئيس انتقل فيما بين عشية وضحاها ( من ماشا - كما يقول المثل المصري - إلى باشا ) من مندوب مبيعات جاهل لوزير الشباب والرياضة في مصر ثم وفي أقل من شهور وزيرا للإعلام على رأس أخطر مؤسسة داخل البلاد ليفعل بها ما نراه اليوم من تدليس وصل به لأن يتهم منظمة حماس الفلسطينية بأنها وراء ما يحدث مما دفع بعض المحللين الغربيين للسخرية منه إذ كان عليه أن يختار - مادام أراد أن يقوم بعملية غسيل مخ لكافة الشعب المصري – أن يختار منظمة ذات سقف أعلى من سقف حرية الحركة لمنظمة حماس المعتقلة داخل حدود غزة بين نظامين كلاهما مر، ويختار منظمة عالمية كمنظمة القاعدة مثلا ويسند إليها كل ما يحدث وينسج حولها ما شاء من أكاذيب ستبدو حتما أقرب للتصديق نظرا لارتفاع أسهم القاعدة عالميا في سوق الإرهاب ثم يبثها لجموع الناس من خلال الآله الإعلامية المصرية التي شاء القدر أن تقع تحت رئاسة عقل كعقله لا يحمل بين عظام جمجمته سوى القش، وحتما سيتم نثر هذا القش قريباً من خلال محاكمة شعبية فاضحة له على كل ما قام به من تزوير وتسفيه لوجدان الأمة المصرية في أحرج لحظاتها المعاصرة.
وأعود وأقول أن سيناريو حدوث ثورة الشباب المصري الطاهر ربما – في تصوري – قد بدأ الإعداد له منذ مدة ليست بالقصيرة إعدادا وطنيا شريفاً بعدما ظن آل فرعون أنهم قادرون عليها، وربما سبب الترنح الذي بدا على ردود أفعال دول الغرب والولايات المتحدة خاصة تجاه ثورة الخامس والعشرين من يناير جاء بسبب عنصر الصدمة والمفاجأة إذ اكتشفت أميركا ومن والاها من أنظمة الغرب ( الحر ) أن ثورة المصريين تمت في غيبوبة تامة من أجهزة استخبارات تلك الأنظمة والأدهى من ذلك أنها تمت بشكل وطني خالص جعلهم يتخبطون في إعادة حساباتهم وفي بعضهم البعض - ومازالوا يتخبطون - بعد ما فرض عليهم المصريون لغة الأمر الواقع الذي يحاولون من خلاله الآن البحث عن مخرج يضمن لهم مصالحهم بعدما خدعهم وباغتهم الشعب المصري والشباب المصري بثورته الشريفة وفاجأ بها كل طواقم أجهزة مخابراتهم التي اتخمها العهر السياسي وجعلها منذ عقد من الزمن على الأقل غير قادرة على التمييز.
خلاصة ما أود أن أقوله أن ثورة الخامس والعشرين من يناير هي ثورة مصرية وطنية 100% فاجأت الكل حتى سيادة الرئيس نفسه!، إنه حتى هذه اللحظة لا يصدق – بعد عطاء ثلاثين عاما – أن الشعب الذي ولد نصفه على حياة عينه ولا يعرف سواه رئيساً ولا رباً لا يريده الآن رئيسا ولا قائدا ولا رباً، حتى هذه اللحظة يؤمن سيادة الرئيس أن ما يحدث هو انفلات لقلاقل مأجورة تم دفعها لإحراجه أمام شعبه والعالم، ومن هنا كان القمع العنيف في الأيام الأولى للثورة من قبل أجهزة شرطة العادلي الذي تعامل مع شباب مصر الثائر كما تعاملت إسرائيل مع أخوة لنا في الوطن فلسطينيون في حربها الأخيرة على غزة باستثناء – طبعاً - استخدام القنابل العنقودية التي لو كان يمتلكها العادلي لألقاها على شعب مصر دون رحمة أو وازع وطني ليسعد بها السيد الرئيس الذي حتماً يشاهد إخلاص رجاله في ذبح الشعب من خلال شاشات التليفزيون العملاقة في قصره بشرم الشيخ وبعدما أصبح الوطن عند مثل هؤلاء ممن هم على شاكلة العادلي هو الذات فقط التي تأخذها العزة بالإثم وحدودها التي لا تتعدى مسام الجلد وغرائز التسلط.
حتى الآن لا يصدق مبارك أن شعبه يرفضه!، حتى هذه اللحظة يؤمن بأن من يتظاهر ضده ما هم إلا فئة ضالة محسوبة على شعب مصر ناكري لجميل حكمه، مازال لا يصدق أن ثلاثين عاما قضاها وقبلها سنيناً أخرى كنائب للسادات، يمكن أن تذهب هكذا سدى بسبب ثلة ضائعة أولاد كلب من صبية الحواري والمتحرشين جنسياً، إنه يظن حتى وقتنا هذا أنه ضحية مؤامرة ربما من الإخوان المسلمين أو من حماس أو القاعدة أو ربما بسبب حساسيته المفرطة تجاه كل ما هو ديني على وجه الأرض يظن أنه ضحية مؤامرة من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أو مؤامرة من الله نفسه! لإقصائه عن حكم مصر وتلك الأنهار التي تجري من تحته، حتى هذه اللحظة يظن أنه على صواب وأن شعب مصر ( الملوث ) على خطأ وان مستقبلا أسوداً سيلاقيه هذا الشعب بدون قائده الذي ساقه وقاده ثلاثين عاماً، انه كلما فاق وأدرك أن ما يحياه الآن ليس كابوسا أو مناما وإنما الرفض الشعبي الحقيقي والواقعي استبدع عذابا جديدا ليذل به الناس، انه يتبع منهج الأرض المحروقة، انه يلعب بالكارت الأخير مع الشعب ليصبح كل شئ خرابا وهو ما يعرف بمنهج الخاسر في اللعب، إن ما فعله بعد خطابه الأخير بشباب مصر من ترويع وقتل ( 1500 قتيل ومصاب في أقل من خمسة ساعات بميدان التحرير بعد خطابة الثاني ) ودخول عشرات من عصابات البدو الموجودة في منطقة نزلة السمان وكرداسة بأموال نائب الهرم عن الحزب الوطني وهم يمتطون الجمال والبغال والخيول مدججين بالسيوف وقنابل الملوتوف الحارقة وطلقات الرصاص الحي، في محاولة لفض المتظاهرين، هو أمر يدل بجلاء إلى أن سيادة الرئيس لا يصدق أن شعب مصر كله لا يريده بل هم مجرد فئة ضالة لا تتعدى عشرات من الشباب المحبط كما يصور له السيد أنس الفقي رأس ( قش ) الإعلام المصري وأنه يمكن القضاء عليها وعودة الأمور إلى سابق عهدها.
يا سيادة الرئيس، أود أن أوجه لك كلمة ربما تكون الأخيرة لسيادتكم قبل أن ترحل: منذ ثمانية سنوات وتحديدا في عام 2003 وجهت كلمة لصدام حسين تنصحه فيها بالتنحي حماية منه للشعب العراقي ومن إراقة الدماء إن كان يحمل في قلبه ذرة وطنية لشعبه، قمت سيادتكم بتوجيه هذه النصيحة لصدام حسين من خلال خطاب جماهيري حي ومتلفز، وصرت تكرر للعالم كله لسنوات أن سبب حمامات الدم التي يعيشها العراق كانت بسبب عدم قبول صدام لنصيحتك له بالتنحي وقلت أيضا أن أي قائد لديه بصيص من كرامة لابد أن ينزل عند رغبات الشعب، ترى يا سيادة الرئيس هل تتذكر هذه النصيحة التي جاء عليك الدور لتفعيلها أم أن بصيص الكرامة قد انفجر مصباحه ولم يعد يضئ؟.
سيادة الرئيس، إن سبب بقاءك حتى الآن هو نبل الجيش المصري وما يحاوطونك اليوم والآن من رجاله وجنوده الشرفاء، الجيش المصري الذي لا ينقلب على قائده أبدا، رغم انقلابك أنت عليهم بملف التوريث ( العار ) الذي كان سيفقد العسكرية المصرية هيبتها أمام الشعب للأبد، نبل وشرف رجال جيش مصر الذين أدرت لهم ظهرك وأخرجت لهم ولنا لسانك ولسان جمال مبارك، هم سبب بقائك للآن يا سيادة الرئيس وليس لأي سبب آخر.
يا سيادة الرئيس صدق أننا لا نريدك ونشكرك على قيادة مصر طيلة ثلاثين عاماً.
أتعرفون ما هي مشكلة الرئيس مبارك الآن؟
مشكلة الرئيس مبارك أنه لا يصدق أنه مات.


الأربعاء، 2 فبراير 2011

على مُبَارك أن يرحل


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
قال لي أحد الشباب: لم أكن أتصور أن جيشنا بهذه العظمة، كنت لا أعرف شيئا عنه، كنت أتصور أنه رجال غلاظ، ولكني وبعد ثلاثة أيام من قمع الشرطة لنا وجدنا أنفسنا محاصرين برجال الجيش وفوجئنا بقائد  يمسك ميكرفونا وينادي فينا بصوت هادئ يا شباب مصر العظيم، كلمة صغيرة حولتني من صعلوك تم امتهان كرامته لمولود جديد له كبرياء وكرامة.
على مبارك أن يرحل، هذا ما رددناه جميعاً ومازلنا نردده وبقوة، عليه أن يرحل الآن، أن يرحل عن رئاسة مصر، عن زعامة مصر، نحن لا نريد بالرحيل أن يرحل خارج مصر، فنحن المصريون لن نرضى أن نطرد مبارك للخارج وقد كان له ماضيا عسكرياً مشرفاً لوطنه في لحظات الحرب والسلم الذي وللأسف تحول إلى حاضر غير شريف بسبب ابنه جمال، لقد كان جمال مبارك لعنة أبيه وأمه، كان لعنة على مصر كلها، لطخ حاضر أبيه بالسواد، وكاد أن يلحق بمصر كلها العار، عار الوراثة، وربما أرى أن ما يعيشه مبارك اليوم من لحظات رفض شعبي عارم وبإجماع الكل رغم عطاءه العسكري هو بسبب ابنه جمال ( لعنة جمال مبارك ) الذي ظن أنه سيرث بلداً في حجم مصر بعدما اعتبرها ( عزبة ) يمرح فيها وبها كيفما شاء، وهو الذي لا يحمل أي مؤهلات وطنية تؤهله لهذا المنصب سوى انه مجرد مواطن مصري كملايين المواطنين المصرين أما غير ذلك فلا يوجد لديه شئ على الإطلاق، ومن هنا كانت الطغمة الفاسدة التي أحاطت به وأحاط بها حتى أحاطت بهم جميعا خطيئتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون، إن خطأ مبارك الذي دق مسمار النعش الأخير في مسيرة رئاسته لمصر، أكرر .. كان جمال مبارك، اللعنة المنسابة التي لم تلحق بنا كشعب ومن ثم أظن أننا لن نوصم تاريخنا كمصريين بعار طرد رئيس مصر السابق حسني مبارك ولكن فقط نريده أن يرحل عن كرسي الرئاسة، خارج أي عمل سياسي، يرحل وليقضي المتبقي له من العمر في شرم الشيخ ويتابع كمواطن مصري ما سيفعله المصريون من انجازات – بإذن الله – من بعده، بعدما تم إغلاق ملف التوريث إلى الأبد.
وتحت مظلة هذا السيناريو، سيناريو الرحيل الذي ننادي به جميعاً لمبارك، نجد أنه كلما عصفت بنا الأزمات في مصر، لا يقف بصلابة في تحديها وعبورها إلا جيش مصر ورجالاته.
إننا كمصريون نفخر بالمؤسسة العسكرية المصرية التي لم يعتريها فساد طيلة وجودها الحضاري، نفخر بالمؤسسة العسكرية المصرية التي أثبتت أنها حامي مصر الوحيد والأب الشرعي الوحيد لمصر ولأمن مصر.
إن الحياد الذي التزمت به المؤسسة العسكرية تجاه الأحداث الأخيرة لابد أن يجعلنا نتأمل عظمة هذه المؤسسة وإثباتها بما لا يدع مجالاً لشك أنها لم تنحاز لطرف على حساب طرف لكون الكل أمامها مصريون، وأنها ما وجدت إلا للدفاع عن المصريين لا لقتلهم كما فعل جهاز الشرطة في يوم العار الذي سيلاحقهم للأبد.
المؤسسة العسكرية لم تنحاز للنظام رغم أن رأس النظام رجل عسكري، لم تأخذ دور وزارة الداخلية وتركت نفسها أداه غير شريفة في يد النظام يضغط بها على الناس متى شاء ويقهرهم ويقمعهم ويذبحهم متى شاء مقابل بقاءه في الحكم، ومن هنا أثبت الجيش بتلك المسألة استقلاله الكامل وسيادته الكاملة في مثل هكذا ظروف كالتي تمر بها مصر الآن حتى ولو كان رأس النظام هو أحد رجاله.
لقد فعلت المؤسسة العسكرية في ثورة الشباب المصري مالم تفعله أي مؤسسة عسكرية من حولنا، لم تطلق رصاصة واحدة، لم ترهب الناس، بل أنها وبعظمة الجندي المصري والعسكرية المصرية استطاعت أن تمتص غضب الشباب والناس وتحول خوفهم وريبتهم منها إلى حب ومن ثم احتضان، لتغرس في قلوبهم وفي هكذا ظروف حرجة أروع نبضات الانتماء الوطني الحقيقي والذي لم نر من خلاله سوى علم مصر فقط الذي يرفرف فوق رؤوس الجميع، دون تحزب ولا مذهبية ولا دينية ولا طائفية ولكن مصرية وطنية خالصة من شباب مصر حبات لؤلؤ ذلك الوطن.
إن مشاهدة الشباب المصري وهو يعتلي الدبابات مع جنوده وإخوته من العسكريين المصريين مشهداً أراهن عليه إن حدث في أي بلد من بلدان العالم حتى أميركا، لكون هذا المشهد لا يحدث إلا في مصر.
قال لي أحد الشباب: لم أكن أتصور أن جيشنا بهذه العظمة، كنت لا أعرف شيئا عن جيشنا، كنت أتصور أن الجيش مجموعة أوامر من رجال غلاظ عتاة يثيروا في قلبك الرعب فتكرههم حينما تطالعهم عيناك، ولكني وبعد ثلاثة أيام من قمع الشرطة بكل الوسائل القمعية والغازات التي كانت تطلقها علينا فتصيبنا بحالة من الشلل المؤقت لدقائق ينهالوا فيها علينا ضربا وسحلاً بكل ما أوتوا من قوة وجبروت، جعلني حينما رأيت مدرعات الجيش أن آمنت بأننا هالكون لا محالة وأننا لن نذهب إلى منازلنا إلا جثثا هامدة خاصة بعدما سارت بيننا إشاعة أن مبارك بحكم كونه طيارا عسكرياً فسيأمر حتماً رجال القوات الجوية بقصفنا بطائرات أف 16 من فوق أسطح المنازل!، ولكن بعد أن حاوطتنا الدبابات وكنت لم أر دبابة حقيقية طيلة عمري - وبالمناسبة فإن منظرها مرعبا ومخيفاً – حينما حاوطتنا ووجدنا أنفسنا محاصرين برجال الجيش ومدرعاتهم من كل جانب فوجئنا بقائد عسكري منهم يمسك ميكرفونا وينادي فينا ويقول بنبرة صوت هادئة ومطمئنة ياشباب مصر العظيم، وحينما سمعنا هذا النداء، عندما سمعنا ياشباب مصر العظيم بكى معظمنا، أنا نفسي بكيت يااستاذ محيي، بكيت بجد، حسيت أن هذه الكلمة الصغيرة حولتني من صعلوك حقير تم امتهان كرامته وآدميته على يد جهاز الشرطة لمدة ثلاثة أيام متواصلة لمولود جديد يحمل كبرياء وكرامة، لقد أعاد لي الجيش بنداء صغير كرامتي وآدميتي وكبريائي الذي انتهكته شرطة حبيب العادلي، قال لي احدهم وكان بجواري ينزف من أثر احدي الطلقات المطاطية التي اخترقت ذراعه، أنها خدعة وسيقتلوننا جميعا، الجيش جاء بعد العادلي ليقضي علينا جميعاً، إنه جيش مبارك ياحمار الذي ننادي بسقوطه، لقد هلك الجميع، وهنا وجدتني أهرول بهستيرية متوجهاً نحو إحدى الدبابات القريبة منا، كنت اصرخ بكلمات غير مفهومة في معظم مخارجها اللفظية لكوني كنت مازلت متأثرا بالغاز الذي استنشقته وافقدني القدرة على الحركة وجعل لساني ثقيلا كأنه تحت تأثير مخدر طبيب الأسنان، كنت أصرخ وحاولت أن اصعد فوق الدبابة وأبصق في وجوههم جميعا مادمت ميتا ميتا، كان عقلي شبه متوقف، وكنت مجهداً وغارقا في الدماء من أثر الضرب والقمع والسحل، ولكن كان عندي إصرار بليد أن ابصق في وجوههم جميعاً، أصرخ في وجوههم جميعاً، الصراخ في وجه كل شئ، كنت أريد أن أقفز فوق الدبابة لأصرخ وابصق في كل الوجوه قبل أن يطلقوا على رأسي ورأس الجميع الرصاص، فشلت في الصعود عدة مرات، ولكني فوجئت بالجندي الذي يعتلي الدبابة يمد لي يده فمسكتها ليرفعني بجواره ويرفع يده بيدي عاليا ويهزها كالحكم في حلبة المصارعة الذي يمسك بيد اللاعب الفائز في نهاية المباراة، كان يهزها عالياً وهو يبتسم للشباب، وهنا صرخ الجميع مبتهجاً ولحظات وكانت دبابات الميدان كلها يعتليها المئات من الشباب المصري الذي أعاد لهم الجيش الوجود في أسود وأحلك وأسوأ لحظة يمكن أن تمر ببشر انتهكتهم فيها أجهزة الشرطة القمعية ونحن أبناء هذا الوطن وأحباؤه ومستقبله، أعاد لنا الجيش المصري إحساسنا بالقوة في ادني لحظات الضعف، أعاد لنا كبريائنا المجروح وكرامتنا المهدرة لدرجة أنه حينما جاء أحدنا ليكتب عبارات ضد النظام على جسم دبابة قمنا جميعا باستنكار ذلك الفعل وخشينا أن ينقلب رجال الجيش بهذا الفعل علينا لكوننا وحتى الآن لا نثق بأحد ثقة كاملة بعد مارأيناه من العادلي والذين معه، هرعنا إليه وحاولنا خطف أنبوبة اللون الأسود التي بيده وحاولنا منعه من كتابة تلك العبارات على الدبابة، ولكن كانت المفاجأة لنا جميعاً حين قال لنا ضابط كان يقف بجوار الدبابة: دعوه .. إنه غاضب .. دعوه يكتب ما يشاء، انه مصري وهذه دبابة مصرية .. دعوه يكتب ما يشاء، وهنا لم نتمالك أنفسنا، حملنا الضابط على أعناقنا وصرنا نهتف ونحن نحمله على الأعناق نشيد بلادي بلادي لك حبي وفؤادي لأكثر من ثلاثين دقيقة، نحمله ونغني ونبكي ونضحك ونصرخ، لقد كان الجيش في هذه اللحظة بمثابة الأب الذي عثر على ابنه الصغير التائه في أحد الموالد الشعبية وحينما عثر عليه احتضنه في صدره فزال في حضن الأب ضياع المستقبل والإحساس بالخوف وعودة الشعور بالأمن النفسي، لن أنسى هذه اللحظة العظيمة طيلة عمري، لن أنساها ما حييت وسأذكرها لأبنائي وأحفادي، وأقول لهم أن مصر أمة لن تموت مادام فيها هذا الجيش العظيم.
حقاً لولا حياد الجيش المصري والمؤسسة العسكرية ما انتصرت الثورة، وما أنتصر الشباب المصري في عرض مطالبهم وحصولهم على معظمها حتى قبل انتهاء الثورة في سابقة لم تحدث في التاريخ إذ أن مكاسب الثورة تأتي دائما كنتيجة لما بعد حدوثها لا أثناء حدوثها كما يحدث الآن في ثورة اللوتس ثورة شباب مصر نحو دولة الحرية والعدل والمساواة، ثورة شباب مصر الخالية من الشعارات الحزبية والمذهبية، وتحية لجنود مصر وجيش مصر درع مصر الواقي وحارسها الأمين على حياده.


