السبت، 11 فبراير 2012

إذن ستبتلع الإخوان المسلمون الطُعم!!

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
أهم الدروس التي أدركناها بعد ( مجزرة بور سعيد ) هو خروج رئيس الوزراء أمام الشعب ليعلن أنه غير مسئول عن فرض الأمن أو تفعيل الملف الاقتصادي وهو الذي اشترط قبل قبوله منصب رئاسة الوزراء أن تكون له صلاحية رئيس جمهورية ليتبين لنا بعد ذلك وعلى لسانه أن حتى صلاحيات رئيس الجمهورية هي قبض ريح، نقش على ماء تلك المرحلة الانتقالية التي تسعى فيها قوى اقليمية وعالمية وداخلية في اسقاط مصر.

في مقال سابق اشرت إلى أن هناك محاولات غير مباشرة لتتورط الإخوان وذراعها السياسي ( حزب الحرية والعدالة ) في تفعيل ما يمكن تسميته مجازاً " ميليشيا أمنية " لتأمين الحفاظ على مكاسب بعضها يصب في مصلحة الوطن وبعضها يصب في صالح الجماعة نفسها لتظل موجودة في الحكم بعد أكثر من ثمانين عاما ( 1927 – 2012 ) في الشارع السياسي المصري دون المشاركة أبداً في الحكم ولو يوما واحداً حتى رغم كون غالب الضباط الأحرار أصحاب 1952 كانوا من تلاميذهم وربما منهم ولكن أداروا لهم الظهور، وذكرت مثال على تفعيل الميليشيا – وإن كان سلميا – لحظة تأمين مجلس الشعب وحصاره بشباب الإخوان لتأمينه من الشباب الغاضب في أول جلسة لانعقاده بعد فوز الإخوان بنسبة 45% من مقاعده.
الآن – اليوم - هناك شبه إجماع لكثير من القوى السياسية – حتى المناوئة للإخوان – تريد دفع حزبها صاحب الأغلبية البرلمانية لتكوين حكومة ائتلاف وطني تحل فوراً محل حكومة الجنزوري الحالية لسببين أهمهما: 
1- تقصير حكومة الجنزوري في الملف الأمني وهو أهم الملفات بالنسبة للشعب المصري حالياً.
وربما تحضرني حادثة قديمة حيث كنت صديقا مقربا للأستاذ فؤاد عبد الشافي ابن أخت فؤاد باشا سراج الدين زعيم الوفد – رحمهما الله - حيث ذكر لي الاستاذ عبد الشافي واقعة حدثت بين فؤاد باشا سراج الدين وبين الرئيس الراحل أنور السادات، إذ تم بينهما لقاءً اتسم بالودية بعد خصومة دامت كثيراً واعتقل فيها الأخوين سراج الدين طويلاً حيث دعا الرئيس أنور السادات فؤاد سراج الدين لتشكيل حكومة وفدية للخروج من أزمة انعدام الثقة في الحكومة الموجودة والتي كشف عن عورتها نواب الوفد المعارضين في البرلمان وقتها، وحينها وعد فؤاد باشا سراج الدين الرئيس السادات بأن يجمع اللجنة العليا لحزب الوفد للنظر في هذا الموضوع إذ لا يمكنه أن يتخذ قرارا منفردا سواء بالقبول أو الرفض دون الرجوع للحزب، وكان الرد بالرفض طبعاً وهو ما أستغربه حتى أقرب أصدقاء فؤاد سراج الدين وأقربائه السياسيين، فالرفض معناه ان يدير الوفد ظهره لأعظم فرصة يمكن أن يغتنمها الوفد بعد أكثر من ثلاثين عاما عاشها الوفد والوفديون في حالة إقصاء كامل واعتقال تعسفي منذ ثورة 1952، والغريب أن فؤاد سراج الدين كان هو صاحب اقتراح الرفض على اعضاء الوفد رغم أنه وعد الرئيس انور السادات بالنظر في المسألة، أما السبب الرئيسي الذي ساقه رئيس الوفد آنذاك لتبرير هذا الرفض هو محاولة ذكية من أنور السادات لتوريط الوفد في حكومة سينظر لها المصريون على أنها حكومة انقاذ وطني لتاريخ الوفد العريق ولكنها في الأصل ستكون حكومة أراجوزات الغرض منها تشويه صورة الوفد أمام الشعب لكون أخطاء النظام سياسيا واقتصاديا تحتاج لعقد من الزمان على الأقل ( عشرة سنوات ) وهو ما لن يصبر عليه الشعب المصري وهو أمر سيعتبره الشعب اخفاقاً للوفد وستضيع سمعته للأبد، بعد أن يقيلها السادات بالطبع ويرد كشف العورة بعورة مثلها أمام الشعب ويخرج منها المنتصر الوحيد، وهنا قال فؤاد باشا سراج الدين كلمته الشهيرة: أكرم لنا أن نظل في صف المعارضة نقوم بتقويم أداء الحكومة على أن نقوم بتشكيل حكومة تداوي اخطاء نظام فشل بالفعل، ولن تداويها وسنسقط أمام الشعب على ذنب لم نرتكبه، ثم اردف عبد الشافي قائلاً: الخلاصة يا محيي هي المثل المصري اللي بيقول: ما ينوب المخلص إلا تقطيع هدومه، واحنا هدومنا طول عمرها بيضا، أما النظام فمحتاج حرب عالمية تالتة عشان يخلص من ذنوبه.
هذه الحكاية أسوقها لكونها ذكرتني بحكمة فؤاد باشا في رؤية الفخ قبل أن يقع فيه ولا شك انه كان داهية سياسي، يدرك أن مصر تعاني من ملفين في غاية الأهمية منذ ثورة 1952 وخاصة منذ ما أشيع عن محاولة اغتيال جمال عبد الناصر 1954 ثم حرب 1956، وهما الملف الاقتصادي الذي تفاقم بقوة بعد توريط الجيش المصري في اليمن وما أعقبته الأحداث من نكسة 67 وكذلك الملف الأمني الذي تحولت بسببه مصر إلى شيع وطوائف أغلبها يحمل صبغات أيدولوجية، فكيف سيتم علاج ذلك – وهو ما فطن له فؤاد سراج الدين - في حكومة مدتها أربعة سنوات فقط لن تستطيع حل المشكلة الأمنية ولا الاقتصادية حتى لو كانت تملك عصا موسى.
أن تقبل الأغلبية البرلمانية إذن تشكيل حكومة انتقالية الآن وقبل انتخاب رئيس الجمهورية أو عمل الدستور فهذا معناه تورط الإخوان سياسيا وتلويث سمعتها الشعبية في مرحلة من ادق مراحل الأمة حرجاً إذ لن تسطع أي حكومة مهما كانت قوتها أن تنجح في رأب صدع أي ملف هام من ملفات الدولة خاصة الأمن والاقتصاد لكونها حكومة لا تملك حق اتخاذ القرار إذ أن القرار الآن – لعدم وجود رئيس ودستور – بموجب الإعلان الدستوري في يد ( المجلس العسكري )، ومن ثم سيكونون – شاءوا أم أبوا – مجرد عرائس تحركها الظروف تارة والمجلس العسكري تارة أخرى ولعل من أهم الدروس التي أدركناها بعد ( مجزرة بور سعيد ) هو خروج رئيس الوزراء أمام الشعب ونواب الشعب وتحت قبة مجلس الشعب ليعلن أنه غير مسئول عن فرض الأمن أو التعجيل بتفعيل الملف الاقتصادي وهو الذي اشترط قبل قبوله منصب رئاسة الوزراء أن تكون له صلاحية رئيس جمهورية وتم قبول هذا الشرط وصار رئيساً للوزراء بصلاحيات رئيس جمهورية ليتبين لنا بعد ذلك وعلى لسانه – تحت قبة البرلمان - أن حتى صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الجمهورية نفسه هي قبض ريح، لا شيء، نقش على ماء تلك المرحلة الانتقالية التي تسعى فيها قوى كثيرة اقليمية وعالمية وداخلية في اسقاط مصر.
الحل الوحيد لعدم سقوط الأقنعة هي استعادة الملف الأمني، هو أول شروط اللعبة، أول شروط الشعب، أول شروط الشارع للحكومة القادمة، ولكن في ظل تفكك مؤسسة الشرطة وانقسام قادتها بين من يدينون بالولاء لنزلاء طره وبين من يحاول ارتداء ثوب العهد الجديد، وصراع البلطجية على حكم الشارع، يجعل من المستحيل الثقة إطلاقاً في جهاز الشرطة الحالي نظراً لفوضى الولاء داخله، ومن ثم مستحيل أن تثق حكومة الإخوان في فرض الأمن على الشارع من خلال جهاز انعدمت ثقتهم في كثير من قياداته التي اغتالت وزيرها سياسياً في موقعة بور سعيد وكما قال هو بلسانه لأحد أصدقائه بأحد الاجتماعات بعد أن صار وزيراً: هناك لواءات كبار في الداخلية أصحاب سطوة وانا مش عايز انتحر، وهذا التصريح العفوي وغيره مما تؤكده الأحداث المأساوية تجعل أي قادم لرئاسة حكومة قادمة عليه أن يضحي بجهاز الشرطة بأكمله من أعلى رأس وحتى أصغر جندي لضمان بقائه في الحكم وضمان انحياز الشارع له أكبر فترة ممكنه، ولكن كيف يكون ذلك؟ كيف يتم التضحية بأكثر من نصف مليون شرطي هكذا مرة واحدة؟ ما هو الحل؟
الميليشيا هي الحل.
اذا رجعنا للخلف قليلا نجد أن مليونيات الثورة كانت تحسب كونها مليونيات بسبب تواجد كثير من القوى الإخوانية الكثيفة بها، والتي تقوم بتأمين مداخل ومخارج الميادين والمنشئات العامة واهمها مجلس الشعب الذي قام بحمايته المئات من شباب الإخوان، حتى اللجان الشعبية وقادتها اثناء اختفاء الشرطة بعد يوم 28 يناير وقبل تنحي المخلوع كانت بخبرة إخوانية واثبتت التجربة أنهم اكثر حكمة من جهاز الشرطة نفسه، ومن ثم فالتضحية بجهاز الشرطة وقادة الداخلية أمر سهل سياسيا وان كان مرفوض عند كثير من القوى التي ترفض انفراد الاخوان بالحكم بعد صبر ثمانين عاماً، ولكن رغم سهولة السيناريو سياسياً إلا أنه يحتاج لتنفيذ معقد على ارض الواقع وتدرجي وربما أتصور تصوراً يبدو خيالياً لبعض من أجزاءه مستعيناً بما طرأت بعض أحداثه السياسية على مصر في السابق:
1- تفعيل ( متدرج ) لدور العُمد والمشايخ في القرى والنجوع وشيخ الحارة في المدن. 
2- امداد العمدة بجيل جديد قوي من خفراء شباب مسلحين من أصحاب الثقة والولاء.
3- اعادة سيناريو ( 1943 – 1945 ) في دعم القرى والنجوع بقوى دفاع ذاتية مسلحة تحت إمارة قائد شعبي شاب – وقد كان جدي لأمي أحد هؤلاء القادة الشعبيين والعسكريين في قريته إحدى قرى محافظة الجيزة عام 1943 وحتى عام 1954 بعد الثورة وكان يتمتع بصلاحيات وزير حربية داخل 14 قرية أو ما يُطلق عليه زمام – ولكن إعادة هذا السيناريو سيتطلب تغييراً بسيطاً في المنهج اذ كانت في الأربعينيات تعاوناً بين الاخوان المسلمين والجيش المصري وتحت إمرة الجيش وبسلاح الجيش ضد الألمان والإنجليز بعدما هددوا بإغراق مصر في الحرب العالمية الثانية لتصبح اليوم ضد البلطجية والخارجين عن القانون وبشرعية شعبية وعلى الأقل برضا الجيش وهو التعاون الذي كان قديما أهم ثمرة من ثمراته ولادة تنظيم الضباط الأحرار.
4- احلال جيل القادة الحالي في البوليس المصري بجيل قيادي جديد وقوي من رجال الجيش ( جيل الوسط ) من ذوي الميول الإخوانية.
5- جعل سنوات الدراسة في كلية الشرطة 6 اشهر بدلا من اربعة سنوات وقبول دفعات الالتحاق من خريجي الكليات والمعاهد العليا على أن تكون الدراسة مقصورة على دراسة العلوم الشرطية فقط وإدارة أقسام البوليس ومديريات الأمن، تماماً كما كان عليه الحال قبل ثورة 1952.
6- تفعيل دور اللجان الشعبية المسلحة في أحياء مصر كلها من شباب الثقة والولاء.
7- تكون مدة تفعيل هذا السيناريو في مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تزيد عن عام على أن يراعى فيها البدء بالمدن الأكثر كثافة والأكثر تضرراً.
إذن لا مفر من أن تبتلع الإخوان الطعم – وكما قلت في مقال سابق: ستبتلعه - أجل ستبتلعه تحت قانون مُكره أخاك لا بطل وستحيي الإخوان ميليشيات الإخوان المسلحة كما فعلتها في الحرب العالمية الثانية ولكن هذه المرة بديلا عن الشرطة تحت مبرر حماية الجبهة الداخلية في ظل انعدام ثقة الشعب في وزارة الداخلية، ستحيي السيناريو القديم سواء في حكومة انتقالية أو حكومة دائمة.
لقد عشنا العنف ابتداءً من 25 يناير وحتى يوم تنحي المخلوع في 11 فبراير، ومنذ 11 فبراير وحتى الآن نعيش الأعنف. لن تهدأ القوى السياسية المختلفة التي تعتلي المشهد السياسي الحالي سواء تحت قبة البرلمان أو في ميادين التحرير المنتشرة بمدن مصر.
لن تنبذ تلك القوى الصدام من اجل القيادة.
لن ترضخ أمام ما يتصورونه من إقصاء.
الأكثر عنفاً لاشك قادم.
المجلة المصرية || نون