الثلاثاء، 1 فبراير 2011

السيد عمرو سليمان .. انحاز للمصريين وكن بطلاً شعبياً


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
لقد شاهدناك جميعاً – أيها الجندي الشريف - أمام كاميرات التليفزيون المصري وأنت تلقي أول بيان لك بعدما أصبحت نائباً للرئيس، كان باديا عليك بجلاء الإجهاد وانك غير مقتنع بحرف واحد مما تقوله، ونؤمن أن عدم اقتناعك هذا ينبع من حسك الوطني وشرفك الوطني، وانك لا تجيد الكذب لكونك رجلاً لم يعرف طيلة عمره سوى الصدق.
أنت من القلائل الذين يحمل لهم الشعب المصري احتراماً وتقديراً عظيمين، فأنت تحمل من الشرف العسكري والوطني ما يزخر به تاريخك الذي نعتبره جزءاً من تاريخ مصر المضئ، ولكن إذا اصطدم الشرف العسكري بالشرف الوطني فإن الجندي الشريف ينحاز حتماً للشرف الوطني وأنت جندي مصري شريف، لم تلوثك الأحداث ولم تثار حولك الإشاعات ولا الأقاويل ولا الفضائح التي طالت الكل.
إن مبارك لاشك جندي مصري يحمل تاريخه العسكري شرفاً ونبلا وطنيا ولكنه اليوم وبعناد لم نره في هتلر يضحي بشرف هذا الوطن مقابل شرفه العسكري الذي حتما سينساه التاريخ أمام تجاهله – عن عمد - للإجماع الشعبي، وتجويعه شعب مصر طيلة ايام انتفاضته التي تعلم أنها انتفاضة شرعية وحرة، ويعلم الله كم سيستمر تجويع هذا الشعب وحبسه الذي يستمر 17 ساعة يوميا في سابقة لم تحدث لأي شعب في العالم حتى في زمن الحرب العالمية الثانية، فأي جبروت هذا وأي طغيان ذلك الذي يفرض على أمة قوامها أكثر من ثمانين مليون في أن يقوم شخص واحد فيها لمجرد انه الرئيس أن يحبس شعبها كله بأكمله لمدة 17 ساعة يومياً، ويفرض عليه حظر التجول والحرية!!.
حبس شعب كامل وعزل وتحويل وطن بالكامل إلى بلد يحيا في العصور الوسطى ويتفوق بعزلته تلك على أفغانستان وكوريا الشمالية في انقطاعه عن العالم، عزل أمة كاملة وقطع شبكات اتصالها بالعالم الخارجي ( عمداً ) من اجل ماذا؟ كل ذلك من اجل ماذا؟ من اجل الحفاظ على شخص واحد لكونه كان في يوم من الأيام رئيساً لمصر!! وأوشك بالفعل على الموت لكونه قد قارب على التسعين من عمره؟ ، فهل هذا هو الشرف العسكري؟، حرق وطن بالكامل من اجل شخص هل هذا هو الشرف العسكري؟ انهيار البورصة والبنية التحية وأسعار النفط من أجل الحفاظ على رجل واحد!!، غرق الأمة كلها في طين العوز والخوف والانفلات والفراغ الأمني على مرأى ومسمع منكم جميعاً وخسارتها اقتصاديا في عدة ساعات خسارة بحجم يتفوق على حجم خسارتها الاقتصادية في أيام النكسة، بسبب الحفاظ على رجل واحد!!، أي منطق وطني تدار به الأمور أيها الجندي الشريف عمر سليمان؟ أي شرف وطني يمكن أن نتوهمه ونتوهم أنه سيقفز على صدورنا بنياشين الشرف بسبب مؤازرة ديكتاتور وحرق وطن وترهيب وتجويع شعب كامل لمجرد أنه يريد أن يتنفس بعض شهيق من حرية تم حرمانه منها لأكثر من ثلاثين عاماً ولمجرد أنه لا يريد شخص – مبارك - أن يظل رئيساً عليه بالإكراه.
لقد شاهدناك جميعاً – أيها الجندي الشريف - أمام كاميرات التليفزيون المصري وأنت تلقي أول بيان لك بعدما أصبحت نائباً للرئيس، كان باديا عليك بجلاء الإجهاد وانك غير مقتنع بحرف واحد مما تقوله، ونؤمن أن عدم اقتناعك هذا ينبع من حسك الوطني وشرفك الوطني، وانك لا تجيد الكذب لكونك رجلاً لم يعرف طيلة عمره سوى الصدق.
إن مبارك استطاع أن يرسم خطة الأرض المحروقة على شرفكم العسكري والوطني، أن يستخدم صداقتكم له وشرفكم العسكري ليجعله جسراً يدوس عليه فوق شرف الوطن وشرفكم بل وتاريخه كله أيضاً الذي قدم فيه أعظم صور التضحية كجندي وطني مصري، ليضيع كل شئ، كل شئ، يضيع وتضيعون، لكون التاريخ حتى ولو انتصر مبارك في خطته الحالية لإجهاض الثورة وإطفاء النور - وأؤمن أنه لن ينجح - فأن انتصاره هذا لن يتعدى بضعة أسابيع كانتصار شخصي خالي تماما من كل شرف وطني أو إنساني، وسينهار بعدها كل شئ، كل شئ، وستنهارون معه للأبد.
إن ما فعله حبيب العادلي الذي يطالب المصريون اليوم برأسه وسيحصلون عليها وأنت تعلم يا سيدي أنهم سيحصلون عليها لكون مطالب الشعوب مهما تأجلت فأنها واقعة كالقدر واللعنة في آن واحد على كل من وقف ضد حركة الأمة، ما فعله حبيب العادلي من قمع وترهيب وقتل وسحل وتكميم أفواه بل وتهديد الرئيس نفسه أمامكم في أيام العادلي الأخيرة بأنه لو نزل الجيش للشارع فإنه سيترك الساحة ويرحل ويفعل بكم جميعا المفاجآت لصالح أجنده تخصه وقد فعلها حقاً وبقدره لا يقوى على استبداعها الشيطان الرجيم لدرجة وصلت به لقتل زملائه مثلما فعل في اللواء محمد البطران مدير سجن الفيوم؛ لقد لوث هذا القائد حبيب العادلي الذي اختاره النظام ليحرق به الشعب تاريخ الشرطة المصرية كلها وألحق بها وبمستقبلها وبكل رجالتها العار الذي لن ينمحي أبدا في يوم عيدها وعيدهم والذي لم يعد عيدها وعيدهم بعد الآن بل عيد انتفاضة شباب مصر وشهداء مصر الثورة وحيث سيتزامن في مستقبل مصر مع ذكرى يوم العار للشرطة، ذلك الكيان الذي كان جباراً كجبروت هامان وزير الفرعون ثم اكتشفنا في أيام الفراغ الأمني أن الذي يؤدي دور هذا الجهاز الجبار وبكل كفاءة ونزاهة هم طلبة المدارس الثانوي من أبناء مصر، هذا الجهاز الفزاعة الكبير الذي كان يموج بمليون ونصف مليون جندي ( ضعف حجم الجيش المصري ) صار يؤدي دوره بكفاءة طلبة المدارس الثانوية المصرية بعدما اختفى ليحقق مفاجأته للوطن بممارسة البلطجة وترويع الناس وهو يرتدي بدلا من زى رجال الشرطة حماة امن مصر الداخلي أزياء النساء المنقبات ويعتلي أسطح المنازل في منتصف الليل داخل جميع محافظات مصر ليجبر الشعب على قبول الأمر الواقع والرئيس الذي لا يريده؛ فهل ستكونون كالعادلي تحافظون على بقاء مبارك كرئيس دولة مرفوض بإبادة الشعب أو تجويعه؟.
هل إن استمر الشعب على إصراره سيطلق الجيش، جيش الأمة وجيش الشعب، الجيش الذي لم تلطخ يده بدماء شعب مصر طيلة وجوده منذ آلاف السنين ، هل سيطلق طائراته الأف 16 بأوامر من القائد الأعلى للقوات المسلحة الطيار وصاحب الضربة الجوية الأولى ضد شعب مصر الأعزل ليصبح بذلك الجندي الطيار حسني مبارك هو صاحب الضربتين الأولتين واحدة ضد العدو وواحدة ضد الشعب؟ .. هل ستعاونونه على ذلك ضد شعب مصر؟، وهل إذا لم يرضخ الشعب الذي يتظاهر اليوم وفيه الكثير يرتدي كفنه تحت إصرار الحرية أو الموت وأصر بالفعل هذا الشعب الرائع ( خير أجناد الأرض ) على موقفه تجاه رحيل مبارك هل سيقرر قادة الجيش وأنت واحد منهم تصويب مدافع الجيش المصري ودبابات الجيش المصري ضد شعب مصر حتى يقبلوا مبارك رئيسا طوعاً أو كرها ؟.
كيف يمكن أن يظل مبارك يا سيدي رئيسا بلا كرامة، وأرجو أن لا تغضبك هذه الكلمة التي لم أكن أجرؤ أن أتفوه بها قبل أيام من الآن لكوني كنت احمل له احتراما كاملاً بسبب ماضيه الشريف كجندي مصري ولكن الآن في هذه المحنة التي تمر بها مصر بسببه أصبح حاضره غير وطني وغير شريف ولا نحمل له أي بقايا من احترام حيث أحرق بحاضره البليد كل ماضيه الناصع الرائع ولم يعد يمتلك والذين سيكونون في معيته مستقبلاً سوى العار الذي سيلاحق الكل في كتب التاريخ حتى يوم القيامة، كيف يمكن أن يقبل مبارك أن يستمر رئيساً بلا كبرياء مستجديا كرسيا لعينا على حساب تاريخه وشرف الجندية الذي امتلكه حربا وسلما؟ كيف سيكون حال أحفاده حينما يدرسون في كتب التاريخ أن مصر كان يحكمها في يوم من الأيام ديكتاتور يدعى حسني مبارك لم يترك كرسي حكمه إلا بعدما أحرق مصر بمعاونة حلفاؤه ورفقاء السلاح معه في الماضي وحيث سيعدد التاريخ أسماء هؤلاء اسما اسما كما عدد اسم خنفس وأصدقائه ممن تحالفوا مع السراي ضد الشعب فدخل الإنجليز مصر واحتلوها ثمانين عاما وربما يريد مبارك بكل سيناريوهاته العنيفة والغير منطقية والغير وطنية تلك أن تحتلنا إسرائيل كما احتلتنا انجلترا بعدما انقسم الجيش على نفسه وعلى بعضه بعضاً، وانه ربما من وراء ظهوركم عقد مع إسرائيل صفقة بخصوص تلك المسألة ويستخدمكم اليوم بكل شياطين نفسه وجبروته في أخريات أيامه لتحقيق هذا المأرب الشرير؟!.
لقد ثار الملايين في مصر والعالم يريدون من مبارك التنحي، يقولون لا نريدك، يصفونه بالديكتاتور وقد صار بفعلته ( العار ) هذه ديكتاتوراً بالفعل، كيف سيواجه الشعب لو انتصر في جولته تلك بكم، بل كيف ستواجه أنت يا سيدي أمتك ووطنك وشعبك وقد آزرته ودعمته وساندته ضد رغبة الشعب بعد أن تنتهي مدة خدمته في نوفمبر القادم – إذا تسنى له الانتصار في هذه الجولة ولن ينتصر - وحينما يتغير الدستور وتقام الانتخابات الحرة ويرفضك الشعب لكونك كنت ( سوطاً ) في يده، سوطاً في يد الزعيم الديكتاتور يصوبه كيف شاء على ظهور شعبه وشعبك، ولولا مؤازرتك ودعمك ومساندتك ( أنت بالذات وتحديداً ) ما فعل كل ذلك الذي يفعله الآن بمصر وبشعب مصر، ولنجت مصر من المحرقة.
سيدي عمر سليمان إن اللحظة التي نعيشها جميعا الآن ليست محاولة اغتيال سيادة الرئيس مبارك من مجموعة أجنبية تريد أنت أن تنقذه منها كما فعلت معه سابقاً كجندي مصري شريف في أديس أبابا، لكون هذه اللحظة تختلف، هذه اللحظة هي لحظة قرار أمه، قرار شعب، قرار وطن، الكل يرفض مبارك رئيساً ويريده أن يرحل، لكونه صار رئيساً يكره هذه الأمة ويكره هذا الشعب ويكره هذا الوطن، ويجب أن تعلم أنه الآن هو الذي يغتال نفسه بالفعل وأنك لن تحيي الموتى يا سيدي لكونك لست إلهاً، ولن تستطيع أن تنقذه هذه المرة حتى ولو كنت نصف إله!!، لماذا؟ .. لأن وقت إنقاذه قد فات تماماً وقلب الشرف الوطني الذي كان يمتلكه قد توقف في صدر شعب مصر كله ولم يعد ينبض، شعب مصر الذي يستعد الآن لإقامة سرادق العزاء بعد أن ينتهي من دفن أسوأ فترة سوداء حالكة مرت عليه في فترات وجوده المعاصر واستمرت لأكثر من ثلاثين عاما وكان يريدها مبارك أن تمتد مائة عام أخرى بتوريثه حكم مصر لأبنائه وأحفاده من بعده.
الجندي المصري الشريف عمر سليمان، إن انحيازك للسراي لن يكتبه التاريخ في صفحات الشرف العسكري والوطني لكونه انحيازا لديكتاتور، نحن جميعا شعب مصر نكن لك كل الاحترام والتقدير ونضعك مثالا وطنيا للبطولة والشرف والفداء، لذلك فالشعب يرى فيك ومنذ زمن انك لن تصلح لأي دور سوى دور البطولة، البطولة التي تردد مآثرها ومواقفها حكايات الفلاحين والبسطاء من شعب مصر على طول التاريخ في المستقبل، نأبى بكل ما تحمله أنت من شرف نعلمه ولا نعلمه إلا أن تنحاز للشعب يا سيدي، انحاز لجموع الشعب المصري الطيب لتصبح بمصر وبالتاريخ بطلاً شعبيا، إنها فرصتك الأخيرة للنجاة، فرصتك الأخيرة للخلود، ألا تستحق مصر الحقيقية منك ذلك؟


الاثنين، 31 يناير 2011

إنهم يريدون إجهاض الثورة في مصر


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
لقد فقد مبارك هدوءه، فقد سيطرته على التمييز بين الشعب الذي هو الوطن والشعب الذي يجب ألا يكون أبدا في خانة الأعداء واجتمع بقادة الحرب في غرفة عمليات الحرب لحرق ثورة الشعب وجذوة الشعب وحرية الشعب بل وحرق الشعب نفسه .. الشعب كله.
مبارك تأخذه العزة بالإثم الآن، إنه لا يتصور أن يكون مرفوضاً من الشعب، لقد أثبت للعالم ( الحر ) أن الشعب هو عدوه الحقيقي بل وعدو العالم ( الحر ) الذي رغم تشدقه بحقوق الإنسان والحرية والعدل والمساواة لا يحرك ساكنا تجاه مبارك الذي يذبح شعبه الآن أيضا باسم الحرية والعدل والمساواة، أو كما قال لي أحد الصحفيين الأمريكيين: أن أميركا في ورطة فهي لا تدري أتضحي بمبارك لكونه ديكتاتور رغم صداقته لكل زعماء الغرب فتنهار بعد التضحية به كل الزعامات الصديقة في المنطقة وتخسر أميركا كل شئ، أم تنحاز لشعاراتها الرنانة التي تنادي بها وهي العدل والحرية والمساواة للشعوب وتنحاز بذلك للشعب المصري فينتج عن انحيازها هذا ديمقراطية ربما تفرز حكماً إسلاميا اخوانياً وتتحول مصر لإيران أخرى ويسير الشرق الأوسط كله على خطاها فتنشب بذلك الحرب العالمية الثالثة، نحن في مأزق يا صديقي ولا حل إلا بمبارك بعد التعديل، مبارك مع بعض الرتوش!!.
ومن هنا كان تعيينه لنائب رئيس ( رتوش ) وتعيينه لرئيس وزراء ( رتوش ) وتضحيته بأحمد عز والعادلي ( رتوش) واجتماعه – بعد الرتوش - بهيئة أركان الحرب وقادة الحرب في مصر داخل غرفة عمليات الحرب لمتابعة تطورات ما يحدث من الشعب في محاولة مستميتة لإجهاضه وقبوله لتلك الرتوش رغما عنه.
أن ذلك كله دليل على الإستماته في ذبح الثورة .. إطفاء النور الذي لم نره منذ ثلاثين عاماً، وأضاء بالشعب وبالشباب المصري دون وصاية من احد أو تحت غطاء أي قوى، وسواء خافت أميركا أو لم تخف، وافقت أو رفضت، انحازت لمبارك أو انحازت للشعب ، فهذا لن يغير من الأمر شيئا لأن الشباب المصري الذي خرج بدافع من ذاته بدافع من ضميره وبدافع من مصريته لا يتلقى أوامره من أحد، ولا يهمه إن انحازت أميركا لمبارك أو انحازت أميركا له، أنها ثورته وسيسجلها التاريخ ناصعة غير ملوثة بالمصالح والحسابات والأحزاب،إنها ثورة شعبية مصرية وطنية للنخاع لا يلوثها حزب أو نظام أو أيديولوجية.
لقد فقد مبارك هدوءه، فقد سيطرته على التمييز بين الشعب الذي هو الوطن والشعب الذي يجب ألا يكون أبدا في خانة الأعداء واجتمع بقادة الحرب في غرفة عمليات الحرب لحرق ثورة الشعب وجذوة الشعب وحرية الشعب بل وحرق الشعب نفسه .. الشعب كله.
نحن نثق في رجال الجيش، جيش مصر الذي لم تلطخ يده بدماء المصريين أبداً طيلة تاريخه، نحن نحترم عمرو سليمان، نحترم شفيق، نحترم سامي عنان، بل ونحترم تاريخ حسني مبارك العسكري وما قدمه لمصر كرجل عسكري وجندي مصري قبل أن يتحول لكل هذا الجبروت وهذا الكره الكبير لشعبه، نحترم كل رجال الجيش الشرفاء، ولكن سؤالنا لكم لماذا تقفون هذا الموقف مع رئيس يكره شعبه كل هذا الكره؟، إن كان بسبب ماضيه العسكري المشرف، فحاضره المدني غير شريف وانتم أول العارفين بذلك بل ونبهتموه أكثر من مرة وأخرها منذ عامين أو ثلاثة في مطار الماظة وقلتم له بعد أن ظهر جمال ابنه على السطح كوريث لعرش مصر الرئاسي أن الثورة ابنة الجيش يا ريس ولن يسمح الجيش بجمال مبارك وريثا فوافق وهو مذعور، أو هكذا جاءتنا المعلومات مؤكدة أو غير مؤكده لا يهم ولكن الذي يهم هو أن مبارك يعلم انه صفرا بدون أصدقائه العسكريين، ولكنه اليوم يستغل شرف أصدقائه العسكريين في حرق الوطن، فالسيد عمر سليمان يعلم أن ( منحة ) نائب الرئيس التي منحها له الرئيس لا قيمة لها على الإطلاق بل أن موقعه كرئيس للمخابرات أكثر قيمة مئات المرات وأكثر شرفاً مما هو عليه الآن، لكون ما هو عليه الآن ليس إلا جسر يحاول أن يدوسه مبارك كرئيس مكروه ومرفوض ليظل رئيساً فقط حفاظاً على كبريائه حتى لو احترق الوطن كله، إنه يريد ويستميت في أن يكون رئيساً بسياسة الأرض المحروقة، إنه يحرق مصر الآن، يقول أنا أو الفوضى كما قال للغرب أنا أو الإسلاميين، إنه يدفع الناس بالفعل لمجزرة مع الجيش لنفقد الثقة فيكم وتفقدوا الثقة فينا فتقتلونا بالآلة العسكرية التي من المفروض أن تصوب في صدور أعداء الوطن لا في قلب الوطن فيزول بأيدي أبنائه، وأرى كما يرى المصريون جميعاً أن التاريخ سيكتب أسمائكم بحروف من نور إن انحزتم للشعب، انتم بفعلتكم هذه وبتعاونكم في اللحظات الأخيرة مع النظام تكونون ضد الشعب وضد التاريخ، إن شرفكم العسكري وتاريخكم الوطني الشريف يأبى عليكم إلا أن يسجل حتماً في صفحات الحرية، نحن كمصريين لا ندعوكم للانقلاب علي الرئيس فلسنا أهل لذلك وربما نعلم أو لا نعلم أن هناك مسائل كثيرة تمنع ذلك منكم، ولكن لا تشاركوه لحظة الجبروت فتكونون كهامان وزير الفرعون، انحازوا للشعب الذي يضمر لكم في قلبه كل الشرف والحب والإكبار ولا تخسروه في لحظات الحكم الأخيرة، واكرر .. إنها لحظات الحكم الأخيرة لكون النظام مات إكلينيكيا بالفعل، ولم يتبق له إلا لحظات لتكتب له رسميا شهادة الوفاة، انحازوا للشعب وسجلوا في سجل خدمتكم شرف الانحياز للأمة، انحازوا للشعب الذي هو انتم ونحن، فأنتم منا ونحن منكم، لا تضيعوا الفرصة وتكتبوا بأيديكم ما فعله خنفس وأصحابه حينما خذلوا الشعب وباعوا عرابي وانحازوا للسراي والخديوي، إن الشرف الوطني الذي تعلمناه على أيديكم يجعلنا نأبى إلا أن تكونوا مع الشعب.
نعلم أن النظام في مصر رغم الفلتان الأمني مازال موجوداً وبقوة بدليل القبض على احمد عز وإرغامه على تقديم استقالته من الحزب الوطني ورئاسة لجنة تنظيم السياسات بناء على مذكرة تقدم بها أيمن نور للنائب العام وتم تنفيذها على الفور وبموجبها تم القبض على احمد عز بالمطار قبل هروبه بخمس وأربعين دقيقة مع زوجته وزوجة جمال مبارك خديجة الجمال وابنتهما فريدة، بل والأكثر من ذلك هو إشاعة القبض على حبيب العادلي بتهمة الخيانة لإعطائه الأوامر باختفاء مليون ونصف مليون ضابط وجندي أمن مركزي فجأة وتماما من كل ربوع مصر لأحداث فراغ وفلتان أمني في الشارع المصري، وكأنهم كانوا جنودا من ورق تم حرقه ببساطة لتذروه الرياح ويختفي، مليون ونصف مليون جندي وضابط أمن مركزي ( ضعف حجم الجيش المصري ) بكل آلياته ومدرعاته وقنابله ورصاصه الحي والمطاطي وغاز الخردل وقنابله الكيماوية الأخرى التي من شأنها أن يفقد الإنسان بها سيطرته على الحركة، ، اختفوا فجأة!!، مليارات الدولارات منح لا ترد من العالم ( الحر) وبمؤازرة العالم ( الحر ) رأيناها بأم أعيننا تقمع وتحرق شعوب عزلاء لا تملك إلا سكاكين المطبخ وأعمدة ستائر غرف نومهم للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم وممتلكاتهم، حبيب العادلي الذي بعد أن أعلن مبارك عن تعيين نائب له حرك جموع البلطجية وشاويشية امن الدولة السريين لفتح أبواب السجون لإطلاق سراح آلاف المسجلين خطر وإعطائهم أسلحة اتوماتيكية وانتشارهم في كل مكان بمصر من إسكندرية لأسوان لترويع المتظاهرين وإلهائهم عن الثورة بالدفاع عن ممتلكاتهم في محاولة يائسة شيطانية لتمكن النظام الديكتاتوري في لحظة الإلهاء تلك من أن يتشبث بأخر مالديه من هواء في صدره بكرسي الحكم، لقد علمنا بهروب كل رجال الأعمال المحبوسين في السجون وعلى رأسهم هشام طلعت مصطفي الذي وصلتني معلومات بأنه ينعم الآن بممارسة الجنس في بريطانيا ( العظمى ) بعدما أطلق سراحه وهرب مع قتلة المسيحيين في نجع حمادي ومنهم " الكموني" والذين معه الذين كانوا يواجهون حبل المشنقة بعد أيام، هرب الجميع الذين قتلوا شبابنا وسرقوا أموالنا وسرقوا الدستور والقانون وفصلوا دستورا وقانونا جديدا على مقاسهم ومقاس مصالحهم حتى التصقت بطون الناس بظهورهم من شدة القهر، والمدهش أن تمنح المؤسسات الدينية رغم علمها بكل ذلك في مصر وهي ( الأزهر والكنيسة ) منحة نيشان التهنئة لمبارك على حكمته في اختيار نائباً له في أخريات أيام حكمه الأخيرة، دون النظر - شرعاً ماداموا رجال دين أو المفروض أنهم رجال دين - إلى أنهم يفعلون الحرام ولكنه من خلالهم أصبح بالفعل الحرام المقدس.
إن رجال الشرطة في جهاز الشرطة المنحل والذين رأينا غالبهم منذ يومين فقط وتحديدا في جمعة الغضب وقبل اختفائهم كليا يفرون بملابسهم الداخلية أمام المتظاهرين بعد أن سلموهم الملابس والبنادق الميري وراحوا يستنجدون بربات البيوت والنساء في الشوارع الجانبية أن تحميهم داخل المنازل من بطشة الغاضبين، رأينا هذا في الإسكندرية والسويس والمحلة والمنصورة وعدة عواصم مصرية، حتى جبابرة أمن الدولة استطاعوا أن يحرقوا كل المستندات والوثائق التي تدينهم بحق تلفيق آلاف التهم وجرائم القتل بحق أبرياء مصريون طيلة ثلاثين عاما من حكم مبارك وهذا ليس كلامي ولكنه كلام رئيس نادي قضاة مصر الذي يطالب اليوم برؤوسهم جميعا بتهمة الخيانة التي قد تُعرض المئات منهم لحبل المشنقة، هؤلاء الجبابرة وبعد اجتماع مبارك بغرفة عمليات الحرب، ظهروا من جديد، قتلوا اللواء محمد البطران مدير سجن الفيوم لرفضه إطلاق سراح خمسة آلاف سجين، قال لهم لن اسمح بخروج المساجين، لن أخون البلد والشعب والدستور، فكانت آخر كلمة سمعها قبل أن يردوه قتيلا في مكتبه بسجن الفيوم (.....) أمك على ( ....) أم الشعب على (....) الدستور.
أطلقوا سراح البلطجية الذين ارتدوا في بعض المناطق زى النساء المنقبات وأطلقوا الرصاص على الناس من أسطح العمارات، ارتدوا ملابس النساء ليدللوا على انتمائهم الجنسي الأصلي وحملوا السلاح وأطلقوه على الشعب الأعزل ليدفعوه لقبول حكم نظام أعلنت وفاته بالفعل وان لم تكتب شهادة وفاته بعد، حملوا السلاح الميري والآلي ليروعوا الناس ويلهو الناس بهم في الدفاع عن حياتهم وينسوا الثورة، هذا هو النظام وأفاعيله التي لم نرها حتى في دولة الصومال وما تحويه من فوضى، إننا نهيب برجال الجيش الشرفاء، جيش مصر الصادق الوعد الأمين، أنت حامي الشعب، فلا تشارك في إجهاض شعلة النور التي نحاول أن نراها منذ ثلاثين عاماً.


السبت، 29 يناير 2011

يا أقباط مصر .. هذه كنائسكم في أيام الغضب لم يمسها أحد بسوء

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
مصر تلتهب منذ أربعة أيام، في فوضى أمنية حقيقية، خلت من عساكر الأمن بعد أن فروا في محافظات مصر، والآن .. كنائس مصر ليس عليها حارس أمن واحد، ضابط واحد، ولم تسجل حادثة اعتداء واحدة على أي كنيسة، المصريون شرفاء .. ليسوا دعاة فتنة .. وان ما حدث للأقباط من عنف سابق ليوم 25 يناير هو تنفيذ لأجندة سياسية حقيرة. 