الأربعاء، 1 فبراير 2012

كل الطرق في مصر تؤدي إلى انقلاب عسكري

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
سيبلع – لاشك - الإخوان المسلمين "الطعم" وسيحمل فصيل عريض من شبابها السلاح دفاعا عن أنفسهم وممتلكاتهم وشرعيتهم الشعبية داخل البرلمان وخارجه بسبب الاستفزاز العنيف – الغير مُبرر - المضاد لهم باستمرار إن آجلاً أم عاجلاً، ومن ثم سيحمل المناوئين لهم السلاح تحت دعوى ( إشمعنى هما إللي يشيلوا سلاح وإحنا لأ!)
أكد المشهد السياسي الأخير في مصر يوم "ثلاثاء الإصرار" الذي توجه فيه ثوار ميدان التحرير إلى مجلس الشعب بلافتات تهتف بسقوط العسكر والإخوان المسلمين ومن ثم الاشتباكات التي حدثت إلى بداية تنامي وظهور ما يسمى بالمليشيات الشعبية ( المتناحرة ) أمام تضاؤل قوة الردع الوطنية من الشرطة بعد تشتتها نفسياً بسبب الرفض الشعبي لها، وميدانياً في ربوع مصر تلهث وراء الملثمين الذين ينهبون البنوك ومكاتب الصرافة.
والميلشيات الشعبية تبدأ دوما بجماعات غاضبة يائسة من وجود حل سياسي يرضيها - حتى ولو كان حلاً مستحيلا من وجهة نظر الواقع - ثم تتدرج إلى العنف في ظل ضعف قوة الردع الوطني الطبيعية، وغالباً ما تبدأ تلك الجماعات عنفها بمرحلته المتواضعة فيحمل بعض أفرادها عصي أو حجارة ثم يتدرج العنف إلى فرض الرأي بالقوة فيحمل بعض أفرادها السلاح البسيط ( سكاكين – خناجر وخلافه ) مع شنق المعارضين لها أو ما يرونه متهماً دون محاكمة في ميدان عام أمام أعين الناس كما حدث يوم الأربعاء 31 يناير – على سبيل المثال – في قرية "هرية رزنة" بمحافظة الشرقية وحيث شنق الشباب هناك شابين آخرين فوق أعمدة الإنارة دون محاكمة على اعتبار أنهما ارهابيين، إلى أن تنتهي تلك الجماعات الغاضبة من سلمية بسيطة إلى ميليشيات قاسية متصارعة يتمتع كل منها بجيش شبه نظامي غير شرعي مدجج بكل وسائل الإرهاب كما حدث في بلدان مجاورة كبيرة أهمها العراق ولبنان، وحيث يمارس كل فريق منهم فرض رأيه السياسي بالقوة أو التصفية الجسدية على الطرف الآخر.
ومن المدهش أن نجد في مصر اليوم أساتذة كباراً معظمهم يسبق اسمه حرف ( دال ) يشعلوا فتيل نمو هذه الظاهرة أمام شاشات التليفزيون حيث يقولون: نحن الآن في مرحلة هامة من مراحل هذا الوطن من يقرر فيها فقط هو "الشارع"!، أي شارع الذي يتحدثون عنه؟، ومن هو رأس الشارع الذي سيتحمل مسئولية الكارثة حين تحدث، إنه العار الذي تتناقله كل برامج ( التوك شو ) وحيث صار الجميع في تلك البرامج كالقطيع الممسوس يرددون كلمات أقل كلمة منها تُسقط وطن بكامله إلى قاع الحضارة والمدنية، ولاشك أن مصر إن كانت تعاني اليوم فإن سرطان معاناتها الأكبر يكمن في إعلامها المرئي والمسموع، فأي وطن هذا الذي يتحدثون بأسمة وأسم شوارعه؟.
لاشك أن هناك قوة مدعومة ( ربما خارجيا وبقوة ) تحاول دفع الإخوان المسلمين ( تحديداً ) عن طريق الهجوم عليها وعلى حزبها في أن تأخذ ( عار ) المبادرة الأولى بتكوين ميليشيا الدفاع عن نفسها حتى ولو كانت هذه الميليشيا في بدايتها لا تحمل سلاحاً كما حدث من شبابها ( المنظم جداً ) في دفاعه – دون سلاح – عن مجلس الشعب ضد من حاولوا اقتحامه على حد تعبيرهم يوم "ثلاثاء الإصرار"، حيث وقف شباب الإخوان في صفوف نظامية ( صف وراء صف وراء صف ) اكثر من ثلاثة عشرة صفاً منتظماً كأنهم بنيان مرصوص، مما دفع الآخرين للثأر من عدم تمكنهم الوصول للمجلس فحدثت مناوشات كادت أن تتسبب في مجزرة.
سيبلع – لاشك - الإخوان المسلمين "الطعم" وسيحمل فصيل عريض من شبابها السلاح دفاعا عن أنفسهم وممتلكاتهم وشرعيتهم الشعبية داخل البرلمان وخارجه بسبب الاستفزاز العنيف – الغير مُبرر - المضاد لهم باستمرار إن آجلاً أم عاجلاً، ومن ثم سيحمل المناوئين لهم السلاح تحت دعوى ( إشمعنى هما إللي يشيلوا سلاح وإحنا لأ!) وقد اكدت الظروف أن الإخوان المسلمين أكثر فصائل الشارع السياسي تنظيماً، هذا إذا فرضنا وجود فصيل آخر يوازيهم في القوة التنظيمية أو السياسية داخل حقل السياسة في مصر وهو ما آثار احقاد الكثير من فصائل المعارضة التقليدية، الذين اعتبروهم مغتصبي السُلطة الشرعية للبلاد بغطاء شعبي أعلنت عنه صناديق الانتخاب في كل ربوع مصر، ومن ثم نسأل: متى يصل الاستفزاز مراحله العظمى وتحمل فيه القوى المتضادة السلاح في وجه بعضهم البعض ايذاناً بسقوط الوطن؟ وهل ستسقط مصر؟!. 
حين يحدث ذلك لن يأمن أحد في مصر على ماله أو أهله أو عرضه، وما حدث لشابين من شنق على أعمدة الإنارة بمحافظة الشرقية باعتبارهما ( بلاطجة ) سيحدث للأبرياء أيضاً – في ظل ضعف أمني كارثي - على اعتبار أن هؤلاء الأبرياء من ذوي الأملاك، كما حدث في محافظة قنا بصعيد مصر يوم 27 يناير 2011 وتم اغتيال مصري برئ لا لشئ إلا لكونه رفض دفع ( إتاوة ) مقدارها خمسة ملايين جنية يمتلكها بالفعل ليفدي بها ابنه المختطف!.
قال لي أحد الإعلاميين المنتشرين في ميدان التحرير ممن لا تعرف لهم اسماً أو هوية أن ما نحن فيه سببه المباشر هو ( غباء ) المجلس العسكري!، فنظرت إليه لأتأكد من اتزانه حيث لا يمكن أن تلقي بآرائك هكذا لمن تعرفه ومن لا تعرفه!، وبادرته بقولي: تقصد أن قادة الجيش المصري الذي أذهل العالم بانتصار اكتوبر رغم ضعف الإمكانات وقتها هم أغبياء؟، فقال: هناك فرق بين المجلس العسكري وبين الجيش! فقلت له: لعن الله الإعلام لعنة تحيط به ليوم القيامة فلا يلقى بها وجه الله ابداً!، فغضب مني أشد الغضب وقال لي: تدعو لي باللعنة لمجرد أني أقول لك رأيي؟، فقلت له: بل ادعو على الإعلام باللعنة وحيث هناك فرق يا صديقي بين الإعلام والإعلامي؛ فسكت وهدأ وأدرك الفوضى الموجودة برأسه وهنا بادرته بقولي: قل صبر الجيش ولا تقل غباء قادته، فقال لي وضح مسألتك؟، فقلت: المستقبل سيوضح عنف المسألة، وحينها أصر على طلب رقم تليفوني المحمول لاستضافتي في قناته الفضائية التي لم اهتم بالسؤال عن اسمها واكتفيت له بقولي أني لا أحمل ( تليفون جوال )!.
بلد بحجم مصر وجيش مصر الوحيد الباقي في المنطقة كأكبر قوة ردع عربية بعد تفكك جيش العراق وتحزب جيش سوريا وإنهاك جيش السودان، هو العائق الوحيد القوي المتبقي الآن أمام طموحات اسرائيل في المنطقة، الكل يعلم هذا حتى بعض العرب الذين لا يطيقون لثورة مصر أن تنجح، ومن ثم فالسبيل الوحيد هو كسر هيبة هذا الجيش أمام الشعب، وهذا الوهم لن يتحقق لسببين، أولهما أن جيش مصر هو قطاع طولي من كافة فصائل الشعب فعلى سبيل المثال المشير طنطاوي مصري من جذور نوبية وصاحب اختراع تدمير خط بارليف في حرب اكتوبر 73 اللواء باقي يوسف هو مصري قبطي والفريق سامي عنان من فلاحين مصر، ومن ثم فالجيش المصري لا يستأثر بقيادته فصيل معين من فصائل المجتمع المصري، لذا فهو جيش وطني بكل ما تحمله كلمة وطني من معنى وهذا سيجرنا للسبب الثاني وهو أن الجيش المصري سيقف ورائه كل شعب مصر بنسبة لن تقل عن 65 مليون نسمة من حجم شعب مصر بكافة فصائله وطوائفه معظمهم من الفلاحين والعمال، وسيشكلون درعا بشريا عظيماً وهائلاً لدعم الجيش والحفاظ على هيبته في الداخل والخارج، وهذا السبب الثاني هو ما يشكل عبئاً حضارياً على اسرائيل وحلفائها ويبحثون عن سبيل – أي سبيل - لاختراقه ليسهل عليهم كسر مصر، وإذلال شعبها، ومن ثم إذلال الشعب العربي كله الذي استشعر الهوان بعد ان مزقت اميركا جيش العراق الوطني وقامت بحله.
حين يتأزم الأمر السياسي في مصر – وهو لاشك في أزمة – وحين يتحول الصراع السياسي والأمني إلى فوضى في الشوارع، سيتحرك بعض قادة الجيش ( من جيل الوسط ) لعمل انقلاب عسكري سريع، يتم به الاستيلاء على السلطة، تماماً كما حدث في 1952 مع بعض الفروق البسيطة لضمان صمت الغرب لإنجاح الانقلاب:
1- ضمان عدم الإضرار بمصالح الغرب الموجودة أصلاً في مصر.
2- التفاوض بشأن تعاون (بعد نجاح الانقلاب ) بين مصر والشركات الغربية.
3- التفاوض بشأن النظر في قبول التعاون فيما قد يسمى قوة الردع العالمية المشتركة في جنوب البحر المتوسط وباب المندب وبحر العرب ضد أي أعمال تخريب اقليمية.
4- التفاوض بشأن تسهيل أعمال المناورات الدورية العسكرية ( المشتركة ) بالبحر والجو.
5- التأكيد على احترام معاهدة كامب ديفيد مادامت تحترمها اسرائيل وتحترم كافة بنودها.
6- التفاوض بشأن اقصاء المتشددين من مناصب اتخاذ القرار السياسي في مصر.
7- إلغاء كافة الأحزاب المنشأة قبل انقلاب الجيش لتحقيق مناخ سياسي ثوري جديد، يضمن الاستقرار المستقبلي لمصر والمنطقة.
8- العفو الصحي عن مبارك والحفاظ على تاريخه العسكري.
وربما أذكر هنا - رمزيا - بعض البنود التي اتصورها والتي حتما سيكون غيرها كثير، لكني اذكر هذه البنود وإن تغيرت صيغتها في المستقبل لأسباب اهمها:
1- مقابل عدم الإضرار بمصالح الغرب يجب على الغرب عدم الإضرار بمصالح مصر ( ما بعد الانقلاب ) وأهمها: التخلص من نشطاء المجتمع المدني عن طريق التهجير القسري كما حدث مع غالب الفصائل السياسية بعد ثورة 1952 أو الإقصاء السياسي كما حدث مع اللواء محمد نجيب ولزم فيلا زينب الوكيل بالمرج عشرين عاماً حتى مات، ومن يعاند من هذه الفصائل ولا يقبل بالعهد الجديد فعلى الغرب غض البصر عن الاعتقال السياسي لبعضهم لحماية الأمة ( مقابل ضمان المصالح المشتركة مع مصر ).
2- التفاوض بشأن تعاون حقيقي بين مصر والشركات الغربية العاملة في البلاد، مقابل فتح وظائف عمل جديدة ومجدية أمام الآلاف من شباب الخريجين العاطلين بالقرى والمدن الصغرى لطمأنه أكبر عدد ممكن من المؤيدين وخاصة قطاع الشباب في قرى ونجوع مصر وخاصة المدن الصغيرة، ومن ثم ضمان نجاح ثورة الجيش.
3- التفاوض بشأن التعاون في قوة الردع العالمية بجنوب البحرين المتوسط والأحمر واحترام معاهدة كامب ديفيد مقابل احترام رغبة الجيش المصري في التسلح بأحدث تقنيات الآلة العسكرية العالمية دون حظر او وصاية.
4- التفاوض بشأن اقصاء المتشددين من مناصب اتخاذ القرار وكذا إلغاء الأحزاب وقيام – بعد ذلك - احزاب دستورية بلا مرجعيات ايدولوجية مقابل تدعيم جنرالات الجيش الجدد في بسط سلطانهم السياسي على البلاد دون نقد غربي أو فرض حظر كالذي تم فرضه على ايران وسوريا.
5- العفو الصحي عن مبارك وضمان نزاهة تاريخه العسكري في حال ضمان رجوع نسبة كبيرة من الاموال المهربة بالخارج دون شرط الغرب في محاكمة المتهمين وكذا دعم الاقتصاد المصري وشطب اسم مصر من كشف الدول التي لا تدعم الديموقراطية.
هذه مجرد تصورات قد يعتبرها البعض جنوناً أو يعتبرها الآخر تخاريف كاتب رومانسي، تماماً مثلما حدث معي حين كتبت مقالاً بعنوان " مصر بنت الجيش يا ريس " قبل تنحي مبارك بأسبوع واعتبره الكثير ممن قرأوه سيناريو هابط ثم تراجعوا عن ذلك بعد اشهر حين وضحت الصورة وتكشفت لهم بعض حقائق وردت في هذا المقال.
وأكرر هنا ما سبق أن رددته في مقال سابق قبل ثورة 25 يناير بأشهر وتحديدا ابريل 2010 تحت عنوان "من صاحب الوطن والدستور والثورة؟" في جريدة لبنانية، ربما جريدة " بيروت تايمز" حيث قلت: 
الجيش – في عالمنا الثالث – هو صاحب المدفع، صاحب الدبابة والطائرة، صاحب النظام، هو مالك الوطن.
الجيش – في عالمنا الثالث – هو صاحب التغيير، صاحب الثورة، صاحب السلطة، هو مالك الدستور.
واستطردت في ذات المقال بالقول: إن جيوش المنطقة في ورطة حقيقية، ولن يدخل الجيش المصري هذه الورطة بإرادته أو رغماً عنه وسيكون خيار الموت أكرم وأعظم له ولشعب مصر من العيش في ظل احتلال جديد.
واكرر الآن: لن يقف الجيش المصري مكتوف الأيدي أمام فوضى – أي فوضى – قد تؤدي لسقوط الوطن، لن يفعلها، ربما يصبر ايماناً منه بوجوب انتهاء الفوضى لكنه لن يستسلم في حال استمرت، هذه هي طبيعته، ومن ثم لن يدع مصر هكذا تحيا التشتت الأقرب للتخريب والفساد حتى أصبح الكل فيها أشبه بدوائر صغيرة عنصرية منغلقة على نفسها مضغوطة عصبياً ويضغط بعضها على بعض ويفتت بعضها بعضا في أحلك فترات شعبنا المصري المعاصرة تناحراً.
لم يفقد المواطن ثقته في الجيش كما قد يتراءى للبعض، لم يفقد العمال والفلاحين – أكثر المتضررين من الفوضى – ثقتهم في الجيش، فالجيش من الشعب، كل الجيش من الشعب، ربما نحمل غضباً من الجيش أو مجلسه العسكري لتباطؤه أو ربما صبره، لكن الغضب لا يعني فقدان الثقة بل هو غضب الثقة، لقد دفع الغرب إلى انهيار الجيش العراقي وتشتته ودفع إلى تحزب الجيش السوري وتشتته وانهاك الجيش السوداني كل ذلك لصالح اسرائيل التي يؤمنون بضعفها وضعف ايمانها بالاستمرار أمام جيل شباب العرب الجديد المتحمس والقوي والذي يشكل رأس الحربة في الجيوش العربية المقاتلة، ومن ثم فالمصريون لن يفرطوا في جيش مصر لكونهم رأس حربته، لن يفرطوا في سقف الغرفة الوحيد الباقي ( عربياً ) متماسكاً فوق رؤوسهم - رغم الإعصار - ايماناً منهم في إنقاذ الوطن وانقاذ كرامته وكبريائه وتماسكه، وربما قليل من ضبط النفس للثوار والسياسيين والمجلس العسكري يدفع مصر الآن للاستمرار في تحولها الديموقراطي .. لأنه لا حلول وسط، فقط: ضبط النفس أو الطوفان.
المجلة المصرية || نون