يا أقباط مصر ..
أناديكم .. أشد على أياديكم .. هذه كنائسكم في أيام الغضب لم يمسها أحد بسوء
إذا وصلكم هذا المقال فسأكون قد نجحت في توصيل صوت الكثير من المصريين عبر هذا المنبر الحر رغم تحويل مصر إلى دولة من القرون الوسطى وبعدما عزلها النظام عن العالم في فضيحة لم نرها حتى في جمهوريات الموز.
هذه هي مصر تمر بأصعب مراحل تاريخها منذ حريق القاهرة في يناير 1951 وحتى يناير 2011 ، مصر الذي كشر فيها العادلي عن أنيابه وخان شعبه وخرج علينا بمليون ونصف مليون جندي وضابط أمن مركزي مدججين بالمصفحات والقنابل وغاز الخردل والرصاص المطاطي الأشد فتكاً من الرصاص الحي إذ يقتل الناس ببطء ليبيد شعب اعزل لصالح نظام عجوز تحت سمع وبصر الكل والعالم أجمع، 96 مليون مصري في اكبر قوة عربية ( مصر ) تركها العالم تتمخض في دمائها حتى يحسنون صنع حساباتهم ومصالحهم، شعب مصر الذي تركه العالم ( الحر ) بين مطرقة حكومة ونظام فاشستي وسندان خونة أمتهم كالسيد صفوت الشريف والسيد احمد عز اللذان جلبا العار لمصر ولفقا وأبدعا واستبدعا كل فساد في مصر حتى فساد نتائج الانتخابات بنسبة 99.99 % لصالح الحزب الوطني وكأن شعب مصر عبارة عن شعب من النعاج يمكن خداعهم بهذه المسرحية الهزلية المقيتة، لقد هرب الكل الآن، لم ينفع الشريف آلته الإعلامية الملفقة والتي تديرها رؤوس من القش ومجموعة من الكومبارس الفاشلين هم عار على مصر وشعبها ووجودها الحضاري، لم ينفع احمد عز ملايينه ونهبه لمقدرات شعب مصر بدءا من سرقة مصانع حديد الدخيلة التي أنشأها المصريون بكفاحهم وثورتهم وانتهاء بسرقته لكرامة مصر وكبريائها بتحكمه في برلمانها وإفساده وملئه بالبلطجية وقطاع الطرق وهو البرلمان الذي قال عنه يوما حكماء أوروبا عام 1924 أنه أعظم برلمانات الأرض، لم ينفع العادلي المليون ونصف المليون جندي أمن مركزي ( ضعف حجم الجيش المصري ) من أن يهرب من مصر نافدا بجلده، مليون ونصف مليون جندي وضابط امن مركزي قام بإعدادهم العادلي على أعلى مستويات الشراسة والتبلد في الشعور لحماية نفسه والنظام ضد شعب اعزل وبأموال شعب أعزل كل طموحه الحفاظ على كرامته وكرامة أبناءه في وطن هو بالفعل وطنه ووطن أجداده.
لقد هربت غالب رموز النظام والحكومة ولم تكن عمليه إقالة الحكومة التي ينادي بها الرئيس في أخريات أيامه مفاجأة إذ حتى إن لم يسقطها فهي غير موجودة بالفعل على ارض مصر لكونهم هربوا ونفدوا بجلدهم إلى انجلترا في صباح جمعة الغضب وقبل صلاة البرادعي في ساحة ميدان الجيزة.
لن أنسى خلع رجال الشرطة لملابسهم وتسليمهم السلاح والملابس للمتظاهرين وفرارهم عرايا يستنجدون بربات البيوت في الشوارع الجانبية من بطشة الشعب الأعزل الذي خانه وزير داخليتهـا، وبعد أن أدار العادلي ( أبوهم الروحي) لهم ظهره وهرب، وتركهم يتامى تحت قوانين القصاص الشعبي.
كانت عساكر الأمن وضباط الأمن يجرون عرايا بملابسهم الداخلية في الإسكندرية والسويس والشيخ زويد والمحلة والمنصورة على سبيل المثال بعد أن أزاقوا الناس مرارة الظلم والقتل والتنكيل وآخرها خالد سعيد وضحايا حرق كنائس شركاء الوطن الأقباط من الكشح وحتى الإسكندرية ليلة رأس السنة.
أعلنها أمام العالم كله، هذه مصر تلتهب منذ أربعة أيام، هذه مصر في فوضى أمنية حقيقية، هذه مصر خلت من عساكر الأمن وضباط الأمن بعد أن فروا في السويس وسيناء والإسكندرية، وهذه الآن .. اليوم .. كنائس مصر ليس عليها حارس أمن واحد، ليس عليها ضابط أمن واحد، ولم تسجل في مصر حادثة اعتداء واحدة على أي كنيسة من مصري واحد، المصريون شرفاء .. ليسوا دعاة فتنة .. وان ما حدث للأقباط من عنف سابق ليوم 25 يناير هو تنفيذ لأجندة سياسية حقيرة.
كل من ادعوا وأوهموا الناس بأن الشعب المصري هو من دعاة الفتنة وان مسلمي مصر يكرهون أقباطها فليخرج علينا الآن و يقول – ولو بالكذب – أن هناك حالة اعتداء واحدة تمت في هذا الغياب الأمني الغير مسبوق على كنيسة واحدة .. في أي محافظة أو قرية أو نجع، وليعلم مروجو الفتنه ومعهم كل الشرفاء في العالم أن ما حدث من حرق سابق وقتل سابق وتنكيل سابق لإخواننا الشرفاء أقباط مصر، هو بفعل رجال وزير الداخلية السابق ليثبت للعالم من خلال أجندة حقيرة أن الفعل لمسلمين متطرفين ومصريين متطرفين، وليثبت أنه - أي النظام الحالي – هو الدرع الواقي للعالم الحر وللأقليات وعلى رأسهم الأقباط من هؤلاء المتطرفين الساعين لكرسي الحكم ليحولوها إلى إيران أخرى والكل يعلم أن المصريون الذين ذاقوا حلاوة دستور 1923 لن يقبلوا حكما دينيا أبداً،.. وهذا السيناريو المقيت هو في في حقيقة الأمر لعبة سياسية حقيرة وواضحة راح ضحيتها العشرات ممن لا ذنب لهم من شباب قبطي مسالم وشباب مسلم مسالم أيضاً يبحث عن الحرية وكرامة العيش في دولة يريد أن تحقق له ولو الحد الأدنى من العدل والمساواة، ورغم أني لا أطيق تكرار أو حديث كلمة مسلم وقبطي بل مصريون، فإن كثيرين من هؤلاء المصريين الشرفاء ، زهرة شباب مصر راحوا ضحايا تلك الأجندة السياسية المقيتة والتي كانت – بواسطة العادلي والشريف وعز - تحاول بشراسة الإبقاء على النظام، والكارثة أن صدقها الأقباط أنفسهم ورددوها حتى أنهم اليوم وفي أحلك لحظات مصر التهابا واحتياجا لهم ولكل وطني شريف، انصاعوا لأوامر رجال الدين في الكنيسة وحرموا مصر في أيامها الحرجة من أن ترى أبناءها الأقباط يثورون جنبا إلى جنب مع إخوانهم المسلمين والكاثوليك والنوبيين والبروتستانت، لقد حرم رجال الكنيسة الأرثوذكسية مصر وحضن مصر من أن يلتحم معها في أيامها التاريخية تلك أبنائها الأقباط، لقد التزموا ( بالأمر ) بيوتهم ولم يخرجوا في ساعة الخلاص، وأقول لهم حان الوقت الآن .. ثوروا على أنفسكم ولا تحرموا مصر وطننا جميعا من وجودكم الحر الشريف الذي نعرفه.. أخرجوا .. شاركوا مصر لحظة الميلاد الجديد ولا تديروا ظهوركم لها .. كنائسكم لم يمسها مسلم واحد رغم الفوضى الأمنية .. لا تصدقوا دعاة الفتنة فنحن شعب واحد ومصير واحد .. وان كنتم معنا تطالبون بدولة مدنية شعارها الدين لله والوطن للجميع، فلتديروا ظهوركم لرجال الدين حتى تكون دعوة الدولة المدنية صادقة، فمن غير المعقول أن يطالب بالدولة المدنية من يسعون وراء زعيم ديني، مصر بحاجة إليكم وانتم جزء كبير وقوي ومخلص وشريف من شعب مصر، لا تتركوا هذه اللحظة التاريخية تفلت من أيديكم، لقد خرج رامي لكح وهو كاثوليكي مصري وتقبل الإهانة والضرب مع المتظاهرين وهو يصرخ في وجوه الطغاة أنا مصري مسيحي ورجل أعمال ولن اترك الناس حتى لا تكذبوا علينا غداً وتقولوا انتفاضة حرامية، لقد تحول ميدان التحرير إلى مسجد وكنيسة وصلي المصريون مسلمين مسيحيين صلاة واحدة مشتركة لمصر في أعظم صورة من صور التلاحم الوطني والديني منذ ثورة 19 ولكن لم يكن هناك أقباطاً كثيرين بل كاثوليك وبروتستانت !
مصر تريدكم يا إخواننا في الوطن .. تريدكم يا أقباط مصر، كذبوا عليكم وهاهي كنائسكم لا يحميها إلا شباب مصر، فأخرجوا إن كنتم تريدون مشاركة حقيقية في مستقبل مصر، لابد أن نرفض نصائح من تجاوزوا التسعين من العمر ليحرمونا من أن ندير وجوهنا شطر نهضة مصر في أحرج لحظاتها التاريخية.


السبت، 15 يناير 2011

عملوها التوانسة

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
لقد فعلها التوانسة إذن حيث لم يختلف زين العابدين بن علي كثيرا عن فرانكو أو أي ديكتاتور آخر سابق أو معاصر، فعلها التوانسة بعدما داهمهم اليأس وقتل الحريات وانهيار الأحلام على عتبات محاسيب السلطة والسلطان وحيث لا قانون ولا عدل ولا رموز وطنية وأصبح الكل أشبه بدوائر صغيرة عنصرية منغلقة على نفسها يضغط بعضها على بعض ويفتت بعضها بعضا في أحلك فترات شعوبنا العربية سواداً وظلمة.