الاثنين، 30 يناير 2012

صُباع الرئيس ( مرسي ) وأهل قناة السويس البواسل


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
أعلن د. مرسي ( رئيس مصر) حظر التجوال والطوارئ على شعب القناة كله كعقاب فلم تنفذه الناس بل وإمعانا في السخرية من القرار وممن قرر ومن مجلس الشورى الذي بارك ووافق، فاجأ أهل الاسماعيلية والسويس وبور سعيد شعب مصر والعالم ( خاصة أننا شعب ساخر بطبعه ) استبداع دوري لكرة قدم واطلقوا عليه ( دوري الحظر ) يستمر من الساعة العاشرة مساءً بعد الحظر بساعة ويستمر حتى الساعات الأولى من الصباح مما جعل إعلان حظر التجوال هو إعلان لسقوط هيبة الدولة وهيبة الرئاسة وهيبة النظام كما اسقط هيبة المستعمرين من قبل.
في خطابه الأخير مهدداً شعب مصر وجه الرئيس المصري ( صباعه ) اكثر من 70 مرة للناس وكأن شعب مصر تحول أمامه لجماعة من المجرمين والخارجين على القانون ودون وعي سياسي او تاريخي او جغرافي قرر حظر التجوال على مدن القنال كلها وهي مصيبة لم تجرؤ عليها أبداً انجلترا وفرنسا واسرائيل مجتمعة.
لاشك أن حول الرئيس مجموعة من المعاونين إما أنهم هواه يفخخون له ليسقط أو من الحاقدين عليه يفخخون له أيضا ليسقط، وقد عرفت من احد المقربين له أنه شديد العناد وربما هذا هو مفتاح الكارثة فالعنيد هو اسهل النفوس التي يمكن التلاعب بها، فيكفيك أن تستفزه استفزازاً صغيراً حتى يظن أنك تتحداه فيصر على عناده فتغرق السفينة كما يريدها من استفزه وتلاعب به، فينتصر الخصوم ويضيع اصحاب النوايا الحسنة مع من وثقوا بهم وصدقوا فيهم.