حكامنا لا يقرأون، وإذا قرأوا أقاموا علينا الحد!! 
حكامنا لا يسمعون، وإذا سمعوا أقاموا علينا الحد!! 
حكامنا لا ينظرون، وإذا نظروا أقاموا علينا الحد!!
ومن ثم فمن الطبيعي أن تثور الشعوب، أن تدمر قادتها الذين لا يقرأون شعوبهم ولا يسمعون ولا يسدوا رمق أحلام البسطاء ببصيص من نور أو بقليل من حياة أفضل.
من الطبيعي أن تثور الشعوب، أن تدق أعناق جلاديها التي تراهم عبئا حضاريا عليها وعلى وجودها الإنساني كأمة ذات ضمير وكبرياء وكرامة.
– في عالمنا الثالث – الديكتاتور هو صاحب التغيير، ووحده صاحب الثورة، ووحده صاحب السلطة، ووحده مالك الدستور وحاكم الشعب. 
يحكم بانقلاب دموي أو سلمي ثم يعد الناس بدولة العدل والمساواة ثم في أقل من عام يتحول الوطن إلى مزرعة خاصة له ولعائلته، ومن كان يتغنى الأمس بالحرية، نراه يعتقل الناس اليوم في زنازين اليأس والبطالة والكبت والاغتيالات ليتسنى له " حَلب " الوطن تحت حماية وزراء داخليته الغلاظ والذين يختارهم بعناية، ومظلة تهميش الجيش بعدما يترأس هو قمته العليا رغم أنف الجيش نفسه.
الناس في بلادنا قد تصبر على الظلم، قد تصبر على الطغيان، الجوع، الحبس، القتل العشوائي، ، الفتنة، لكنها حين تغضب فلا عاصم لغضبتهم ولا نجاة من ثأرهم قبل ثورتهم، وان كانت تظن الديكتاتوريات أنها بمنأى من غضبة الناس وثورتهم وغليانهم فهذا وهم عاشه كل ديكتاتور سابق لإيمانه بما يأتيه من تقارير مفادها تفيد أن الجميع يسبحون بحمده وأن الكل ربما يتوجه إليه بالدعاء من دون الله - حاشا لله - والغريب أنه يصدق والتصديق هنا مرحلة من مراحل اللعنة حتى تحيط به خطيئته فيغتاله شعبه .
لم ينجو ديكتاتور واحد من شعبه، ولا ديكتاتور واحد نجا، بل أن نهاية كل واحد فيهم كانت من أقبح وأشنع النهايات التي يلقاها فاسد على وجه الأرض.
وربما يحضرني قول غسان المفلح وهو ناشط سوري يعيش في سويسرا "عندما يرغب ديكتاتورٌ أو حالمٌ بتنصيب نفسه ديكتاتوراً، يسارياً كان أو يمينياً، في أي مكان من العالم، وفي أي وقت كان، عندما يرغب في ذلك فهو يعزل المجتمع عن العالم أو يلجأ إلى القسوة ضد الحراك الديمقراطي وحيث يتبع برنامجاً محدداً بعشرة خطوات تقليدية، وهي (1)الإدعاء بوجود مؤامرة، وفتن طائفية وقبلية(2)تأسيس معتقلات سرية، (3) توظيف واستخدام ميليشيات مدنية مسلحة رديف له، (4) تأسيس جهاز مراقبة وتجسس، (5) اعتقال مواطنين بأسلوب تعسفي، (6) اختراق التجمعات/المنظمات الأهلية، (7) استهداف شخصيات هامة، (8) ملاحقة الصحفيين، (9) وصف كل انتقاد بأنه "خيانة" و (10) تدمير دولة القانون."
أما شاكر النابلسي وهو كاتب وباحث أردني فيقول في مبحث رائع له تحت اسم "العرب من حكم الخلافة المطلق إلى الديكتاتورية الطاغية": ما الفرق بين الخليفة الكلاسيكي والخليفة المعاصر؟ الخليفة الكلاسيكي كان يمسك بالسلطات الثلاث : التشريعية والتنفيذية والقضائية. ومن هنا جاء الاستبداد والظلم الذي كان يقويه السلطان والمال في الوقت نفسه. وكان الخليفة هو ”ظل اللـه على الأرض“ كما قال الخليفة المنصور، وهو الأمين على بيت المال الذي هو مال اللـه، باعتباره ظل اللـه وخليفة رسول اللـه، كما قال معاوية بن أبي سفيان. أما الخليفة المعاصر، فهو الآن يفعل الشيء ذاته. بيده نفس السلطات الثلاث، وإن بدت هذه السلطات - ظاهريا - مستقلة ومنفصلة عن الخليفة، إلا أنها في حقيقة الأمر ليست كذلك، وإنما كلها بيد الخليفة المعاصر. وما انتشار الاستبداد الحالي في العالم العربي إلا نتيجة لذلك. ويستشهد شاكر النابلسي بما قاله السيد العلوي عن الخلافة المعاصرة في كتابه ( أضرار الحكم القبلي في دول الخليج العربية، 2003 ) بالقول: ”لقد اعتمدت الديكتاتوريات على مر التاريخ على فلسفات واهية لتبرير احتكارها للسلطة وحرمان الآخرين، كالحق الإلهي في الحكم، وكحق الأسرة والسلالة في القرون الغابرة، والقرون المتأخرة حيث تنامت فلسفة المجموعة الطليعية والريادية التي تقود الأمة ولو بالقهر إلى تطورها المأمول على مختلف الأصعدة. ونشأت على ضوئها الدول الشمولية، وتحورت في شكل سياسي عبرت عنه بوضوح دول الحزب الواحد. وقد حاولت مختلف هذه الصور التلبس بالدين عندما ترى احتياجا لذلك، فتوظيف الأحاديث والمفاهيم الدينية من أجل تبرير وصولها إلى اعتلاء السلطة واحتكارها لها. إلا أن أقبح الفلسفات في نظري هي فلسفة الحق الإلهي في الحكم المنحصر في شخص بعينه أو أسرة بعينها اعتمادا على جدلية كاذبة، تتمحور حول ادعاء أن اللـه تعالى خص هذه الأسرة بالحكم والسيطرة على القرار، وأن باقي الأسر أو التشكيلات أو الأمة بأسرها عليها التسليم والرضي بذلك، ويحدد الكاتب على ألشمري في مجـــلـــــــة النبـــــــــأ - العــــــدد55 - مارس 2001م، مساوئ الديكتاتورية التي يصنعها الديكتاتور دون أن يدري - لكونه ديكتاتوراً - فلا يراها ولا يستشعرها وتكون هي وقود الشعوب والشرارة الأولى دائما في الثورة والإطاحة به في عدة نقاط أهمها أن الديكتاتورية تمثل بذرة الاستبداد الذي يقدم للمجتمع مُثلاً،محدودة و مكررة، وهذه المثل غير قادرة على مد المجتمع بالطاقة الكافية لبدء مسيرة البناء الحضاري ومواصلتها، ومن ثم فلابد أن يرتكس المجتمع في براثن التخلف الحضاري، والتمزق المجتمعي، لان من طبيعة النظام المستبد أو الفرعوني - بالمصطلح القرآني - أن يقسّم الناس إلى طبقات وفئات بحسب قربهم أو بعدهم من النظام، وبحسب موقفهم منه، وهو ما يعد جزءاً من آلية السيطرة على المجتمع والتحكم فيه مما يحمل أبناء المجتمع الرافضين له على التفكير بأساليب عنيفة في مواجهته، وهذا يفتح الباب أمام العنف والعمل المسلح لحل المشكلة السياسية المتمثلة بوجود السلطة الإرهابية التي كان لها السبق في استخدام العنف في التعامل مع الناس، ومجتمع يعيش دوامة العنف والتوتر الداخلي لا يمكنه أن يسلك الطريق المؤدي إلى النهوض الحضاري
.وهذا ربما ما أراه أنا أيضا في كونه الدافع الحقيقي وربما الوحيد وراء مايسمى بالفتن الطائفية والصراعات الأهلية التي دائما ما تكون بداية سيناريو الإطاحة بالنظام الحاكم، إذ تنمي الفتن الطائفية والصراعات الأهلية عند المتصارعين والضحايا على حد سواء مشاعر الشجاعة وعدم الشعور بالخوف ومواجهة الصراع وكلها أمور تمهد السبيل المعنوي عند المضطهدين – مستقبلاً – في قبول الصراع والموت وتحدي النظام بثورة شعبية كحل وحيد وحتمي للحرية والعدالة والمساواة.
ولعل من أدق ما قرأته في وصف الديكتاتورية كواقع معاش ذلك الذي نقله لنا الكاتب والناقد والأكاديمي المصري رشيد العناني من وصف "هرِتا مُولر" Herta Muller الروائية الألمانية الرومانية، الفائزة بجائزة نوبل في الأدب لعام 2009، في أشهر رواياتها، "حيوان القلب"، التي نُشرت لأول مرة في ألمانيا سنة 1993 بعد سقوط شاوشيسكو ونظامه، وقبل أن تترجم إلى الإنجليزية بعنوان «أرض البرقوق الأخضر» سنة 1996، حيث تصف حال العيش في ظل حكم الديكتاتور الروماني نيقولاى شاوشيسكو 1918 ــ 1989 قبل سقوط نظامه وإعدامه مع زوجته، فتقول: بإمكانك أن تحس بهم متربصين، يوزّعون الخوف». (ص 48 من الترجمة الإنجليزية).هكذا تصف وتسترسل بالقول: العيش في ظل دولة شمولية، في ظل القمع الأمني، تحت المراقبة المستمرة، في خطر دائم من الملاحقة والاعتقال لسبب أو لغير ما سبب، في خطر الطرد من الوظيفة، في خطر الأخذ بالشبهات، في خطر امتهان الكرامة والإذلال، مثل هذا العيش لا يترك في نفس المواطن، إن عجز عن المقاومة، سوى الرغبة في الهرب، في الخروج إلى بلد آخر. فقط الطبقة الحاكمة يطيب لها العيش في ظل نظامها، "كان كل فرد يعيش على أمل الهروب. كانوا يفكرون في السباحة عبر نهر «الدانوب» إلى أن تصبح المياه بلدا آخر، في الجري خلال حقول الذرة إلى أن تصبح التربة بلدا آخر. كان بإمكانك أن ترى في عيونهم أنهم لن يلبثوا أن يصرفوا كل قرش في جيوبهم من أجل الحصول على خرائط تفصيلية (...) الوحيدون الذين لم يكونوا يريدون الهرب هم الديكتاتور وحراسه. كنت تستطيع أن ترى ذلك في عيونهم، وأيديهم، وشفاههم. اليوم وغدا وبعد غد سوف يصنعون المقابر بكلابهم، وبرصاصهم (...) بإمكانك أن تحس بالديكتاتور وحراسه يحومون حول كل خطط الهروب السرية" ، إن اليأس يبلغ حدا يصبح الكره معه خدمة تُوظف لمصلحة النظام إذ لم أكن أعرف أن الحراس يحتاجون تلك الكراهية لكي يمارسوا عملهم الدموي بدقة يومية، أنهم يحتاجونها لكي يتصرفوا في المصائر لقاء رواتبهم، وأنهم لا يمكنهم أن يصدروا الأحكام إلا ضد أعدائهم. إنما يثبت الحراس جدارتهم بقدر ما يكون لهم من أعداء".
وصف دقيق لكل ما تعانيه أي امة تحت حكم ديكتاتور، ممارسة العمل الدموي اليومي لحرس الديكتاتور بكل دقة لقاء رواتبهم!!.
ولعل ذلك الوصف ينحت لنا بعناية ملامح ديكتاتور اسبانيا فرانشيسكو فرانكو بهاموند وهو صورة بالكربون من كل الديكتاتوريات السابقة والمعاصرة، ذلك الديكتاتور الذي حكم أسبانيا حكما مستبدا، حتى انه كان يعين كل أعضاء البرلمان الاسباني ‘الكارتز’ بمعرفته عن طريق حرسه الخاص إذ انشأ البرلمان فقط كديكور ليقال عنه انه يمارس الديمقراطية في بلاده رغم انه كمم فيها الأفواه، وملأ السجون بالمعتقلين وكان لا يطيق أن يسمع من احد كلمة ‘لا‘.
كانت الأحكام العرفية هي السائدة طوال فترة حكمه.. أما المحاكمات فكان أغلبها يقام أمام محاكم عسكرية! وهنا يقول الدكتور محمود متولي: ‘لقد قام فرانكو خلال فترة حكمه بنفي أكثر من نصف مليون مواطن بعيدا عن الوطن الأم، واستمر الناس في موات.. وامتلأت السجون بالأحرار، وقيل إن حكم فرانكو قام بإعدام أكثر من 250 ألف مواطن‘!، أن فرانكو ككل طاغية في التاريخ عاش معزولا عن شعبه، يحكم من خلال البندقية ويظن انه مبعوث العناية الإلهية.. ولولا المعونات الأمريكية لكانت اسبانيا تعاني مجاعات متكررة..و بدلا من أن يحمي الشعب كان هو عذابا للشعب.
لقد فعلها التوانسة إذن حيث لم يختلف زين العابدين بن علي كثيرا عن فرانكو أو أي ديكتاتور آخر سابق أو معاصر، فعلها التوانسة بعدما داهمهم اليأس وقتل الحريات وانهيار الأحلام على عتبات محاسيب السلطة والسلطان وحيث لا قانون ولا عدل ولا رموز وطنية وأصبح الكل أشبه بدوائر صغيرة عنصرية منغلقة على نفسها يضغط بعضها على بعض ويفتت بعضها بعضا في أحلك فترات شعوبنا العربية سواداً وظلمة.
إن ماحدث في تونس من غليان شعبي أطاح برئيس الجمهورية هو رد فعل طبيعي للشعوب التي لديها بصيص من كبرياء وبصيص من كرامة.
إن ما حدث في تونس دعوة للجميع أن يقرأوا ولا يقيموا علينا الحد وأن يسمعوا دون أن يقيموا علينا الحد وأن ينظروا حتى يقيموا بنا ولنا دولة العدل والحرية والمساواة، فنحن شعوب تملك كل مقومات المشاركة الحضارية في ذلك العالم الذي نحياه، وقد فعلتها تونس، فعلها شعب يأبى إلا أن يكون سيداً في وطنه.

الاثنين، 20 ديسمبر 2010

أمنيات رجل مختلف حلقة 3،2،1 - زياد صيدم

عندما تساءل أحمد عن مدى قدرته ليكون من اسعد البشر .. كان يبحث عن شيء مختلف، جراء طيف كان يبدو له جميلا ، عاشه بصدق اللحظات حيث تعاقب على مخيلته شهور طويلة .. ولازال يتساءل حينها إذا ما كان باستطاعته أن يجعل منه ذاك الحب الملهم، الذي يتنفس من خلال صباحا ته عطر الياسمين ، ومساءا ته بهمسات من جوري أحمر بشذاه الأخاذ.. لكن على ما يبدو أن الواقع وحيثياته كان اكبر من أحلامه السابحة بين فضاءات تجوب أعماق الأفق ألا منتهى.

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

حوار مع المخرج العراقي ميثم السعدي ونجمة المسرح العراقي خولة شاكر

أجرى الحوار عبر ( الفون كونفرانس ) محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
ميثم السعدي: ليست المشكلة في المسرح ولكن القضية كلها في الحرية، ومدى قبول الآخر لحريتك، هم يريدون مسرحا مفرغا من معناه وأنا لا أملك إلا مسرحا يقدم القيمة وسأظل مؤمنا بذلك للنهاية بل أني أعكف الآن على كتابة نص اسمه " إن عدت .... سيقتلونك ".


المخرج المسرحي العراقي ميثم السعدي: 
بسبب عدم انضمامي لحزب البعث حرموني من معهد التمثيل عشرة سنوات.

رئيس الوزراء السابق ابراهيم الجعفري وفيلق القدس هم أصل الفوضى بالعراق.


نجمة المسرح العراقي خولة شاكر:
ساعلن دفاعا عن حقوق المرأة في العراق وعن العراق كأمة على رأس الأمم في العالم.


ميثم عبيد جواد السعدي واحد من اهم وابرز المخرجين العراقيين المعاصرين وهو إلى جانب كونه مخرجاً محترفاً إلا أنه أيضاً من مؤلفي النصوص المسرحية العرب المهمين أيضا وقد حاز نصه يا صبر أيوب على موافقة لجنة اختيار النصوص في دار نون للنشر والإعلام بمصر ليكون أحد أهم النصوص المسرحية العربية في أول مجلد عربي لنصوص المسرح العربي المعاصر، والمخرج العراقي الكبير ميثم السعدي هو من جيل المبدعين أصحاب الرؤى الفنية التي تبحث دائما في أعماق الذات الإنسانية عن معاني الوجود الرافض للعنصرية والرافض للإقصاء والذي يؤمن بحتمية وضرورة حرية الإنسان في وطنه متمتعاً بكافة حقوقه حتى وان اختلف في الشكل أو اللون أو المعتقد، وقد استطاع المخرج ميثم السعدي من خلال إيمانه بأن الفن المسرحي حتمية حضارية يقفز بالإنسان والمجتمع من عتمة الجهل والتمييز لأضواء التعايش الحضاري المشترك وبناء قواعد ثابتة للحرية، فقد جعل الارتحال منهجه المهني الذي يختلط فيه ومن خلاله بالإنسان العربي على أي ارض فيقدم له خلاصة ذلك الإيمان في أعمال مسرحية سواء تأليفاً أو إخراجاً أو تمثيلاً إلى أن استقر به مطاف الرحلة أخيرا في الولايات المتحدة فإلتقيناه وكان لنا معه هذا الحوار:

بدأ طموح المخرج العراقي الكبير ميثم السعدي بدراسة الفنون الجميلة في عام 1976 ثم انتهت بتخرجه من نفس المعهد قسم الإخراج عام 1987 .. إحدى عشرة عاماً في دراسة الإخراج أليست لغزاً؟
سؤال مهم جداً يا أستاذ محيي ولكن قبل الإجابة عليه أود أن أشكرك على هذا اللقاء وأشكر جريدة صوت بلادي ورئيس تحريرها الأستاذ محب غبور الذي استطاع بحق أن ينشئ بجريدة صوت بلادي صرحاً مصرياً عربيا إعلاميا كبيرا في أميركا يبرز لنا من خلاله أهمية ذلك الصوت المصري العربي الحكيم، أما بالنسبة لسؤالك عن الإحدى عشرة عاما التي قضيتها في الدراسة – كما يظن البعض – في معهد الفنون الجميلة ببغداد، فهي حكاية طويلة، أو قل هي مسرحية أقرب للكوميديا السوداء منها إلى الواقع السوي الذي نعيشه، فأنا يا سيدي قد تم قبولي بالفعل كطالب في معهد الفنون الجميلة ببغداد سنة 1976 وكنت سعيداً جداً بهذا القبول لقد كان طموحي كله ينحصر في عشقي للمسرح ورأسي لا حلم بداخلها سوى المسرح ولكن تأتي الرياح – أحياناً - بما لا تشتهي السفن إذ لم أقض في المعهد سوى أقل من ثلاثة شهور وبعدها فصلوني، كانت كارثة بالنسبة لي، كانت كارثة حقيقية، كأنهم فصلوني عن شريان الدم الذي يربطني بالحياة ولم أدري لماذا حتى علمت أن السبب هو عدم انتمائي لحزب البعث العراقي، كانت لحظة مؤلمة وعقاباً أشد إيلاماً حينما أخرجوني من المعهد وساقوني – كما يقول المصريون – من الدار للنار، ساقوني للخدمة العسكرية في 18/10 /1976 وحينما أنهيت الخدمة العسكرية في 1/8/1980 وحاولت الارتباط بالمعهد مرة ثانية أعادوني لخدمة الاحتياط في نفس العام وكأنهم يعاقبونني مرة أخرى على الحلم بالمسرح وفي الاحتياط بدأت الحرب أو بدأت القادسية، ولم أستطع أن أبدأ محاولات تحقيق الحلم من جديد إلا بعد انتهاء الحرب وانتهاء مدة الاحتياط بالجيش، لقد كان إصراري على دخول معهد الفنون الجميلة يزداد عناداً ويزداد قوة وبالفعل تم قبولي مع مجموعة من الفنانين العراقيين سنة 1982 في معهد الفنون الجميلة ولكن فيما يسمى بالدراسة المسائية لأتخرج من المعهد في قسم الإخراج المسرحي أخيراً عام 1987 ولا تتصور مدى إحساسي بالسعادة عندما تحقق لي هذا الحلم أكاديميا لإيماني أن الناحية الأكاديمية من الأهمية بمكان بحيث تصقل الموهبة وتعمق أصول التفكير المهني لدى عاشق المهنة وحيث الموهبة أو العشق وحده لا يكفي.

إيمانك بالبعد الإنساني وبالحرية أثار عليك غضب الكثير .. فهل المسرح يمكن أن يكون حجر عثرة أمام الأنظمة المستبدة؟
بالتأكيد .. بل بكل تأكيد .. فالمسرح هو لغة الآن حتى وإن قدمنا من خلاله عملاً تاريخيا تمت كتابته من ألف عام .. فأنت في المسرح أمام جمهور يتفاعل معك آنيا وفي نفس اللحظة، تخاطبهم وتتحاور معهم من خلال نص وحركة وهدف وخلاصة وأنا بالنسبة لي النص والحركة والهدف والخلاصة هم الإنسان وحريته وقيمته وحلمه داخل وطن يستشعر فيه الأمن، فالوطن إن لم تستشعر فيه الأمن كيف بالله عليك يكون وطناً، ومن هنا ومن تلك الزاوية تحديداً أتذكر نص كتبته وأخرجته في الجماهيرية الليبية وكان اسمه لعبة منهجية وهي من المنهج الدراسي الليبي لمادة الجغرافية وطبعاً ( جرجرني ) هذا النص الى دهاليز التحقيقات بمقر المخابرات في ليبيا 2001، ثم بعد عودتي للعراق عام 2003 قمت بتأليف وإخراج مسرحية "مونودراما" بعنوان قصة وطن وهي تتحدث عن ظروف العراقيين ايام صدام حسين، وقد نبذت فيها سلوك القادمين لسدة الحكم والمليشيات فكانت تلك " المونودراما" سببا رئيسيا في خروجي من العراق الى سوريا بعد عرضها في مهرجان الربيع الاول في بابل 2004 وفي الصويرة 2005 وهي البلد التي تم العبث فيها بالديكور من قبل جماعة منعت عرض المسرحية في اليوم الثاني وقد كانوا جماعة من حزب يقوده إبراهيم اشيقر !! وارغمت بعدها وبعد تهديدي وعائلتي بالقتل أن أخرج مع عائلتي من العراق واستطعت أن أدخل بهم الولايات المتحدة في عام 2007 بعد رحلات هجرة في بلاد كثيرة أهمها السودان وسوريا وليبيا ومصر.

المسرح إذن ( جر ) عليك المشاكل التي أدت الى حد التهديد بالتصفية الجسدية لك ولعائلتك؟.
ليست المشكلة في المسرح ولكن القضية كلها في الحرية، ومدى قبول الآخر لحريتك، هم يريدون مسرحا مفرغا من معناه وأنا لا أملك إلا مسرحا يقدم القيمة وسأظل مؤمنا بذلك للنهاية بل أني أعكف الآن على كتابة نص اسمه " إن عدت .... سيقتلونك ".