يعرف الجميع أن جماعة الإخوان هي جماعة عاشت وسط المجتمع المصري بل وفي قاع المجتمع المصري، ولكنهم يبدو من أفعالهم وكأنهم عاشوا كضيف في فندق لا علاقة لهم بنزلائه إذ أنهم اليوم نراهم وكأن أفعالهم تؤكد أنهم غرباء عن شعب مصر وربما تهديد محافظ كفر الشيخ الإخواني سعد الحسيني ( بصباعه أيضاً ) لشعب كفر الشيخ بأن الجماعة 5 مليون ولن تستطيع مصر مقاومتها أو شعب كفر الشيخ كله من أن يطرده من منصبه هي مسألة مستفزة وحاقدة وصبيانية من مسئول المفروض أن يكون على قدر من الوعي السياسي والشعبي، ومن ثم اعتبر شعب كفر الشيخ استفزاز سعد الحسيني اهانة له ولكبريائه فتجمعوا بالآلاف حول المحافظة وحول محل اقامة المحافظ وحرقوا مدرعة شرطة واقسموا على المحافظ ( الإخواني ) بأن يخرج وأن يستنجد بكتائبه الإخوانية ال5 مليون لكنه اختفى!! خاف المحافظ من غضبة شعب لم يحسب حساب لكلماته معه، هرب المحافظ ولم يظهر حتى كتابة هذا المقال!.
علمني ابي أنني إن رأيت خطأً قام به احد ابنائي فيجب ان لا أفكر في عقاب مباشر عنيف ضده لأنه إن لم ينفذه لن أقتله بالطبع لكونه ابني ( شعبي ) ولكني سأقتل هيبتي أمامه وسأصبح أباً بلا صلاحيات، أب غير محترم أمام ابناءه، والهيبة إن ضاعت لا تعود، حتى وإن انفقت عليها كنوز الدنيا!.
أعلن الرئيس المصري حظر التجوال والطوارئ على شعب القناة كله كعقاب فلم تنفذه الناس بل وإمعانا في السخرية من القرار وممن قرر ومن مجلس الشورى الذي بارك ووافق، فاجأ أهل الاسماعيلية والسويس وبور سعيد شعب مصر والعالم ( خاصة أننا شعب ساخر بطبعه ) استبداع دوري لكرة قدم واطلقوا عليه ( دوري الحظر ) يستمر من الساعة العاشرة مساءً بعد الحظر بساعة ويستمر حتى الساعات الأولى من الصباح مما جعل إعلان حظر التجوال هو إعلان لسقوط هيبة الدولة وهيبة الرئاسة وهيبة النظام كما اسقط هيبة المستعمرين من قبل.
والمدهش أن مصر تحتفل بأيام النصر المشهودة والشاهدة على الزمن، بيومين فقط قدمهما شعب القناة العظيم أولهما عيد النصر الذي أهداه شعب بور سعيد ببسالته وشهدائه للوطن يوم 23 ديسمبر عام 1956 بانتصاره على الفرنساوية والانجليز والصهاينة، والعيد القومي الذي أهداه شعب السويس ببسالته وشهدائه للوطن يوم 24 أكتوبر عام 1973، أي أن مصر وشعب مصر لا يحتفل بكرامته وكبريائه في النصر على أعدائه إلا في يومين اثنين قدمهما شعب القناة بتضحيته وانتمائه وحبه لتراب هذا الوطن، حتى أنني احمل في مكتبتي الخاصة أكثر من 40 ساعة تسجيل مع بعض من عاش من ثوار بورسعيد عام 56 يحكون فيها قصص بطولة تشيب من هولها الولدان، قصص عن بسالة شعب حارب ثلاث قوى غاشمة بأظافره وانتصر.
بورسعيد التي قال عنها ( جيفارا ) حينما زار مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر: بور سعيد هي من حررت شعوب أمريكا اللاتينية.
المدهش أن الرئاسة في أول احتفال شعب مصر بعيد النصر يوم 25 ديسمبر الماضي 2012 بعد اعتلاء الرئيس مرسي تم تجاهله تماماً وهو الأمر الذي لم يجرؤ عليه جمال عبد الناصر أو أنور السادات أو حتى الرئيس السابق المخلوع حسني مبارك، إذ لم يتوقع البورسعيدية أن تمر ذكرى عيد النصر دون أن تحتفل به الدولة وهي التي كانت المناسبة الأكبر في تاريخ مصر الحديث.
ولعل عدم الاحتفال بالذكرى الـ 56 لانتصار بورسعيد على العدوان الثلاثي كما يقول الاستاذ عبد الرحمن بصلة الصحفي بجريدة الوفد يرجع لرفض البورسعيدية لسياسية الإخوان المسلمين في بورسعيد وتدنى شعبيتهم بصورة ملحوظة.
لكن هل من المنطقي أن رئيس الدولة وهو رئيس منتخب على مستوى مصر كلها وليس مملوكا من مماليك السلجوقيين الذين كانوا يحكمون مصر بعد اغتصابها بتصويب المدافع عليها وعلى القلعة وسوق الجمعة بالإمام الشافعي أن يعاقب والذين معه شعباً بعينه كشعب مدن القناة عقاباً جماعيا وأن يتم فرض حظر التجوال عليه رغم تضحياته بل وكونهم الضحية أيضاً إذ سقط منهم 42 في بورسعيد وحدها و11 في السويس، لاشك أنه أمر لا يضع الرئيس وحده في سلة التاريخ ( السلبية ) ولكن يضع جماعة الاخوان المسلمون كلها رغم تاريخها السياسي المعروف في مكان اسود من كتاب التاريخ ويزيد حتماً من حدة الرفض الشعبي لهم حتى ولو كانوا يمتلكون مفاتح الترف للناس لأن الناس في مصر وكما يقول المثل: ياما دقت على رؤوسهم طبول وماتوا من الجوع في فترات كثيرة من التاريخ في سبيل حريتهم وكرامتهم وكبريائهم الحضاري وهو ما جعلهم يستحقون من الانبياء كل توقير ومن سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم كل ثقة في كونهم خير اجناد الارض بعكس ما يري ( بحسب ما يقع من ممارسات على الأرض ) سيادة الرئيس والذين معه.

أقول للإخوان .. لماذا هذا الاستفزاز وكأنكم غرباء عن شعب مصر؟ .. لماذا كل هذا التنطع والذل في لف العالم للاستجداء ( والشحاته ) باسم شعب مصر؟
وربما حتى أكون منطقيا يجب أن ألمح بأن شعب مصر لا يستطيع أن تحركه جماعة ولا جبهة ولا حزب، بل أن الجماعة والجبهة والحزب تحاول القفز على الشارع وثوار الشارع لتكتسب مكاناً سياسياً، ومن ثم فإن المشهد السياسي والنخبة السياسية في مصر سواء كانوا مولاه أو تيار اسلام سياسي أو جبهة انقاذ ومعارضة ليسوا على مستوى نضج الشارع، بل هم "صبيان الماضي" ولن يحكموا مصر، لأن الصراع في مصر الآن تطور تطوراً نوعياً شديد التعقيد بعيدا عن الأدلجة والدين والسياسة ليصبح صراعاً للأجيال، صراعاً عنيفاً بين الماضي والمستقبل في حكم الحاضر، الماضي المتمثل في ( عواجيز النخبة السياسية "صبيان الماضي" متصدري المشهد السياسي الآن ) وبين المستقبل المتمثل في شباب الثورة الغاضبين في شوارع وميادين مصر، وحتما ومنطقياً لا يحكم الأمم إلا المستقبل الذي يمتلك كل ما فقده الماضي من قدرة وقوة وحلم، وهذه هي الحقيقة القادمة، صدقوا هذا أو لا تصدقوه، اشهر قليلة وسيتغير وجه مصر تماماً، اشهر قليلة وسيحكم الثوار الحقيقيون مصر، فمصر لن تدع "صبيان الماضي" يعبثون بكرامة حاضرها ومستقبلها، حتى ولو قام "صبيان الماضي" بتوجيه ملايين الأصابع لعينها على شاكلة ( صباع الرئيس مرسي!).

الجمعة، 6 يناير 2012

هل المطالبة بإعدام مبارك تهدئة للشارع قبل 25 يناير؟

بقلم محيي الدين إبراهيم
لماذا فجأة تأخذ النيابة العامة هذا المنعطف السريع والخطير اليوم بعد مدة ثلاثة أشهر من تأجيل المحاكمة، تلك المدة التي تم فيها ذبح وقتل أكثر من 150 شاباً مصريا وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف آخرين بعضهم إصابات ميئوس من علاجها، ثم تفاجئنا النيابة – وهم لا شك رجال مخلصون - وتطالب بأقصى العقوبات وعقوبة الإعدام على كل من مبارك والعادلي؟.
لن تشفع لمبارك مساعي زوجته سوزان ثابت في الحصول على عفو صحي من خلال تطبيق القوانين الأوروبية على حالته لأنه مواطن مصري ولا يخضع إلا للقانون المصري مثله مثل كل شعب مصر الذي حكمه طيلة ثلاثين عاماً حتى ولو كان حاصلاً على جنسية زوجته ونجليه الإنجليزية!، ولأن هذه المحاولة كما قال حافظ أبو سعده رئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، تهدف بها سوزان ثابت الوصول إلى تطبيق نظام معمول به في أوروبا فقط لمن تجاوز عمره 80 عاما، ولديه عديد من الأمراض المزمنة، مشيرا إلى أن المنظمات في هذه الدول تعتبر أن الحبس غير مقبول عند الوصول إلى هذا العمر، وربما تلك الأوهام هي سبب حضوره جلسات المحاكمة على سرير نقال ليثبت للعالم ومنظماته ومن خلال كاميرات التليفزيون أنه صاحب أمراض مزمنة فعلاً تمهيداً للعفو عنه بقوانين انجليزية، رغم أنه كان أكرم له ولتاريخه العسكري ولمصر التي احتضنته رغما عنها رئيساً لثلاثة عقود، كان أكرم له بدلا من الإيمان بوهم هذا العفو الطبي الذي يظنه وزوجته ومنظماته أن يحضر جلسات محاكمته واقفاً على قدميه بكبرياء القادة ويدفع عن نفسه بكل كرامة تلك التهم المنسوبة إليه كجندي مصري شريف مهمته الرئيسة هي مجابهة الموت منذ أول لحظة اختار فيها أن يرتدي الزى العسكري عام 1946.
لن تشفع أيضاً لمبارك المادة 17 من قانون العقوبات التي يظن أنها ( الكوبري ) الذي سيعبره لشاطئ العفو الصحي أو التخفيف عنه في تطبيق عقوبة الإعدام تلك المادة التي يقول نصها: "يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من اجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة تبديل العقوبة من عقوبة الإعدام بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة". 
ولكن لن تشفع لمبارك مادة 17. 
لماذا لن تشفع هذه المادة لمبارك وتنقذه أيضاً من حبل المشنقة أو العفو الصحي؟ 
الجواب ببساطة يقع في المادة 77 من نفس قانون العقوبات المصري والتي تنص صراحة: 
" تطبيق عقوبة الإعدام على كل من ارتكب " عمدا " فعلا يؤدى إلى المساس باستقلال البلاد أو " وحدتها " أو سلامة أراضيها ولا يجوز تطبيق المادة 17 من هذا القانون بأي حال على جريمة من هذه الجرائم إذا وقعت من موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة". 
ولاشك أن مبارك والعادلي واحمد عز وجمال مبارك وحسين سالم وأحمد نظيف وبطرس غالي وزير المالية وصفوت الشريف وفتحي سرور وغيرهم وهم بلا شك موظفون عموم ارتكبوا عمداً أفعالاً أدت إلى المساس باستقلال البلاد ووحدتها كما أن نفس هذه المادة 77 ستجر العشرات من الوزراء وموظفي العموم الكبار ورؤساء الشركات العامة بل ورؤساء الجامعات في عهد مبارك ممن ساهموا في إفساد الحياة السياسية والعامة قبل الثورة وكذلك أثناء الثورة في إتلاف وفرم أوراق ومستندات وشرائط مرئية وصوتية ووسائط كمبيوتر هامة وفي غاية الأهمية داخل قصور الرئاسة وخارجها في مجلس الشورى ورئاسة الوزراء ومقرات الحزب الوطني بغرض تضليل العدالة وكشف الفساد إلى السجن لا محالة كما جاء بنص المادة 77 الفقرة (د) بند 2 حيث تقول: "يعاقب بالسجن إذا ارتكبت الجريمة في زمن سلم ، وبالأشغال الشاقة المؤقتة إذا ارتكبت في زمن حرب كل من أتلف عمدا أو أخفى أو اختلس أو زور أوراقا أو وثائق وهو يعلم أنها تتعلق بأمن الدولة أو بأية مصلحة قومية أخرى . فإذا وقعت الجريمة بقصد الإضرار بمركز البلاد الحربي أو السياسي أو الدبلوماسي أو الاقتصادي أو بقصد الإضرار بمصلحة قومية لها كانت العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة في زمن السلم والأشغال الشاقة المؤبدة في زمن الحرب، ولا يجوز تطبيق المادة 17 من هذا القانون بأي حال على جريمة من هذه الجرائم إذا وقعت من موظف عام أو شخص ذي صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة".
أما مسألة أن مبارك فوق الثمانين فليس هناك قانون مصري يأمر بالعفو الصحي أو يمنع من تنفيذ حكم الإعدام إلا إذا كان المحكوم عليه يبلغ من العمر أقل من 18 سنة وقت وقوع الجريمة.
والسؤال الملح هنا هو: لماذا إذن وفجأة تأخذ النيابة العامة هذا المنعطف السريع والخطير اليوم بعد مدة ثلاثة أشهر من تأجيل المحاكمة، تلك المدة التي تم فيها ذبح وقتل أكثر من 150 شاباً مصريا وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف آخرين بعضهم إصابات ميئوس من علاجها، ثم تفاجئنا النيابة – وهم لا شك رجال مخلصون ووطنيون - وتطالب بأقصى العقوبات وعقوبة الإعدام تحديدا على كل من مبارك والعادلي؟.
هل مرافعة النيابة العنيفة اليوم بإعدام مبارك والعادلي هي دفع خفي من قوة عليا ( مجهولة أو معلومة ) لمحاولة تهدئة غضب الشارع أو ربما إزالته قبل الاحتفال بمرور عام كامل على الثورة في 25 يناير القادم وهو عام لم يتم فيه أي انجاز لصالح الشعب وخاصة شباب مصر الذين ثاروا؟
هل مرافعة النيابة مجرد ( اسفنجة ) لامتصاص هذا الغضب الشعبي مخافة أن تثور الناس مرة أخرى بنفس القوة كما ثارت قبل عام؟
لو كان الأمر كذلك فهو مسألة غير محمودة العواقب خاصة في ظل كل هذا الاحتقان الذي تعيشه مصر وكادت أن تتفرق فيه لشيع وطوائف ممزقة ما بين ثوار التحرير وثوار العباسية وثوار مصطفى محمود وكل طائفة تتهم الأخرى وكل شيعة تدافع عن شخص بعينه؟
لو كانت المرافعة كذلك فإنها الخطيئة بعينها، لأنهم إن كانوا قد ترافعوا بكل هذا العنف ضد مبارك على أمل تخفيف الغضب الشعبي وغضب أهالي الشهداء حتى يمر يوم 25 يناير القادم بسلام ثم يحتكموا بعده إلى المادة 17 لتخفيف حكم الإعدام على مبارك بالسجن أو العفو الصحي فأنه سيكون أشبه بأمل المشركين في دخول الجنة بدون حساب، لأن المادة 77 كما ذكرت سابقاً تسحق عفو المادة 17، ومن ثم فقد لمعت ضمائر الناس بمرافعة النيابة ولن تستطيع قوة في الأرض أن تعيد هذه الناس مرة أخرى خطوة واحدة للوراء بعدما ظنوا أن زمن الإنصاف قادم.
أخشى ما أخشاه أن تكون هذه مناورة، والشعب المصري لا يقبل المناورات، ولا تنفع معه مثل هذه السيناريوهات السوداء التي لو كانت في محلها من حيث اللعب بمشاعر الناس وأهالي الشهداء وشباب الثوار فهي الضلال ذاته والكارثة بعينها ولن يستطيع أحد دفع هذا الشر وتوابعه.
المجلة المصرية || نون

هل المطالبة بإعدام مبارك تهدئة للشارع قبل 25 يناير؟ - بقلم: محيي الدين إبراهيم

بقلم محيي الدين إبراهيم
لماذا فجأة تأخذ النيابة العامة هذا المنعطف السريع والخطير اليوم بعد مدة ثلاثة أشهر من تأجيل المحاكمة، تلك المدة التي تم فيها ذبح وقتل أكثر من 150 شاباً مصريا وإصابة أكثر من ثلاثة آلاف آخرين بعضهم إصابات ميئوس من علاجها، ثم تفاجئنا النيابة – وهم لا شك رجال مخلصون - وتطالب بأقصى العقوبات وعقوبة الإعدام على كل من مبارك والعادلي؟.

الخميس، 5 يناير 2012

مازالوا يسرقون مصر ويدافعون عن الثورة!

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
الشباب المصري في ثورة يناير للأسف لم نعد نراهم الآن ولا نرى شعارهم الطاهر بعدما طفا على سطح الثورة أرباب متفرقون متصارعون كادوا أن يحولوا النور الثوري إلى فوضى، إيماناً منهم أن أرباب متفرقون خير لهم من إله واحد قهار.


الخائن هو من يضلك عن سبيل الوطن بأسم الوطن وهو ألد أعدائه.
هل تعلموا – على سبيل المثال فقط لا الحصر - أن ما يتقاضاه رئيس جامعة القاهرة بصفته المهنية بعد الثورة هو ثماني مائة ألف جنيه ( 800000) شهرياً رغم أن مرتبه الأصلي لا يتعدى ( 12 ألف جنيه!!!!!!) وأن ما يتقاضاه رئيس جامعة عين شمس بعد الثورة هو نصف مليون جنيه شهريا، في حين أن ما يتقاضاه ساركوزي رئيس جمهورية فرنسا واوباما رئيس أميركا لا يتعدى شهريا عشرة آلاف دولار ( ستين ألف جنيه مصري)، فهل يفتح هذا الملف الفاسد رجال الإعلام والسياسة والأحزاب والنقابات والبرلمان ومن يحكم مصر حالياً من الليبراليين والشيوعيين والدينيين والثيوقراطيين والعلمانيين والاشتراكيين أصحاب الحناجر والخناجر والشوارب واللحى وأصحاب الحواجب أيضا ؟، ولماذا لا يفتحونه؟ ربما لأنه سيفتح باب جهنم عليهم الذي سيكشف عار الكل، ويضعهم في زاوية بائعي الثورة ومص دمائها ودماء شبابها، وهو ما لا يريدونه، لا يريدون أن تموت الدجاجة التي تبيض ذهباً.
مازلنا نخجل أو نخاف من فضح الفاسدين الجدد من حولنا الذين يملأون حياتنا الآن ويملأون شاشات التليفزيون وصفحات الجرائد والمجلات متملقين الثورة من شدة فسادهم، حتى أصبحت شاشات التليفزيون والجرائد والمجلات أشبه بسوق النخاسة الذي تباع فيه الحرية كما تباع الأميرات والمحصنات المأسورات كمحظيات وإماء لممارسة الجنس أمام أعين الشعب والناس وبحكم القانون!، لقد اشترى هؤلاء بأموالهم غالب منافذ الإعلام والصحف ليخرسوا الألسنة الحرة أو لينام أصحاب تلك الألسنة التي تأبى الخرس على رصيف الوطن تستجدي كسرة الخبز الجاف، إن في فضح هؤلاء زوال النعمة وكأن الله اختفى ولم يتبق إلا هؤلاء نعبدهم من دون الله حاشا لله.
عيش حرية عدالة اجتماعية، كان هذا هو شعار أروع ثورة في التاريخ المعاصر، ثورة شباب المصريين، ثلاث كلمات هي في مضمونها الدستور الحقيقي الذي نادى به الشباب المصري في ثورة يناير وضحوا من اجله ولكن للأسف لم نعد نراهم الآن ولا نرى شعارهم الطاهر بعدما طفا على سطح الثورة أرباب متفرقون متصارعون كادوا أن يحولوا النور الثوري إلى فوضى، إيماناً منهم أن أرباب متفرقون هم خير لهم من إله واحد، تحت دعوى فرق تسد، وكلما زادت الأصنام تبعثرت الحكمة، والناس في هذا الوضع أقرب لقطيع " الغنم" المساقة منهم إلى البشر المكرمون بالفضل وبالحرية.
وهنا يكمن سؤال، ما هو الفرق بين الثورة و ( الكسكسى )!، وربما أتصور أن الثورة هي تغيير حتمي وفوري للفساد الذي قامت ضده ومن اجل استئصاله الثورة، تغيير حتمي وفوري لا يحتمل أي محاكمات جنائية لرموز الفساد ولكن يفرض محاكمات سياسية لهم ومصادرة ممتلكاتهم لصالح الشعب بشكل لا يقبل التأجيل كما فعلها شباب الجيش في ثورة 1952، أما "الكسكسى" فهو بقاء الحال كما هو عليه مثلما نحن عليه اليوم في مصر بعد عام كامل على قيام الثورة، في عزاء الميت "كسكسى" وفي زواج ابنته "كسكسى" وكما يقول آبائي الفلاحين: احتفال الموت زى احتفال الحياة ومن أراد تغيير "الكسكسى" فعليه بتحمل النفقات.
لقد تحمل الشباب الكثير من النفقات، من أرواحهم واستشهادهم وإصابتهم، دفعو ثمنا باهظاً لتغيير الفساد إلى عدل، ثمنا باهظا لتوحيد الكلمة وتوحيد الصف، ثم ظهرت أصنام السادة الكبار، سادة الفساد من داخل سجن طره لتوحي إلى كهنتها خارج الأسوار إلى دعوة الناس للشرك، تدعوهم إلى اختزال الوطن في أشخاص السادة القدامى من جديد، تدعوهم إلى الكفر بالوطن والإيمان بأصنام متعددة، وما أكثر ما يحتويه الوطن من كهنة الشيطان الذين كادوا أن يخرجوا شيطانهم من محبسه ليعبده الناس من جديد، كهنة الشيطان الذين يقسموا لك ويشهدوا الله على ما في قلوبهم أنهم ما يفعلون فعلاً إلا لصالح البسطاء وصالح الثورة وهم ألد الخصام.
عزاء الميت "كسكسى" وفي زواج ابنته "كسكسى"، هكذا هم الثوار الجدد الذين طفوا فوق سطح المشهد السياسي المصري على اجساد الشهداء ودماء الثوار الحقيقيين، نفس المليونيرات القديمة الذين قدمهم "الميت" السابق على طاولة الوطن للشعب كي ينهبوه ويمتصوا دماءه وكرامته ولكن مع تغيير الوجوه ووضع بعض الرتوش والماكياج ليكونوا أكثر تخفيا حينما يقدمهم "كهنة" الميت مرة أخرى للشعب على طاولة زواج ابنته، مليونيرات اختلفت مرجعياتهم السياسية والثقافية والدينية ولكن الكفر ملة واحدة، مليونيرات قديمة اعتلوا من جديد كراسي الأحزاب وكراسي الإعلام والجامعة والوزارات والنقابات واعتلوا صهوة جواد الاقتصاد المصري مرة أخرى بل والبرلمان القادم بمجلسيه، ويملأون الآن الدنيا صراخا وضجيجا عن الثورة وشباب الثورة الطاهر البرئ الذي لم يعد له حالياً سوى بضع خيام ممزقة في ميدان التحرير تنتظر الحرق من كهنة مبارك والعادلي الذين سحروا أعين الناس وكادوا أن يدفعوهم بالإيمان أن التحرير لم يعد فيه حاليا سوى بلطجية هذا الوطن الذين سعوا في خرابه!
الديكتاتور قادم لا شك، قادم وسيقلب الصندوق ويفتحه من قاعدتة، فالظلم لا يفرز إلا ديكتاتوراً يأتي ممتطيا جواد السحق، أما العدل فلا يفرز إلا الكرامة، فانتهزوا ركوب قطار الكرامة قبل أن تسحقكم عجلاته، وإلا فأين العيش والحرية والعدالة الاجتماعية في مصر بعد الثورة يا كهنة الميت ؟.