أنت تصر على مغاضبة بعض الأنظمة؟
أنا اصراري كله على أن نمتلك الإحساس بالحرية داخل وطن نحبه ونؤمن به وبالانتماء إليه، فإذا كانت الحرية تغضب بعض الأنظمة فهذه ليست مشكلتي أنا ولكنها مشكلة تلك الأنظمة ذاتها.

أرغمت على ترك العراق بشكل نهائي بعد تهديدك وعائلتك بالقتل في عام 2007، والآن أنت تعيش في ترحال وغربة دائمين، فهل أثرت الغربة على عطاءك المسرحي؟
نعم .. وبشكل كبير .. لقد كانت غربتي الاولى الى شمال افريقيا كما سبق وذكرت لك ووقتها اعددت اول نص مسرحي في ليبيا وقد حصد هذا النص على كل جوائز مهرجانات ليبيا كعاصمة وكدولة وكتبت اعمالا في غاية الاهمية وخاصة فيما يخص مسرح الطفل، منها مسرحية البستان ومسرحية السندباد الكبير الماخوذة عن الف ليلة وليلة وكذلك مسرحية محنة وطن التي تحدثت فيها عن الحظر الجوي على ليبيا وعن الحصار القاتل على العراق واعددت عن قصيدة احمد رفيق المهدوي الفتى الشهيد غيث وقمت باختيار طفل فنالت جوائز كثيرة ثم حصلت على جائزة مسلمي الفلبين حيث كانوا ضيوف ليبيا آنذاك هذا إلى جانب نصوص مسرحية اخرى منتقاة من المنهج المدرسي الليبي وكان أحد هذه الأعمال بعنوان لعبة منهجية. 

لعبة منهجية تلك المسرحية التي استدعتك بسببها المخابرات الليبية؟
نعم .. استدعتني المخابرات لكون الفكرة في طرحها كانت جريئة جدا جدا وقد قدمتها فيما يسمى المختبر المسرحي وهو عبارة عن مشاهد مهمة من المسرح العالمي، هذا بحكم عملي في شعبة التربية الفنية بمعهد اعداد المعلمات العالي وعملي المتزامن في النشاط المدرسي الليبي بطرابلس العاصمة.

ياصبر أيوب هي إحدى نصوصك المسرحية التي فازت بإجماع لجنة القراءة المكونة من كبار المخرجين المسرحيين المصريين لتنشر في أول مجلد عربي لنصوص المسرح المعاصر الذي أنتجته دار نون للنشر والإعلام، ترى ما الذي دفعك إلى أن تكتب هذا النص ولماذا استعنت بالشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وليس غيره؟
الذي دفعني لكتابة هذا النص المهم هي قصيدة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد التي استفزتني منذ أن حصلت عليها عام 1995 وحينما كنت في سوريا طلبوا مني هناك ان اخرج عملا مسرحيا فتذكرت القصيدة الكبيرة يا صبر ايوب التي كتبها الشاعر عبد الرازق عبد الواحد وتناولت بعضا من ابياتها ومابين سطور القصيدة اخترت معاناة المرأة العراقية خاصة بعد الاحتلال وانتشار المليشيات المسلحة بعد تفجير الامامين في سامراء من قبل فيلق القدس او تنظيم القاعدة اذ لافرق بينهما لكونهما يحصلون على دعم مادي وسياسي ومعنوي من قبل حكومة ايران وفيلق القدس على وجه الدقة.

ولكن ياصبر ايوب نص سياسي شديد الحساسية ويتحدث عن امور غاية في الاهمية لم يكن يعلم عنها المشاهد أو ربما المواطن العراقي شئ .. فهل هذا دور المسرح من وجهة نظرك، أن يميط اللثام سياسيا عن امور يجهلها العامة؟
المسرح يااستاذ محيي هو لغة الوعي، ونحن في العراق نعيش مع قلة من شخصيات موجوده على سلم السلطة وتريد اثارة الفتنة وآخرين يريدون تصدير الثورة الإيرانية الى دول الجوار ومن هؤلاء الذين نجحوا في اثارة الفتنة رئيس الوزراء السابق الدكتور اشيقر الذي اصبح اسمه بعد توليه رئاسة الوزراء ابراهيم الجعفري حيث اصدر حزبه وتحديداً المكتب العسكري فيه قرارا بالقضاء على السنة وتهجيرهم وتزامن مع قرارهم هذا قرار جيش المهدي بتصفية السنة ايضا والادلة موجودة، بل أن كثير من التنظيمات التي يدعمها قيلق القدس - السيء السمعة - هم على رأس تلك الفتن ومن هنا كان النص وكانت مسرحية يا صبر ايوب فهم قد دفعوا الناس للتهجير ومن بقى مثلوا بجثته وقتلوا واغتصبوا وعبثوا بالارض فسادا وها انذا اليوم بامريكا فهي الوحيدة التي وفرت لنا الامن وسمحت لنا بحرية التعبير هنا في بلادهم في حين ان الدول التي تتحدث عن عدوانية امريكا وتدعم الارهاب حاربتنا بقسوة باسم القومية والوطنية ...كارثة يا صديقي كارثة ان يحميك عدوك من ابن عمك واخيك امريكا بالنسبة لي هي الصديق لان عناصر الصداقة تتوفر فيها اكثر من منتفعي السماء المعممين بالعمائم الملونة الحمراء والخضراء والسوداء والبيضاء ...فكتبت العمل المسرحي والتقيت الشاعر الرائع وحصل ان اخرجت العمل ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه ....!!

سبق وان اخرجت صبر ايوب في دمشق وعلمنا أنك تقوم بتجهيزه مرة اخرى لعرضة في الولايات المتحدة وكندا .. ما هو جديدك في إعادة عرض هذا العمل مرة اخرى؟
لد سبق واخرجت هذا العمل برؤيا اخراجية وسينوغرافيا مهمين جدا حيث الرمزية لكن العنصر الذي رشحوه لي في سوريا كممثلة لم يكن متعاونا دون ان يدري فقد كانت الممثلة - مع تقديري لها - متاثرة باسلوب القفشات في محطة الشرقية الفضائية فلم تستطع ان تؤدي الدوربالشكل الصحيح اضافة الى انها لاتجيد اللغة العربية الفصحى ... والطامة الكبرى في ليلة العرض حيث حضر المخرج المعروف محسن العزاوي فتدخل واكتشفت انه راغبا لامحال في ان يكون جزء من العرض المسرحي فاسندت اليه دور شاهد العرض وتم التمرين على اساس ذلك لكن هناك نية خبيثة مبيته حيث انهم اصروا على اشتراكه فكنت بين المطرقة والسندان لم ارد ان اضيع جهودي وفي يوم العرض المسرحي وبحضور كبار الفنانين والادباء المقيمين في دمشق حيث محسن العزاوي لم يؤدي الواجبات الموكلة اليه قاصدا خلخلة العرض والعمل وزاد الطين بلة ان العمل تم تصويره ولم يعطوني نسخة التصوير ولكون ما حصل قد حصل قررت ان احقق امنيتي في اخراج العمل مع فنانة متعلمة فصار ان التقيت الفنانة الاستاذة خولة شاكر الجميلي حيث انها حاصلة على شهادة الماجستير وهي من الاوائل الذين تخرجوا من معهد الفنون الجميلة في بغداد ثم انها درست في المعهد العالي للفنون المسرحية بمصر ومن من خلال تجاربها السابقة ومعرفتي بامكانياتها فانا واثق كل الثقة بان يا صبر ايوب سيظهر في الولايات المتحدة برؤياه التي رسمتها وبشكل مغاير بنسبة كبيرة جدا علما ان المعاناة هنا اكبر حيث لقائنا يكون بجهود مضنية فهي في كندا وانا في نبراسكا وبيننا مسافة عشرين ساعة تقريبا بالسيارة ؟؟ لكن العمل سيظهر وباصرار واخلاص المتعاونين وسنشارك به في مهرجان العاصمة الاردنية عمان باذن الله.

عرفنا انك تمارس منهج جديد في الإخراج المسرحي وهو منهج الإخراج الديجيتال ( الرقمي ) حيث تقوم برسم الحركة المسرحية على الورق ثم تقوم بأخراج النص مع الممثلين عن طريق الانترنت واليوتيوب والماسينجر فكيف تمكنت من ممارسة هذه الأدوات؟ وهل هي استبداعة جديدة للمخرج العراقي الكبير ميثم السعدى للتحايل على بعد المسافة بين المخرج والممثل لعمل بروفات العروض؟ ولماذا الفنانه خوله شاكر بالذات اخترتها لتأدي دور صابرين؟
لابد للمخرج الذي يعاني من ضغوط بيئية وسياسية ويؤمن بفكرة الحرية أن يبحث عن وسائل جديدة لتقديم أفكاره وانا وجدت أن الفنانة العراقية المثقفة خولة شاكر تحمل من العلم والمعرفة المسرحية مايساهم في تسهيل التعامل مع الأدوات التكنولوجية الجديدة فهي بسبب دراستها الأكادمية للمسرح تجيد قراءة رموز وشفرات الحركة المسرحية التي يرسمها المخرج تماما كما يقرأ الموسيقي المحترف نوتة أي مقطوعة موسيقية ويقوم بعزفها بمجرد قراءتها رغم أنها كتبت منذ عشرات السنين، وخولة شاكر فنانة عراقية على مستوى رفيع ومحترفة وعليه فأنا ارسل لها خطوط الحركة المسرحية عبر الايميل ثم نتحاور بالساعات حولها بالماسينجير ثم تقوم هي بتصوير بروفاتها وتنقلها لي عبر اليوتيوب واشاهد تنفيذها للحركة ونتناقش حولها وهكذا، ولااخفيك سرا انه رغم بساطة الشرح الآن حول اسلوب الاخراج الديجيتال إلا اننا نعاني كثيرا من حيث التنفيذ اذ لابد ان تكون عالما بكل اسرار التكنولوجيا اضافة الى علمك الواعي بكل علوم المسرح، فالاخراج الديجيتال وتنفيذ الممثل للحركة الديجيتال هي مسألة غاية في التعقيد وتحتاج الى فنان وممثل من طراز خاص ومستوى احترافي رفيع وخولة شاكر ارى فيها تلك الفنانة والممثلة التي تمتلك ادواتها كممثلة محترفة حيث شاركت باعمال مسرحية عالمية ولكتاب مسرحيين عالميين بيرانديللو شكسبير جون اوزبورن ابسن صموئيل بيكيت يوجين يونسكو واخرين وقد كانت بارعة في اداء ادوارها وفي الاعمال التلفزيونية ايضا هي متمكنة حيث ان الممثل يجب ان يعرف ادواته كممثل وان مسرحيات المونودراما ذات الشخصية الواحدة خاصة المركبة منها تحتاج الى ممثل متمكن من ادواته وانسجام بينه وبين المخرج وكما قال جان كوكتو (تبقى قدرة المخرج على اخراج مسرحية قوامها ممثل واحد وتبقى قدرة الممثل ليتمكن من تسمير المشاهدين وهذاهو ما نطمح اليه؟

قبل أن ننتقل بالحديث مع الفنانة المسرحية العراقية خولة شاكر في كندا الآن نريد أن نسأل المخرج العراقي الفنان ميثم السعدى عن ماذا تمثل لديك المرأة العراقية؟ 
المرأة العراقية هي مثال النضال والكفاح والكرامة، فزوجتى كوثر كمثال حي للمرأة العراقية هي تلك المرأة القوية التي شاركتني افراحي واتراحي لم تتركني لحظة حتى في احلك لحظات الإضطهاد والتهديد، انتقلت معي في كل سفرياتي، كانت ومازالت تدعمني بكل قوة، تؤمن بكل ماأؤمن به ولم تتخلى عني لحظة واحدة حتى حينما قررنا القدوم الى أميركا، ان زوجتى مثال حي على قيمة المرأة العراقية وقوتها وكبريائها.

هل لذلك اخترت ممثلة وفنانة عراقية لتقوم بدور صابرين في مسرحية ياصبر أيوب؟
خولة شاكر هي ذلك الطراز الذي يجسد بوعي فني ودرامي كبيرين كبرياء العراقيين بشكل عام وكبرياء وعظمة المرأة العراقية على وجه الخصوص، فهي كفنانة عراقية استطاعت بفنها وحرفيتها أن تجسد عظمة المرأة العراقية ووجودها الثوري في مقاومة السلبيات والوقوف في وجه الإستعباد والقهر بكل شجاعة، المرأة العراقية يااستاذ محي هي ابنة حضارة عريقة اصيلة تمتد لآلاف السنين.

وبإنتقالنا للحديث عبر ( فون كونفرنس ) مع الفنانة خولة شاكر دفعنا سماع صوتها عبر الهاتف للحياة في جزء اساسي واصيل من تاريخ العراق كأمة فهي فنانة ونجمة مسرحية عراقية كانت زوجة لأحد أهم رواد الفن في تاريخ العراق الحديث وهو الفنان القدير راسم الجميلي الذي لايقل يقل أهمية بين الفنانين العرب عن السيد بدير وسعد اردش في مصر لتقريب أمثلة التشابه في القيمة، فهو مديرإذاعة القوات المسلحة العراقية منذ عام 1969 ومؤسس فرقة مسرح (14 تموز) وكذلك مؤسس الفرقة القومية للتمثيل وأسس عام 1987 مع سامي قفطان، محمد حسين عبد الرحيم فرقة مسرح دار السلام، وقدموا من خلالها مسرحيات شعبية كثيرة وكانت آخر أعماله هي قيامه بدور البطولة في المسلسل الكوميدي ( انباع الوطن ) الذي عرض على قناة الشرقية في رمضان 2007 وهو من اخراج اوس الشرقي.. وكان هذا العمل هو اخر اعماله التي انجزها قبيل وفاته بشهرين في سوريا متأثراً بمرض الفشل الكلوي عن عمر يناهز 69 عاماً ولأهمية هذا الفنان القدير للعراق وللفن العربي عامة ذكر بيان اصدره الرئيس العراقي جلال طالباني: "ان الفقيد كان واحدا من اعلام الفن العراقي على امتداد ما يقارب النصف قرن، وترك اثرا راسخا من خلال اعماله المسرحية والتلفزيونية والسينمائية."أما نقيب الفنانين العراقيين يحيى الجابري فقد قال عن راسم الجميلي أن أعماله قد اضحت الآن جزءا اساسيا من التراث الثقافي العراقي وأن وفاته تعتبر خسارة كبيرة للعراق والمسرح العراقي والمسرح العربي بوجه عام.

أنت إذن النجمة والفنانة العراقية خولة شاكر زوجة وفنانة ارتبطت انسانيا وفنيا بهذا الفنان العربي القدير راسم الجميلي؟
تاريخ ميلادي بدأ يوم زواجي به في 20 يوليو 1988، لقد كان راسم الجميلي بالنسبة لي الحبيب والزوج والمعلم، وحين فقدته بكيت إلى حد الإدماء.

بعد وفاة الزوج تعرضت الفنانة والنجمة العراقية لتهديدات كثيرة ولم تستثنيك أيادي الإرهاب والمليشيات المسلحة خاصة بعد أن قام – رحمه الله – بتمثيل دور البطولة في المسلسل الرمضاني السوري الذي تم عرضه عام 2007 وكان اسمه ( انباع الوطن ) فهل هذا كان الدافع لان تقيمي في كندا؟
حين رحل عني راسم الجميلي .. رحل كل شيء جميل من حولي.. رحلت الطيبة، والصبر، والحب، والوفاء، مثل رحيل الضحكة التي تأتي من القلب مرة واحدة ولم تعد مثلها.. لا ادري..فحين أسدلت ستائر عينيه الجميلتين، كأن ضياء الشمس أسدل ستائره ولم يبق سوى ليلي الطويل الذي اقضيه في سماع صوته في الريكوردر ومشاهدة صوره .. لذا فلم يكن تهديد خفافيش الظلام الذين يريدون بتر كل من له صله بحب ذلك الوطن يخيفيني أو يزعجني فتهديداتهم لم تكن في قوة مصابي لفراقه، فهم وتهديداتهم مجرد نكرات، جملة نشاز في خارج قاموس الوطن العراقي لاوجود لها وسرعان ماستنطفئ وتزول ورحلت إلى كندا.