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

ماذا لو حكموا على مبارك بالبراءة؟

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
المصري يعلم في قراره نفسه أنه لا يستحق كل هذا الفساد، وقد أظهرت النتائج الأولية للمرحلة الأولى والثانية عن عدد أتباع ومؤيدي هذه التيارات وكانت من مجموع الناخبين فقط في المرحلة الأولى والثانية يفوق 25 مليون مصري، غالبهم على استعداد للموت في سبيل الدفاع عن ما وصلوا إليه من تقدم ومن إقصاء لمبارك.

أن تبرئ حاكما ظالماً فكأنما حكمت على البشرية كلها بالإعدام، فخطيئة الظلم وخطأ البراءة هما أول ملامح لعنة الأمم وسقوطها للأبد.
تدور هذه الآونة داخل كواليس السياسة في مصر محاولة مستميتة لاستغفال الشعب المصري والحكم ببراءة حسني مبارك. 
يقول المحامي يسري عبد الرازق رئيس هيئة الدفاع المتطوعة للدفاع عن مبارك والمنسق العام لوفد المحامين الكويتيين للدفاع عنه أنه توصل إلى حقائق مهمة تؤكد براءة مبارك من تهمة قتل المتظاهرين، وأن أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء أسهما في كشف أدلة ومستندات جديدة تعزز موقف مبارك في القضية وأن "الأدلة التي تم الحصول عليها من داخل مصر وخارجها تثبت تورط عناصر داخلية بالتعاون مع عناصر خارجية قامت بسرقة سيارات المطافئ والشرطة وقامت بدهس المتظاهرين، وكذلك قامت بفتح السجون وحرق أقسام الشرطة وفق أوامر من حزب الله وكتائب القسام وجماعة الإخوان المسلمين".
كلام خطير جداً ومجرد تداوله الآن ولو لمجرد الإشاعة لجس نبض الشارع هو كارثة حقيقية تفتح باب جهنم في مصر أمام غضب 90 مليون مصري، لن تكفيهم ميادين التحرير كلها في طول البلاد وعرضها ليفرغوا فيها جام غضبهم على كل من شارك في براءة مبارك.
لقد أساء مبارك ( مدنياً كرئيس دولة ) للشعب المصري، حارب الشعب، زور إرادته باستفتاءات ملفقة وانتخابات رئاسية مزورة و مجالس برلمانية ومحلية من لصوص وعصابات وخونة، حرم الشعب المصري من كرامته وممتلكاته ليوفر المليارات لعصابته وعصابة زوجته سوزان وعلى رأس عصابة سوزان جمال مبارك الذي أذل الشعب تحت سمع وبصر أبيه بتشريعات سلبت الحقوق وحرمت الشباب من الوظائف و اعتقلتهم وعذبتهم وباعت القطاع العام ومارست التضليل الإعلامي و أفسدت الشرطة و قهرت السياسة الخارجية حتى بدت مصر وكأنها ( شونة بهائم ) يعيش فيها المصريون عبيداً لكل ماهو أميركي وصهيوني.
كتبت أكثر من مرة وجاهرت في أكثر من لقاء بأن محاكمة مبارك يجب أن تكون سياسية وليست جنائية كما فعلت ثورة يوليو بخصومها، وحيث تنتهي المحاكمة السياسية باحتواء غضب الشعب، وكذا الإسراع بالحكم لصالح الوطن و الدخول الآمن لعملية الاستقرار دون أن يستشعر الضمير العام بالإحباط، أما المحاكمة الجنائية فمن شأنها إثارة السخط العام وإشاعة الفوضى وانتكاسة لروح التغيير الثوري التي من شأنها انقسام المجتمع إلى فرق احدها مع فريق بعينه والآخر ضد فريق بذاته كما تشير لنا بشائر الأحداث اليوم بين فريق ميدان التحرير وفريق ميدان العباسية وميدان مصطفى محمود، ليتهم كل منهم الآخر بالخيانة، وهو أمر من شأنه أن تتطور الاتهامات إلى صدام مسلح عنيف تسقط فيه الأمة في بحار الدماء السوداء ومع بلد في حجم مصر ( 90 مليون نسمة ) سيكون الصدام المسلح أشبه بمجزرة أهلية لن تفيد معها هيئة أمم أو منظمات مجتمع مدني أو عالمي. 
لاشك أن الأشد عنفاً قادم في مصر وبأيدي أبناء مصر أنفسهم، والسيناريو معد بعناية، وما يحدث من خلاف ظاهر معلن بين شباب التحرير وشباب العباسية هو بداية الانحطاط والسقوط، وطبطبة القائم بأعمال الحاكم في البلاد تجاه مبارك وتجاه التصريح والموافقة باعتصامات متناقضة لشباب العباسية والتحرير هو أقبح ما يمكن فعله ضد مصر والمصريين.
لقد أساء مبارك لقطاع كبير من فئات الشعب، وأهم هذه القطاعات قطاع تيارات الإسلاميين، حيث انتهك حرمة منازل الشعب و أباحها أمام زوار الفجر بموجب تعديل دستوري مزور واعتقل وأعدم وشرد وهتك أعراض عشرات الآلاف من المصريين حتى كنت ترى النساء – حرائر مصر – معلقات كالذبائح وعاريات تماما مثلما حدث في منطقة عين شمس تسعينيات القرن الماضي على يد عصابة مبارك وملائه، حتى لقد أصبح كل واحد من هؤلاء وغيرهم من المستضعفين في أرض مصر لديه خصومة شخصية مع مبارك وعصابته، خصومة شخصية لن يرجع فيها أحد لقائد أو حكيم ليأخذ الأمر منه بالثأر من عدمه، فالثأر لا يعرف له قائداً أو حكيماً وأهل المحكوم عليه بالإعدام لا يشفي غضبهم إلا بإعدام مثله، وهنا مكمن الكارثة!.
لقد أفرجت الثورة عن كل المعتقلين السياسيين، وصار الغالب منهم اليوم قاب قوسين أو أدني من سدة الحكم في مصر، وهم الأعداء التقليديين لمبارك، وبينهم وبينه دماء كثيرة أراقها هو بجبروته طيلة ثلاثين عاماً، والدم والعرض لا ينسى سفكهما إلا سفيه، وإذا خرج مبارك من محبسه بإعلان براءة فلن يستطيع أحد مهما كانت قوته وأسلحته أن يمنع هؤلاء أو من هم مثلهم ووقع عليهم ذات الظلم من الأخذ بثأرهم، لا الجيش ( 800 ألف جندي ) ولا الشرطة ( مليون ومائتي ألف جندي ) ولا حتى أميركا وأوروبا مجتمعين خاصة وأن بعض هؤلاء ممن عاداهم مبارك ونظامه ونكل بهم وبأعراضهم يفوق عدد أتباعهم عن الثلاثين مليون نسمة في شتى ربوع مصر بقراها ونجوعها وحتى داخل الجيش نفسه والشرطة ذاتها مما ينذر بانقلاب عنيف يفرز ديكتاتورا يتخلص بأتباعه ومؤيديه من كل رجال مبارك وبطانته وعهده البائد، انقلاب دموي سيغير وجه مصر بسبب ما نحياه اليوم من فوضى وطبطبة وإعلام رجال الأعمال الطابور الخامس لمبارك وعصابته ليعدم هذا الديكتاتور الآلاف ممن تعاطفوا معه أو قاموا بحماية أي رمز من رموزه أو أي من عصابته، تماماً كما فعل محمد على بالمماليك وعسكر المماليك وقادة المماليك وأبادهم عن بكرة أبيهم حتى نسائهم وأبنائهم الرضع أي أن الديكتاتور القادم لا محالة لن يفعل سابقة لم تحدث في مصر من قبل.
ربما الحل يكمن في أن ينتحر مبارك وزوجته كما فعلها هتلر وعشيقته إيفا بروان بالسم، الحل الوحيد للخروج من الأزمة اليوم أن يختفي مبارك وزوجته من الوجود تماماً، لأن القادم في حال تبرئته هو الأكثر عنفاً وحيث لم تر البلاد مثيلا له من قبل، وسنصبح أسوأ من حالنا أيام المستنصر بالله الفاطمي وحيث كان الناس يأكل بعضهم بعضاً ويسطو الجار على جاره لا ليسرقه ولكن ليذبحه ثم يطبخه ويأكله بكل ما يحمله من غضب دفين صنعته أيدي الحكام الفاسدة والذي كان من نتيجتها مجاعة وانهيار اقتصادي قضى على كل ملامح الرحمة في شوارع مصرآنذاك.
لم يختار شعب مصر التيار الإسلامي لتطبيق الشريعة، فكيف نطبق الشريعة في بلد تطبق فيه الشريعة بالفعل!، وإنما اختار الناس التيار الإسلامي لإيمانهم العملي بأن أتباع هذا التيار هم جزء أصيل من قاعدة هرم المجتمع، جزء أصيل من الفلاحين والحرافيش، اختار الناس التيار الإسلامي لإيمانهم بأن أتباع هذا التيار هم جزء أصيل من المستضعفين في الأرض لدرجة انه لا يخلو بيت في قرية أو نجع أو مدينة نائية في مصر إلا وفيه فرد واحد على الأقل اعتقل أو قتل أو تم هتك عرضه على يد مبارك وعصابته، لذلك اختار الناس التيار الإسلامي للتخلص من هذا الطاغية، اختار الناس التيار الإسلامي لتحويل الفساد المجتمعي إلى عدل ليقينهم أن من عانى من الظلم هو أحق الناس بالإتباع لكونه أكثر الناس تطلعاً للعدل.
المصري يعلم في قراره نفسه أنه لا يستحق كل هذا الفساد، وقد أظهرت النتائج الأولية للمرحلة الأولى والثانية عن عدد أتباع ومؤيدي هذه التيارات وكانت من مجموع الناخبين فقط في المرحلة الأولى والثانية يفوق 25 مليون مصري، غالبهم على استعداد للموت في سبيل الدفاع عن ما وصلوا إليه من تقدم ومن إقصاء لمبارك ليثأروا لأنفسهم إرضاء لأنفسهم وإرضاء لمن اتبعوهم ولمن تبعهم وسيتبعهم، ومن يصل من هؤلاء للحكم بعد سنوات القهر والتنكيل ويحمل في ضميره توجهاً ايدولوجيا معينا، شيوعيا كان أم ليبرالياً، إسلاميا كان أم مسيحياً، لن يرضى بديلا عن ذلك إلا الموت دونه، خلاصة القول أن في مصر ما يفوق عن الثلاثين مليون مصري على الأقل من أنصار التيار الإسلامي على اختلاف مسمياته ليس لديهم أدنى تردد من أن يستشهدوا في سبيل ما وصلوا إليه، بل والمدهش سيقف من ورائهم غالب الشعب من الفلاحين والعمال والمستضعفين في الأرض يشدون من أزرهم ويضغطون على أيديهم بل وسيمدونهم بالمال والسلاح في سبيل الخلاص، لذا فبراءة مبارك حتى ولو إشاعة ستقلب مصر رأساً على عقب وسيكون ما حدث بالعراق من جرائم وفظائع طيلة ثماني سنوات هي عمر الاحتلال الأمريكي ماهي إلا نقطة في بحر جبروت المصريين إذا غضبوا.

الاثنين، 26 ديسمبر 2011

محروس سليمان ومصريون أضاءوا وجه مصر

بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
أردف قائلا: الأهم من ذلك يا محيي محروس نفسه، محروس في الخطاب يحكي لي عن معاناته الإبداعية في ترجمة كتاب بالفرنسية عن شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي، ويتخلل الخطاب عدة شخصيات مصرية كثيرة شاركت بالفعل في صناعة فجر مصر.

لم يكن يتوقع الكاتب والمترجم المصري الكبير محروس سليمان صاحب أهم الترجمات العربية للكتب الأجنبية التي تلقي بكثير من الضوء على مجتمعاتنا العربية وجذورها وتاريخها، وعلى رأسها كتاب الجذور الإسلامية للرأسمالية للكاتب الأميركي بيتر جران، أكرر انه لم يكن يتوقع أن خطاباً يكتبه لصديق عمره الكاتب والناقد المصري الكبير توفيق حنا في نوفمبر عام 1996 بأنه سوف يتم نشره في عام 2011 ، ولكن هي الأقدار دوما حين تمنحنا بصيص نور فتدفعنا من خلاله ودون عناء للعثور على مثل هكذا خطاب شخصي بين صديقين شاركا بالفعل في صناعة فجر مصر الجديد لنجد فيه ومن خلال عفوية الكتابة بداخله لكونها عفوية الحب بين صديق وصديق، إثبات حالة تاريخية على مصريين انتموا بكل ما يمتلكونه من طاقة لمصر، فأحبوها وأحبتهم، بحثوا في كنوزها فأعطتهم من بهائها، آمنوا بها ومن ثم لم يولوا وجوههم شطر طائفة أو قبيلة أو مذهب، بل ولوا وجوههم شطرها، شطر وجه مصر، مصر درة تاج الكون، مصر التي إن أحبها أحد كتبت له الشهرة وكتب له الخلود، مصر الوطن، أم العجائب وحيث أهم عجائبها الكونية أنها إذا تغيرت تغير العالم وإذا أضاءت، تضئ الدنيا وتلمع.
كان ذلك في احد أيام شهر مايو 2011 حينما كنت أتحدث مع الأستاذ توفيق حنا عبر التليفون، والأستاذ توفيق حنا لمن لا يعرفه هو أحد أعمدة النقد في مصر وهو أول من قام بنقد أعمال نجيب محفوظ حيث كان صديقه الحميم وكذا هو أستاذ عمالقة كبار على رأسهم الشاعر الكبير "أمل دنقل" والشاعر الكبير " عبد الرحمن الأبنودي" وغيرهم وهو أول من قدمهما لساحة الثقافة العربية وهم في حداثة أعمارهم، منذ أن كانوا صغارا في مدارس محافظة قنا الابتدائية هذا على سبيل المثال لا الحصر، أقول أنه حينما كنت أتحدث مع الأستاذ توفيق حنا عبر التليفون دائما ما يجمعنا الحوار حول حب مصر، ولا أدري كيف صار بيننا هذا الدستور القوي الذي يحكم علاقتنا منذ زمن بحيث تهيمن علينا وعلى أحاديثنا .. مصر، فنذهب سويا ( هو وأنا ) في غيبوبة عشق مصرية بين حواريها وموالدها ومقاهيها وفدادين قراها ونجوعها.
قال لي: تصدق يا محيي!! .. عثرت اليوم على خطاب قديم أرسله لي صديقي محروس سليمان عام 96، خطاب ذكرني بمصر، مصر الأخرى، ذكرني بشوارعها وناسها الطيبين، ذكرني أيضا ( بقهوة الزلع ) في باب الخلق حينما كان يأتي الكاتب الكبير صلاح عبد الصبور – وكان وقتها مدرسا للغة العربية في إحدى مدارس القاهرة - ليقرأ لنا ملحمته الرائعة الفتى زهران، ثم انتبه الأستاذ توفيق وأردف قائلا: الأهم من ذلك يا محيي محروس نفسه، محروس في الخطاب يحكي لي عن معاناته الإبداعية في ترجمة كتاب بالفرنسية عن شيخ الأزهر الشيخ حسن العطار أستاذ رفاعة الطهطاوي، ويتخلل الخطاب عدة شخصيات مصرية كثيرة شاركت بالفعل في صناعة فجر مصر منهم على سبيل المثال ما ورد في الخطاب، صبحي شكري مدير تحرير جريدة وطني و الحسيني عطا، وغيرهم، وهنا وجدت نفسي مدفوعا لأن اطلب من الأستاذ توفيق إرسال هذا الخطاب لي، ليس لقراءته فحسب بل لأشارك في تعميمه لإيماني بأنه عينة عشوائية صالحة تبرهن على مدى إخلاص أبناء مصريون مبدعون في حب مصر بصمت جاد معطاء وحيث لم يكن حوار هؤلاء عبث، أو أحاديثهم أو حتى مشاغباتهم فارغة، بل كانوا قامات عالية تدفعنا لان نتأملهم وننصت ونتعلم كيف يكون الحب لمصر والوطن، وكأنهم في صلاه بقدس أقداس هذا البلد الطيب. ولنقرأ الخطاب.
عزيزي توفيق: سعدت كثيرا بقراءة خطابك مرات ، لقد التقيت بصديقنا العزيز صبحي شكري إلا ""وهرينا فروتك" بكل الخير طبعا فأنت الصديق الوفي والمصري المثالي في كرم أخلاقك وودك في علاقاتك مع الجميع. ولازلت أحس واشعر كيف كنت في جلساتك معنا تخص جميع الأصدقاء بأحاسيس الود والحب في صدق وبساطه، وهذه سجيتك كمصري أصيل. هل تذكر لقاءات باب الخلق في قهوة "الزلع" في الخمسينات عندما كان يتجمع عدد كبير من الأصدقاء، وكنا ننتقل فى الشتاء وخصوصا فى رمضان إلى الفيشاوي. أنها ايام ولت ولكنها لا تنسى وأصبحت من ذكريات الماضي الجميل. هل تذكر الشاب الهادئ الرقيق المشاعر صلاح عبد الصبور الذى امتعنا بزيارتنا فى قهوة الزلع وقرأ علينا قصيدته الخالدة "الفتى زهران" وكان لايزال مدرسا واظنه كان زميلا للشيخ كامل ابو العينين فى مدرسته ولم يعرف بعد على النطاق العام كشاعر مرموق؟ إنها الذكريات الجميلة التي تختزنها الذاكرة.
أما حبك للخريف حتى في أمريكا لعل ذلك راجع لحبك لخريف مصر فى الاصل فهو امتع فصول السنة كما تعلم، ولكن اين الرفقه من الأحباب والأصدقاء؟ فقد انفرط العقد. هل نطمع ان نراك هذا الشتاء اذا سنحت ظروفك فأديب ديميتري عازم على النزول من فرنسا لزيارة مصر خلال ديسمبر القادم او يناير، واذا سمحت ظروفك فسوف نسعد بلقائك كثيرا.
شكرا لاهتمامك بقلقى بشأن هجرة الابناء وللعلم انا متفق تماما مع رأيك فقط اطلب من الابناء قبل الهجرة ان يفكروا كثيرا وبأناه وعن ابنى وسيم فهو يريد الهجرة الى نيوزيلاندا وهى بلد صغيره سكانه نحو ثلاثة ملايين امكانياتها الاقتصاديه محدوده. استراليا اكثر تطورا منها. وهذه الظروف يمكن ان تكون ميزة لمجتمع هادئ ولكن هل هذا المجتمع يوفر فرص عمل مناسبه له كمهندس علما ايضا ان زوجته موفقه فى عملها كمقدمة برامج بـ N.T.V ولن تجد مثل هذا العمل هناك وهى لاتستطيع ان تكف عن العمل وهذه فى حد ذاتها مشكله. على اية حال هذه حياتهم والقرار لهم اولا واخيرا ونرجوا التوفيق لجميع الشباب وكما تعلم الظروف في مصر صعبه إلى حد ما.
اما عنى فأنا مثلك فلولا القراءه لأصبت بالامراض وقراءاتى متنوعه مع التركيز على الاجتماع السياسى والسياسة ومتابعة السياسة العالميه.
وقد اعجبنى خلال قراءاتى كتاب لأستاذ اكاديمى امريكى هو "بيتر جران" واسم الكتاب "الجذور الاسلاميه فى الرأسماليه – مصر 1760- 1840" وللمؤلف وجهة نظر جديدة الى حد كبير فهو يرى ان بداية النهضة المصرية ليست بمجيء الحمله الفرنسيه او حكم محمد على بل يرجع ذلك الى فترة اسبق فى القرن الثامن عشر "عهد على بك الكبير" ثم تعرضت لفترة جمود حتى مجئ الحمله التى لاينكر المؤلف اثرها لكنها ليست المؤثر الاساسى ثم تعود حركة النهضه تتابع تقدمها فى عهد محمد على. والكتاب مرجع كبير الحجم ورجع المؤلف للبرهنه على نظريته الى كيف التراث فى تلك الفتره بل قرأ المخطوطات وعاش فى القاهره خمس سنوات لجمع الماده واستغرق الكتاب نحو عشر سنوات او اكثر. وقد درس الفتره التى تناولها من جميع الزوايا الثقافية والعملية بكل فروعها تفصيليا وجوانبها الماديه والاقتصاديه والاجتماعيه. وتناول بالدراسه التفصيليه شخصية الشيخ حسن العطار استاذ رفاعه الطهطاوى لان هذا الشيخ عاصر حركة النهوض فى القرن الثامن عشر وامتد به العمر الى عصر محمد على (توفى 1830) وشارك فى النهضه فى مرحلتها الاولى ومرحلتها الثانيه وهذا هو سبب اختيار المؤلف له.
على اية حال لقد ترجمت هذا العمل الهام فى تقديرى بكل استمتاع واهتمام فمثلا سافرت الى سوهاج للحصول على مخطوط من مكتبة رفاعه الطهطاوى.
اما الآن فقد اقتربت من الانتهاء من ترجمة كتاب من تأليف عدد من الاكاديميين الامريكيين واسمه "الاسلام والسياسه والحركات الاجتماعيه" والملفت للنظر ان اكثر من 90% من مؤلفات علماء الاجتماع والاجتماع السياسي والتاريخ فى امريكا تتناول بشكل مباشر او غير مباشر الحركات الاسلاميه. ويتناول هذا الكتاب الفترة الاخيره من القرن التاسع عشر ثم القرن العشرين فى مصر والشمال الافريقى مع التركيز على الجزائر وشمال نيجيريا والسودان والثورة الفلسطينية والثورة الايراينة والمسلمون فى الهند وباكستان. ولكن المشكلة تكمن في اين نجد الناشر الذى يهتم بنشر مثل هذه الاعمال الجاده والاكاديميه لأن الأربح للأسف هذه الأيام هي الكتب الساقطة السوقيه الضاره وكتب الجنس ويلى ذلك الكتب الاخرى. على اى حال اننى اشغل وقتى بطريقه مفيده واستمتع بهذا النشاط كما احاول افادة الاخرين قد طاقتى.
اشكرك ياصيدقى العزيز من كل القلب على ردك الفورى ويسعدنى دائما ان احظى بقراءة خطاباتك بانتظام.
الصديق صبحى شكرى بخير والصديق الحسينى عطا يبعث لك بتحياته وسلامه.
ختاما لك حبى وودى من كل القلب.
والى اللقاء فى خطاب قادم.
3 / 11 / 1996
أخوك محروس سليمان

الخميس، 22 ديسمبر 2011

مجزرة ماسبيرو والقصر العيني ومحمد محمود هل كانت لتبرئة مبارك؟


بقلم محيي الدين إبراهيم
aupbcmohi@gmail.com
إنه لمن الغريب حقاً أن يأتي وفد المحامين الكويتيين الآن وبعد مرور ثلاثة أشهر على تأجيل محاكمة مبارك وحدث بها ما حدث من مجازر ودهس أبرياء ليصرح "فيصل العتيدى" رئيس فريق المحامين الكويتي قائلا: "جينا ومعانا براءة مبارك" "إحنا مش محامين شلط" بمعنى ( أي كلام ).