الفنانة خولة شاكر طراز فريد من هؤلاء الفنانين العرب الذين يحملون الموهبة والعلم فهل لك ان تضيفي للقارئ بعضاً من مشوارك الفني والمهني؟
حصلت على الدبلوم من معهد الفنون الجميلة قسم المسرح/تمثيل، وكذلك على البكالوريوس من جامعة بغداد/ إخراج مسرحي، إضافة لحصولي على الماجستير من جامعة القاهرة في النقد والتحليل والتأليف الدرامي، وعملت رئيس قسم الإعلام في كلية الطب في الجامعة المستنصرية، وكذلك كنت أستاذة في معهد الفنون الجميلة، ومحاضرة في كلية الفنون الجميلة.

هل لديك أعمالا سواء خلال الدراسة أو بعدها جمعتك مع كبار الفنانين والمخرجين الكبار؟.
لقد شاركت مع اغلب المخرجين العراقيين في مجال المسرح عام 1980 حيث كنت طالبة في معهد الفنون الجميلة، منهم المخرج الفنان فتحي زين العابدين وأستاذي المخرج الفنان فخري العقيدي بثلاثة أعمال له وقد حصلت يومها في عمل مسرحي من إخراجه (مسرحيه مريض الوهم) وفي يوم المسرح العالمي بأفضل ممثلة، وكذلك مع الفنان والأستاذ بدري حسون فريد مسرحية (هوراس) ومع المخرج الدكتور عوني كرومي رحمه الله مسرحية الانسان الطيب ومع المخرج الدكتور صلاح القصب مسرحية الملك لير ومع الاستاذ المخرج سامي عبد الحميد مسرحية كليوباترا ومع المخرج الفنان سامي قفطان مسرحية (بيت الحبايب) وقد حصلت على افضل ممثلة في عام 1989، ولا أنسى اخي وأستاذي الدكتور علي حنون الذي شاركت معه في الكثير من الأعمال في سوريا أيضا منها (صندقجه) و(أم ستوري) و(جزيرة خورماشة) و(كاريكاتير) بعدة حلقات و(النخلة والجيران) كما أن لي مع الإخراج المسرحي عدة أعمال هي (الإسكافية العجيبة ..وين الصح وين الغلط..مهرجان الفرح..اكعد يا غافي.. عروسة العرايس).. وفي دمشق أخرجت مسرحية (بيت الطرب).

مالذي استفزك في مسرحية ياصبر ايوب التي كتبها واخرجها الفنان المسرحي العراقي ميثم السعدي؟
الذي استفزني في تلك السمفونيه هو كوني انسانه قبل ان اكون فنانه احاول ان ادافع بالكلمة الشريفة عنما حصل ويحصل الان لبلادي الجريح، ثانيا شخصية صابرين بطلة العمل في مسرحية ياصبر أيوب لم تكن مجرد شخصية عابره كتبها المؤلف, انما هي حالة من مجموع حالات موجوده في العراق الذي ما زال مغتصب, وانا اكبر مثال على واحدة من تلك الحالات فانا تعرضت وعائلتي للتهجير وقتل الكثير من عائلتي وخطف ولدي واغتصاب كل حقوقي فانا الان ارملة وثكلى على اخوتي الذين ذهبوا تحت رحمة الله حين تعرضوا للقتل والاختطاف ومليئة الاحزان على ازواج شقيقاتي الذين قتلوهم بدون ذنب ناهيك عن الحالات المؤلمة التي تعاني منها عائلتي لفراق الاحبة دون اي ذنب .. انا فنانه والفنان يدافع بالكلمة لان الكلمة حصن الحرية، والآن في بلدي الذبيح وليس فقط الجريح اكثر من اربع مليون ارملة واكثر من ستة مليون يتيم واما اللواتي بقين تجدهن بدون رجال وقطار العمر يذهب بهن دون توقف.

مالذي تراه الفنانة والنجمة العراقية خولة شاكر في نص ياصبر أيوب وتجد أن المؤلف كان صائباً فيه؟
المؤلف ركز على الحالة الموجودة في العراق وكان صائبا في ذلك التركيز ناهيك عن إعداد النص الشعري الذي استعان به من كتابة الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد وبما الرائع في هذا النص انه باللغة العربية الفصحى حيث تناول فيه المؤلف التراث والفلكلور الشعبي.

هل وافق النص هوى الفنانة العراقية خولة شاكر في تبني فكرة ما؟
لاشك، النص وافق بالفعل هوى في نفسي وهو الدفاع عن الحرية، الثورة في سبيل اقامة الوجود الانساني للمواطن داخل وطنه،في تلك المسرحية ساعلن دفاعا شرعيا عن حقوق المرأة في العراق ,ساعلن للملأ ان الفنان العراقي اينما توجه فكلمته هي نسمة سلام وحب وعطاء وليس صاروخ ..بالحب والسلام والعطاء نجعل كل طامع ممن اشاعوا على العراق بانه بلد الارهاب ان يغيروا تلك الافكار والمصطلحات انه بلد السلام العراق , نحن صابرون كصبر ايوب ما دام الله سبحانه وتعالى معنا ..نحن صابرون لاننا على حق ولم نأذي او نعتدي على احد ..في صبر ايوب نريد ان نعلن للعالم باسره ,لن تصبر اي بلد ولم تصمد مثلما صبر ابناء العراق لان الله مع الصابرين.

المجلة المصرية || نون

قراءة في القصة الجزائرية المعاصرة .. أحمد ختاوي أنموذجا

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
هنا تكمن قيمة القصص عند ختاوي، فهو لا يدعك – كقارئ – تفلت من يده بل يدفعك في كل صورة من صور إبداعه داخل العمل القصصي إلى أن تتأمل حتى تصل إلى درجة استفزاز الخيال لديك فتثري بخيالك الذي تم استفزازه – ايجابيا – سيناريو القصة لتصبح دون أن تدري مشاركا فيها وجزءا أصيلا منها بعدما أعطاك هو مفاتح الولوج والانغماس.

القصة هي درة تاج الأدب النثري لاشك، أما القصة الجزائرية فهي العلاقة بين الأرض والكبرياء الإنساني، فأنت لا تجد عند القاص الجزائري روح الانهزام، ولا تجد عنده ضميراً مصطنعاً، هكذا قال لي الصديق الروائي الجزائري الراحل الطاهر وطار حينما شرفني وحاورته عام 2002.
الضمير المصطنع .. هكذا إذن لخص وطار مدى تميز القصة الجزائرية – ربما عن غيرها – بكونها ضد كل ما هو مزيف وأنها تتفاعل مع الواقع في توافق منطقي للبحث دوماً عن مفاتيح ومنطق ثوري للأحداث وهذا – في اعتقادي – ما كلف الشعب الجزائري ما يقرب من مليون ومائة ألف شهيد، ثمناً لاستقلاله وحريته لكونه ببساطة شعب نستطيع وصفه باطمئنان أنه رمز للكبرياء الإنساني الحر بشكل عام ليس في وطننا العربي فقط وإنما على مستوى العالم ككل.
والمبدع الجزائري هو شريحة نقية تدل بجلاء على عنصر شعبه وأمته، وقد حمل هذا المبدع على عاتقه مسئوليات وطنية كبيره منذ كفاحه الأول ضد المحتل وحتى وقتنا الحاضر أهمها الحفاظ على الهوية واللغة والتراث من أن يتآكلوا بفعل الثقافة الغربية ودافع باستماتة – ومازال – في أن تكون الجزائر وطناً وحارساً من حراس اللغة والدين والتاريخ وربما يحضرني في هذا الصدد خلاصة ما قاله الباحث والعلامة الجزائري شريبط أحمد شريبط في مبحث له نادر الإحكام عن القصة الجزائرية والصادر عن اتحاد الكتاب العرب عام 1998 تحت عنوان "تطوّر البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة 1947 - 1985 ": لقد حفلت القصة الجزائرية منذ عام 1947م بتطور الرؤية الفنية، ويقظة الوعي الثوري، وأن القصة الجزائرية المعاصرة نشأت بالفعل على يد رجال المقاومة أصحاب الإيمان بعروبة الجزائر المدافعين عن الهوية ( التاريخ والتراث ) واللغة والدين كمحمد بن العابد الجلالي، ومحمد سعيد الزهراوي في حوالي عام 1924 ويعتبر شريبط عام 1924 هو عام بدايات القصة الجزائرية المعاصرة بالفعل، وإن كان يرى الطيب ولد ألعروسي مدير مكتبة معهد العالم العربي في باريس أن مع اكتشاف رواية "حكاية العشاق فى الحب والاشتياق" لمؤلفها الجزائري محمد بن إبراهيم ( 1806- 1886 ) والتي كتبها عام 1847، أن قناعات مؤرخي الرواية العربية اهتزت بالفعل؛ ففي حين كان يرى المؤرخون أن تاريخ الرواية العربية يبدأ بصدور رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل عام 1913، يأتي اكتشاف السنة التي صدرت فيها رواية محمد بن إبراهيم “حكاية العشاق” وهي سنة 1847 كي يقلب معطيات نشأة تاريخ الرواية العربية ويغيّر وجه المكتبة العربية باعتبارها الرواية العربية الأولى بدلا من رواية زينب لمحمد حسين هيكل التي صدرت سنة 1914.
ورغم كون القصة العربية عامة والجزائرية خاصة في بداياتها – من وجهة نظري - لا تدنو إلى مستوى تجارب متواضعة وإنما كلاسيكية سردية ووصفية في غالب فصولها إلا إنها في ذات الوقت لا ترقى لمستوى التطور الفني المتعارف عليه تقنياً ونقدياً، ويكفينا – حسباً – أن تكون البدايات جادة وتحمل من الحس الوطني ويقظة الوعي ما يدفعنا للفخر برموزها الأوائل، بل وسيزيدنا فخرا لو صح البحث في مسألة أن محمد بن إبراهيم هو أول من كتب القصة العربية في عام 1847 وسبق محمد حسين هيكل بستة وستين عاماً، إذ ستدفعنا صحة ذلك البحث إلى الإحساس الأعلى بالقيمة لعمق جذور فن القصة العربية المعاصرة الزمني أمام القصص الغربي المعاصر، أما بالنسبة للقصة القصيرة المعاصرة - ولكي تتم الإحاطة - فلابد أن لا نغفل كلمات الدكتور عبد المنعم تليمة (الأستاذ بكلية الآداب – جامعة عين شمس بمصر ) حول تاريخ القصة القصيرة المعاصرة حيث يقول: "وتذهب بعض الآراء إلى أن أول قصة قصيرة عربية بالشكل المتعارف عليه كانت قصة "في القطار" لمحمد تيمور، والتي نشرت في جريدة "السفور" سنة 1917، بينما هناك آراء أخرى تقول بأن أول قصة قصيرة عربية تظهر في العصر الحديث كانت لميخائيل نعيمة، وهي قصة "سنتها الجديدة" التي نشرت في بيروت عام 1914".
وربما يعتبر الكثيرين – وأنا منهم – أن أول نوفمبر عام 1954 - تاريخ قيام حرب التحرير الوطنية الكبرى - هو التاريخ الحقيقي للقفز فوق البدايات والتطور الفعلي في فن القصص الجزائري المعاصر سواء على صعيد الشكل أو المضمون، حيث عايشت " القصة " وتعايشت مع رجال الثورة وقاومت معهم المحتل بالكلمة والتصوير والتحفيز، وربما من القصاصين الذين تفرغوا للقصص الثوري فاضل المسعودي وعثمان سعدي ومحمد الصالح الصديق وعبد الله ركيبي، أما أبرزهم ممن أعتبرهم الكثير من النقاد والمتابعين لحركة الأدب في الجزائر أنهم كتاب جيل الثورة الفعليين (1954-1962) فكان الطاهر وطار وأبو العيد دودو وعبد الحميد بن هدوقة، واسيني الأعرج، رشيد بوجدرة ، - رغم إيماني من وجود العشرات غيرهم على نفس القامة الفنية لكن لم تكتب لهم الشهرة لأسباب ربما لاعلاقة لها بالأدب وانزووا بقامتهم في زاوية مظلمة من زوايا التاريخ ينتظرون من يفتش عن أعمالهم ويطلق أرواحهم مرة أخرى للنور ويرد لهم جميل كفاحهم الأول بعد انزوائهم في غياهب التهميش - ويمكننا الاطمئنان بعد عدة مباحث وقراءات لليقين بأن أول نص روائي جزائري معاصر مكتوب بالعربية ويحمل كل المواصفات الفنية المتعارف عليها نقديا هو رواية ريح الجنوب لعبد الحميد بن هدوقة (1925 - 1996) التي كتب لها الصدور في الجزائر عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع سنة 1971.
ونحن في هذا المقال لسنا بصدد الحديث الأكاديمي عن القصة الجزائرية كتاريخ ولكننا بصدد قراءة نقدية أولية لما بعد التاريخ، قراءة نقدية أولية معاصرة للقصة الجزائرية الآن ومبدعيها الحاليين الذين رغم اغتراب المناخ الثقافي العربي إلا أنهم آثروا إلا أن يكتبوا بالعربية لا الفرنسية ويتفاعلوا مع الثقافة الأم دونما اغتراب في كفاح نادر ومحمود ومن هؤلاء كان لابد لنا أن نأخذ أنموذجا فكان الأديب القصصي المعاصر أحمد ختاوي وكان اختيارنا له اختيارا عشوائيا لا يتبعه قصد أو ترصد وحيث سبقتنا إليه أعماله مثلما سبقتنا إلى غيره أعمالا كثيرة في غاية النضج والوعي لكتاب معاصرين أمثال ياسمينة صالح، خليل حشلاف، الـسعـيد مرابــطي، عيسى بن محمود، وغيرهم كثير لا يتسع المقال لذكرهم وإن كانوا بقامتهم وقيمتهم الإبداعية ملئ الوعي والضمير بالفعل.
يقول الدكتور عبد المالك مرتاض أن المضمون الاجتماعي في القصة الجزائرية المعاصرة قد استحوذ على خيال الكثير من كتاب القصة وخاصة محور الفقر ويعتبر مرتاض أن أهم عنصر في القضايا الاجتماعية هو عنصر الأرض والسكن والهجرة من أجل العمل، ثم يعلق " فما هذه المشاكل الاجتماعية إلا ثمرة من ثمرات الفقر الجاثم"، وربما لا أجد – مع الدكتور عبد المالك مرتاض - عيبا في أن يفضح القاص حالة اجتماعية سلبية داخل وطنه بل هي قمة الوعي الإبداعي، لكوننا لم ولن نكون مواطنين أصحاب قداسة في وطن من الملائكة فقط فذلك عين الشذوذ وذروة الخيال المريض إذ أن الوطن كما فيه الورع فيه الفاسد وكما يرفل حراً بأرواح مخلصيه نجده في فوضى أحيانا ممن يحاولوا أن يبيعوه بدراهم قليلة، ونجيب محفوظ على سبيل المثال لم يترك سلبية في وطنه إلا وأقام عليها حجة إبداعه القصصي وهي سبب قيمته كروائي بين أهله، وأتصور أن وطنا بلا فقر هو وطن بلا مبدعين، ووطن بلا غانية يستحيل أن تجد فيه رابعة العدوية.
وهنا تكمن قيمة القصص عند ختاوي، فهو لا يدعك – كقارئ – تفلت من يده بل يدفعك في كل صورة من صور إبداعه داخل العمل القصصي إلى أن تتأمل حتى تصل إلى درجة استفزاز الخيال لديك فتثري بخيالك الذي تم استفزازه – ايجابيا – سيناريو القصة لتصبح دون أن تدري مشاركا فيها وجزءا أصيلا منها بعدما أعطاك هو مفاتح الولوج والانغماس.
والقصص عند ختاوي يظهر لك فيه مدى عشقه واندماجه في محبة بلاده من أعلى نقطة في صحراء وطنه وحتى ظل النقطة عندما يدنو الوطن شمالا من البحر.
وهو يسلط الضوء دوما على القضايا الإنسانية في مجتمعة، مهموم من وعثاء الفقر والتهميش، غارق في الرمز تجاه عروبته التي يعتبرها الشريان الأورطي ووسيلة النجاة الوحيدة لعالمه المليء بالمتناقضات وحيث هذا العالم لا يرى أقرب النقاط إليه كما ينبغي ... لا يرى وطنه كما ينبغي، إنه يجنح دائماً بشفرة خاصة إلى تلك العلاقة الحميمية التي يجب أن تربط الكل بالأرض وربما استلهمني ارتباط ختاوي بالأرض وعشقه لها ولإرثه الحضاري منها إلى ترديد كلمات الشاعر المصري نجيب سرور حين قال:
حاسب على الأرض
حاسب وأنت بتدوسها
لو تنطق الأرض 
كنت توطي وتبوسها
فرغم الفقر وتدني الحالة الاجتماعية عند القاعدة العريضة من أبناء الوطن ورغم الغضب من تعثر الأحلام يدفعنا ختاوي إلى ألتماس الحل في الأرض والوطن وذلك في غالب أعماله التي أذكر منها، "إبط السفينة"، أطياف الرخام"، "بلح الليل"، نهيق المقهى"، أيوب يختلس أوجاعه"، منارة من عبث"، العبور إلى قيظ الهجير"، ونوفيلا " الترعة"، ولعل من أهم رواياته التي أعتبرها – بشكل شخصي - من أهم الروايات العربية في الفترة الأخيرة بل والتشديد على وجوب الاهتمام بها نقداً وتحليلاً ليس جزائريا فحسب بل عربيا أيضا هي رواية " المدينة بدم كذب " التي صدرت مؤخراً عن منشورات ليجوند بالجزائر والتي سأتحدث – حتماً - عن فاصل منها لأهميتها.
والظاهر عند ختاوي في غالب إبداعه أنه لا يقدم حلولا شخصية ذاتية من عنده لإيمانه بأنه مبدعاً ليس عليه أولا إلا تشريح مجتمعه واستبيان مواطن الضعف والقوة فيه ومن هذه النقطة تجده يقدم علامات استفهام في إطار إنساني عميق الدلالة لا يخلو من الرمزية تدفعك لان لا تجد حلا إلا في الأرض والوطن وليس في الاغتراب والهجرة، ختاوي يدفعك للثورة على ذاتك، على بؤسك، على من لعبوا بأقدارك وأحلامك وقادوك إلى حاضر شبه مظلم، يدفعك للثورة قبل الإنعتام التام.
إنه يستصرخ الناس، يستصرخ الكل في العودة للجذور، للبحث عن الذات الأصلية، الوجه الحقيقي للشخصية التي نمتلكها ويعرفها ويألفها فينا الوطن منذ أن صار وطناً، ففي قصة " الدقائق التي لاذت بالفرار" المكتوبة عام 2005، يأخذك ختاوي بسيناريو مكتوب بعناية إلى حالة الفقر التي يعاني منها البسطاء، قاعدة الوطن وحماته الأصليين، فالأم ولدها جائع وثدييها فارغين، والأب تم تسريحه من عمله ويطارده الدائنون، ومن هذه الانطلاقة يحكم ختاوي قبضته على مشاعرك الإنسانية ويبدأ في بناء الرمز الذي يريده للدلالة على خطب أكبر من الظاهر المعلن، فالأم وطن أما الأب فهو الرمز المسئول عن ذلك الوطن ومستقبله ( الطفل )، والكل محاصر حصار الجوع والبطالة رغم فتوة الأب وقدرته على الحماية والعطاء إلا أن الجوع صنع الدائنين الذين أوشكوا على وأد المستقبل وقتله في عبارة مؤثرة على لسان الأم ( الوطن ): طلائع الفجر وتباشير الصباح لاحت .. تحمد الله .. الطفل لم يفق، تقول في حسرة ومرارة وضيق في التنفس، والدائنون لزوجي كثيرون"، فالوطن عند ختاوي ثار على المحتل ولاحت بالثورة طلائع فجر وتباشير صباح لكن رغم ذلك فالمستقبل تائه مغيب نائم لا يفيق وربما هذه الحالة ترضي – قسراً - الأم لعجز الأب الآن عن خلق واقع وحاضر مشرق لكون الحاضر والواقع غارقان في مستنقع الديون، واقع وحاضر لا يكفيان ولا يدفعان لري ظمأ مستقبل يتعطش لكفاح الواقع واستثمار طاقات الحاضر وجهد الكل فيه، يرفع ختاوي صافرة التحذير لنا ويعلقها راية على كل خارطة الوطن وجغرافية المكان، فنحن إن كنا قد أخرجنا المحتل من بلادنا بالفعل إلا أننا تركنا له حق التحكم في أقدارنا ومستقبلنا، حتى أثقلت ديونه كاهل الوطن وكاهل مواطنيه، لم نعد نرى – رغم الاستقلال – مستقبلا يقظاً نستطيع استنهاضه وتحديد ملامحه بل ويتملكنا الخوف من ان نفقده من شدة التبعية بالديون والاغتراب السياسي والاجتماعي بل واغتراب الوعي والعقل في أحايين كثيرة.
وختاوي إلى جانب تحذيره القوي ينتبه دوماً في أن يلقي الخوف جانبا في حماسة ثورية ليدفع الناس إلى الاستفاقة كما في قصة " عناد في منتصف الوجع" التي كتبها عام 2008، في عبارات لا تخلو من الرمزية يوقظ فيها وعي القارئ حيث يقول في عبارة مهمة: 
كم أنا وديع! .. ظللت أرسم لوحاتي في يومياتي بالماء الوردي .. المفعم بالخطايا".
عبارة جاء بها ختاوي من ساحل عبقري للعبارات، فهو يصرخ بها في وجه من تولوا مسئولية الوطن وحكموه سواء منهم من حكم بالثورة وساد أو من ساد بلا ثورة، لقد رسموا مستقبل الناس بالوعود والورود والمكاسب الثورية والتحررية وكأن البلاد بهم ستتحول لبلاد السمن والعسل وحيث لم نر فيه – لحد الآن - سوى البؤس والفقر ومحاولة طمس ملامح الكبرياء فينا حتى تحولت وعودهم إلى أكاذيب وورودهم إلى أشواك وبمرور المد الثوري الذي صنعوه - بعدما أداروا ظهورهم للناس - تناسل الكذب فولد خطايا لا تغتفر ينبهنا لها ختاوي قبل فقدان الهوية وضياع الوطن، ويوجه كلامه من خلالها للطغاة في قول رائع: 
لقد كنت ودودا مع الفوضى، ولكن الآن حان الوقت كي يصمت المحموم بعبق الخطايا والآثام.
ثم يقفز بنا لقول أكثر إثارة وثقة في وجه الكذبة: 
أريد الصفح والعفو عن الفراشة التي تمتص رحيقها .. عن السفح المغموس في وحلك..".
عبارات ثورية واعية تمتلك أدوات إدراك الحال حتى عندما يسقط الطين على وجه ختاوي في نهاية القصة والذي يعتبره الأصل والحب والذي مع سقوطه - هنا - على وجهه وهنا فقط ستخرج الزهرة من لعنتها ليمتصه السفح ( الناس والوطن ) ليظل ويبقى للوطن عناده وكبريائه.
ولو أفردنا للرمز ( الأرض – الوطن ) عند ختاوي عنان التحليل والشرح ما وسعنا مقال وإنما لا يسعه إلا دراسة لأن الرمز عند مجمل أعمال ختاوي هي السبب الرئيس لأهمية أعماله بل وأهمية منهجه في كتابة القصة والرواية والتي يختلف فيهما عن كل من سبقوه ويتفرد من خلالهما بشخصية إبداعية لها وزنها ووجهها وطبيعتها وحيث يصب الكل في عشق الوطن.
وختاوي عندما يظهر لنا عشقه للوطن ورفضه لاغتراب العقل والوعي الوطني، لا يظهر لنا ذلك عن جهل، فهو إلى جانب ثقافته العربية الرفيعة يتمتع بثقافة فرنسية رفيعة المستوى، وهو يعلم بثقافتيه حال الاغتراب وحال الوطنية والانتماء، عن قرب وعن وعي، بل ويطبق ما يؤمن به على نفسه إذ يصر على الكتابة بلغة الوطن الأم رغم علمه ويقينه بما يعترى الوطن اليوم من حالة اغتراب وضعف ثقافي يمثلان منحنى خطر في طريق الثقافة العربية المعاصرة عموماً، وربما يصور ختاوي ذلك في روايته المهمة بل والأهم في الفترة الحالية وهي رواية " المدينة بدم كذب " والتي لابد أن تلقى اهتماما اكبر وبقعة ضوء اشد عليها لما تحويه من إسقاط خالص القيمة فيما يمر به الوطن والوعي والعقل العربي اليوم من فوضى الاغتراب وضعف الانتماء، وحيث الوطن عند ختاوي كما يقول هو في روايته: رحلة من الذات إلى الذات مسافة البرزخ، وحيث يصنع شخصيات روايته بعناية ودقة شديدين، فلكل اسم رمزيته ودلالته وأيدولوجيتة، بل حتى الأمكنة داخل هذه الرواية تتمتع برمزية ودلالات بعضها استمتعنا بفك شفراته والكثير مازلنا نستمتع بمحاولة فك اللثام عنه، فعائشة أصبحت الخادمة عند محمود لتخدم المقامرين في خمارته وحيث تحفظ أغاني سميرة توفيق في الأردن وأغاني الريف المغربي للشيخة الحمداوية وتتغنى بهما وهي تدور حول المقامرين، وأظن انه تصور يوضح إلى أي مدى أصبحنا نقامر بكل شئ في زمن الجوع والفقر، نبيع الدين والتاريخ والتراث لنشتري بهم ثمنا قليلا أو ربما ادني من ذلك منتظرين أن يعطف علينا المقامرين بالشعوب وأقدار الأمم بكلمة استحسان يخرجوها لنا مضطرين تحت وطأة ظرف أو حاجة لهم في نفس يعقوب.
ختاوي في هذه الرواية " المدينة بدم كذب " يقفز فوق السرد وهو يكتب بلغة أقرب إلى لغة السينما فهو غزير المشاهد يهتم بالتفاصيل وله حوارات كثيرة ولكن رغم أن الحوار دائما ما يخفف من كثافة العمل الروائي إلا أن الحوار في هذه الرواية هو من طراز السهل الممتنع فهو ليس بسيطا بجانب أنه يحمل الكثير من الرمزية ولكنه بالرغم من ذلك مفهوما ويدفعك للتركيز فيه بقوة حتى لا تتسرب منه فكرة أو يضيع منه خاطر.
وختاوي يقفز في روايته " المدينة بدم كذب " بين جغرافيا الزمان والمكان، الماضي والحاضر، والجزائر في وجدانه الروائي جزء من محيط عربي واسع يملأه بالهموم، المحيط كله تملأه الهموم، ولا تجد فصلا في هذه الرواية إلا وفيه رمزا لهذا الهم، مثل تلك الفقرة: 
الصيف على الأبواب .. فلسطين في خلدي .. اختاري يا عزيزتي:- البطاطا .. ماء اللحظة – كنفاني – أم شطيرة الخنزير .. أم مدى قادم هذا المساء على طاولة الخمارة؟؟.
إنها فقرة ذكية تحمل قبل أن يدفع فيها القارئ للاختيار الدفع لأن يجس القارئ حسه الوطني والعروبي أولاً، انه اختيار صعب ذلك الذي فرضه ختاوي على القارئ، هل سنختار الوطن أم عبودية الغرب .. ماء اللحظة أم شطيرة الخنزير لنصبح عبيد طاولات قمارهم التي يقامرون فيها بالأوطان وأقدار الناس.
ثم يأتي ختاوي في فقرة مؤثرة تدفع للتأمل الصامت والغاضب والمستفز في آن واحد حين يقرر أن ما يعلق في ذاكرته من القرآن الكريم الآن ( العرف – الأصل – الهوية ) لا يتعدى بضع آيات وهو الذي كان يحفظه كله يوما ما، لقد تلاشت أحزابه كلها من ذاكرته، لم يعد سوى اغتراب الوعي في زمن الخمارة.
أتصور أن رواية " المدينة بدم كذب " تحتاج إلى وقفة نقدية جادة من خلال نقاد أصحاب مسئولية إبداعية عروبية وليس فقط مسئولية إبداعية محلية الصنع لأهمية تلك الرواية وقيمتها بل وكونها من أهم المطبوعات الروائية الصادرة في الفترة الأخيرة وحيث وضعت أيدينا على واحد من أهم كتاب الرواية العربية المعاصرين الذين استثمروا الرمز لصالح قضايا أوسع واشمل من الانكفاء على الذات المحدودة، فهو كمبدع جزائري يعتبر الجزائر نقطة نور ينطلق منها إبداعه ليدلل من خلاله على كل مشاكلنا العربية والإقليمية والسياسية بروح مهذبة رقيقة لا تحمل عنصرية أو أفضلية أو سخرية، إنه يعتبر القاهرة وعمان والقدس والرياض وصنعاء والرباط وكل عواصم العرب هي العاصمة الجزائر، الكل عنده وطنه، لا فرق بين الفلاح الحارث للأرض في قرى " بوسمغون " مدينته الجنوبية في الجزائر مرقد الولي الصالح أحمد التيجاني وبين فلاح قرى مدينة في السودان أو مصر أو العراق أو موريتانيا، بل أنه وبحكم كونه كان أمينا وطنيا باتحاد الكتاب الجزائريين وفي هيئته التنفيذية يرى أن عروبة المبدع هي أصل وطنيته لأن الوطن إذا تعرى من محيطه صار لقيطا، وأهم نقطة عري وأهم سبب لصناعة الوطن اللقيط عند ختاوي هو اغتراب الوعي الوطني العربي وفوضى الأيديولوجيات.
لاشك أن ختاوي يحتاج إلى قراءة أكثر قوة لأعماله وأكثر إحاطة فقد استمتعت بقراءة بعض قصصه أكثر من مرة وربما يحضرني تصوره الأخير في ذات الرواية " المدينة بدم كذب": 
سقوط غرناطة لم يكن سوى سقوط الدمع في المآقي .. لم يكن سوى جحراً تختبئ فيه الفئران.
ثم يقفز قفزة درامية رائعة ومتقنة ليصنع لنا حوارا محترفاً يضغط به على الألم والجرح ليدفعنا بالشعور إلى أن هناك جرحا بالفعل حين يقول على لسان بطل روايته:
-- هل لي أن أكمل وضوئي الذي مازال معلقاً؟
= لا .. أجله إلى موعد آخر
-- غير ممكن
= بل ممكن وأكثر من ممكن
-- لكن من أنت .. لا أراك
= طيف في دمعك
-- وضوئي تأجل مثلما تؤجل الأحاجي
= للوضوء رب يحميه .. لا تقلق
-- صرخة الجرح أفلت كما الشجرة، كما النجم، هوت على رؤوس قطط كانت تتوضأ حسب طريقتها الخاصة، كان 
يكمل وضوءه وسط قطط لفظتها أمواج ( المحيط الأطلسي ) عندما قالت غرناطة: أجل يا ولدي الدمع يجب ما قبله.
ما أروع ذلك الحوار الذي يستدرجنا به ختاوي إلى نهاية عمله بما يحمله من ثورة وعمق وطني له قيمته، وربما أجدني مضطرا أيضا أن استدرج نفسي إلى النهاية وحيث أعمال ختاوي تأخذك إلى ما لانهاية، ولا أجد أروع من عبارة له كتبها في قصة " ويركل شكواه " المنشورة عام 2009 يقول فيها:
الأرض حامل .. لا تتلذذ بمولودها .. تتقيأ الوحل في أشكاله المستعصية .. تتوحم على الموز في عز الخريف وعلى الرمان في عز الصيف هما موجودان بوفرة، والريح حامل أيضاً لكنها عاقر، مثل خاتم الخطوبة والزفاف والطلاق، وخرج من المحكمة يركل شكواه، فيما استدركته المعاني، وهو يرش قصائد سميح القاسم بالتبن وبقايا عصير أيام خلت.
عبارة أقرب للحالة السياسية والاجتماعية والإنسانية في وطننا، ختاوي نفسه أحد أقرب الكتاب العرب لوجداننا السياسي والاجتماعي والإنساني. 
وأخلص في كلمتي إلى بيت من قصيدة " قبلة في جبين الملتقى " للشاعر الجزائري أحمد دوغان: "لا يأمن الوطن الجريح من العدا حتى يصـون تـرابه الشـريان".
المجلة المصرية || نون

قراءة في القصة الجزائرية المعاصرة .. أحمد ختاوي أنموذجا - بقلم: محيي الدين إبراهيم

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
هنا تكمن قيمة القصص عند ختاوي، فهو لا يدعك – كقارئ – تفلت من يده بل يدفعك في كل صورة من صور إبداعه داخل العمل القصصي إلى أن تتأمل حتى تصل إلى درجة استفزاز الخيال لديك فتثري بخيالك الذي تم استفزازه – ايجابيا – سيناريو القصة لتصبح دون أن تدري مشاركا فيها وجزءا أصيلا منها بعدما أعطاك هو مفاتح الولوج والانغماس.