الحقوق لا تؤخذ بالإثم.
هجاني الكثير من مؤيدي مبارك على مقالي السابق " ماذا لو حكموا على مبارك بالبراءة؟".
ليست بيني وبين حسني مبارك خصومة شخصية وحتى أن كانت بيني وبينه خصومة شخصية فأنا متنازل عنها لا لشئ إلا لأني لا أمتلك أدوات الحصول على هذا الحق فقد استلب منا هو ونظامه كل ماكنا نمتلكه من كرامة، وهو الآن في يد القضاء الذي سيبرئه حتما من جريمة قتل المتظاهرين لكون القضاء يحتكم إلى دلائل مادية يحكم بها وهي دلائل اقرب للشفرات والألغاز تحتاج على سبيل المثال وكما قال قاضي مبارك إلى أكثر من ستة آلاف شاهد لابد أن يقف كل منهم أمامه ليدلي بشهادته وهو أمر ليس صعبا بل مستحيلاً. 
ليبرئوا ساحة مبارك إذن من قتل المتظاهرين!، وسيبرئونه!، صدقوني سيبرئونه!، سيبرئونه ليس لأن مؤيدي مبارك يضغطون أو يتظاهرون بقوة، بالعكس، خاصة وأن أعدادهم في تناقص حاد ومستمر ولا يشكلون ضغطاً كما يظنون، بل سيبرئونه لأن عصابته تجيد اللعب القذر كما أجادها " راتكو ملاديتش" القائد الأعلى للقوات المسلحة الصربية بيوغسلافيا السابقة منذ عشرين عاما ولم يتم اعتقاله إلا في أكتوبر 2011 تحت ضغوط دولية وسيبرئونه حتماً هو الآخر بتحليل حمضه النووي DNA ليثبتوا أن من تم اعتقاله هو شخص آخر وليس " راتكو ملاديتش" وان الأحماض النووية مختلفة. 
فليعلنوا براءة مبارك أمام الناس فهي لن تبرئه أمام التاريخ، فليعلنوا براءته التي أصبحت لا تعنينا مادمنا نحيا الباطل على أيدي عصابات مازلت تحكم من " سجن طره"، ولكن كيف سيبرئونه من ثلاثين عاماً قضاها في حكم مصر كانت هي خصومة مبارك الحقيقية مع نفسه، لقد وعد الشعب حين تولى زمام أمر البلاد بأن يحكمها لمدة واحدة فقط وان الكفن ليس له جيوب، وليته فعل ذلك قبل أن يترك زمام الأمور لزوجته وأبنه جمال الذي جاء من انجلترا عام 1993 بعد فترة قضاها في مصح نفسي، ليلقاه عاطف عبيد ( مهندس التوريث ) ويقنع أمه بوراثة جمال للعرش وليتحول مبارك بعد هذا اللقاء من رئيس دولة قوي أحبته الناس طيلة مدتين للرئاسة ( 1981 – 1991 ) إلى دمية من الخشب في يد زوجته دفعت الناس لأن يكرهوه هو وزوجته وكل عائلته ونظامه.
أنا لا أتكلم بلسان 90 مليون مصري، ومن منا يستطيع اليوم أن يتكلم بلسان عائلته حتى لو مكونة من أربعة أفراد مختلفة ليدعي أن يتحدث بلسان 90 مليون مصري! ولكننا كشعب نحمل ضميرا يكاد يكون واحداً، أي أن كل واحد منا يستطيع أن يستشعر حال الناس من حوله من حال الأحداث التي مر ويمر بها الجميع، فخصخصة أملاك الشعب وطرد مئات الآلاف من العمال وإذلال الشباب الذي يبحث عن عمل حتى كاد أن يفضل البطالة عن العمل بأبخس الأجور، وقمع الحريات المدنية في إغلاق النقابات العامة وسيطرة الأمن على الجامعات وتوظيف جواسيس أمن الدولة في مخابز العيش ومقاهي الأحياء الشعبية وأصحاب بعض عربات الكبدة وأكشاك السجائر للسيطرة بكل جبروت على أنفاس الناس وقمع أحلامهم قبل أن تولد، وبيع مصر لأمراء الخليج وعلى رأسها مشروع "توشكي" الذي أقرت بفشله غالب العلماء واستشهد في إنشاء بنيته التحتية أكثر من عشرة آلاف عامل وفلاح مصري وأذهبوا إلى هناك وانظروا، أذهبوا إلى " توشكي " وشاهدوا مقابر هؤلاء المصريين الطيبين الذين قتلتهم الصحراء كما فعل بهم الخديوي سابقاً في حفر قناة السويس قبل أن يبيعها لانجلترا، كل ذلك تم فعله من أجل سيناريو التوريث، توريث مصر لشاب لا تبدو على وجهه أي ملامح من ذكاء سوى أنه حبيب أمه وأبيه، فمن يدافع عن من؟، عن ماذا تدافعون؟ مصر ليست مبارك وليست جمال عبد الناصر وليست السادات ولا المشير طنطاوي ولا حتى المشير سامي عنان بل وليست التحرير ولا العباسية ولا مصطفى محمود، مصر هي جماعة هذا الشعب، شعب مصر من رأس الدولة وحتى آخر مولود تمت ولادته الآن، فكيف نختزل الكل في شخص واحد ثم ندعي أنما نحيا الحرية ونحن نغوص في لحم الذل ونزداد انحطاطاً.
لقد تم تأجيل قضية مبارك في سبتمبر الماضي لمدة ثلاثة أشهر حتى يوم 28 ديسمبر 2011 لماذا؟
كان عدد القتلى في 28 يناير 2011 والمتهم بقتلهم وإصابتهم مبارك لا تتعدى مئات فكيف إذن يبحثون عن مخرج يخرجون به مبارك من هذا المأزق؟ 
كيف يبرئونه من تهمة القتل؟ 
كيف يخلون ساحته أمام الناس حتى لو كانت ملطخة بالدماء أمام الله؟ بعد أن أصبح الناس من فرط الحاجة لا يفرقون بين الله والديكتاتور!، وكانت الخطيئة التي ظنوا أنها ستمحو الخطيئة، خطيئة الإسراف في قتل أبرياء جدد حتى ولو كانو بالمئات ليبرهنوا أن هؤلاء الأبرياء ما قتلوا إلا بأيدي خارجية ليس لمبارك دخل فيها ومن ثم فمبارك برئ من خطيئة قتل المتظاهرين وليبحث شعب مصر عن القاتل الحقيقي إن استطاع لذلك سبيلا!.
كانت الجلسة الثالثة لمحاكمة مبارك في 5 سبتمبر، 2011 واستغرقت ما يقرب من 10 ساعات ثم حدث ما يسمى بالاستئناف ثم توقفت ثلاثة أشهر حدث فيها أن طغت خلالها التوترات الدامية بين الجيش والمتظاهرين بشكل يبدو يقينا مدبراً ومخططاً له.
ثلاثة أشهر حدثت بها مجازر إنسانية تشيب من هولها الولدان، أهمها مجزرة ماسبيرو ومحمد محمود والقصر العيني فلماذا لم تحدث هذه المجازر قبل الإعلان عن تأجيل محاكمة مبارك؟ 
ومن هم التسعة عشرة جثة لأجانب لم يستدل على هوياتهم ومازلوا في مشرحة زينهم وكانوا من ضمن من يطلق الرصاص على الناس من أعلى أسطح المنازل؟
وهل هم مرتزقة استجلبهم حكام " سجن طره" من أوكرانيا كما ثبت هذا الأسبوع 22 ديسمبر 2011 وتم القبض على بعضهما ( أوكراني وإسرائيلي) يهربان أسلحة من إسرائيل على شاكلة تلك التي تستخدمها الشرطة المصرية وتبين من التحقيقات الأولية أنهما يعملان لصالح أحد رجالات "الطرف الثالث" مثلهم مثل بلطجية التحرير ومحمد محمود وماسبيرو المندسة والذين كانوا يتقاضوا 150 جنيها عن كل رأس قتيل يقتلونه، وحيث كان من ضمن من قتلوهم الشيخ الجليل "عماد عفت" مدير إدارة الحساب الشرعي بالأزهر وأمين دار الإفتاء.
إنه لمن الغريب حقاً أن يأتي وفد المحامين الكويتيين الآن وبعد مرور ثلاثة أشهر على تأجيل محاكمة مبارك وحدث بها ما حدث من مجازر ودهس أبرياء ليصرح "فيصل العتيدى" رئيس فريق المحامين الكويتي قائلا: "جينا ومعانا براءة مبارك" "إحنا مش محامين شلط" بمعنى ( أي كلام ) ثم قال: "إحنا أساتذة في القانون واللي ما أتعلم نعلمه" وأن فريق الدفاع سيحضر جميع جلسات محاكمة مبارك حتى إثبات براءته من خلال الأدلة التي سيتقدم بها والتي تفيد وجود عناصر مخربة قتلت المتظاهرين في ( 25 – 28 ) يناير 2011 وأحداث شارع محمد محمود وماسبيرو والقصر العيني وحادثة سفارة إسرائيل، بل لماذا لم تتعرض الجامعة الأمريكية لخدش واحد بينما تم حرق المجمع العلمي وهيئة الطرق والكباري بالكامل؟.
فهل كانت أحداث ماسبيرو ومحمد محمود والقصر العيني مدبرة ليقتل فيها ( الطرف الثالث ) العشرات من الأبرياء ويصيب المئات من أجل إثبات براءة مبارك؟
هل صارت دماء المصريين رخيصة إلى هذا الحد؟ 
ولماذا لم يتم قتل فرد واحد من مؤيدي مبارك أثناء الكثير من الاشتباكات التي حدثت بينهم وبين اسر الشهداء رغم أنها كانت شبه دموية؟ 
ومن أين أتي مؤيدي مبارك بكل هذه اللافتات الخمسة نجوم والتيشرتات المرصعة بصورته والعربات المكيفة التي كانت تنقلهم من والى مبنى المحاكمة؟
لاشك أن الذي يحكم مصر اليوم في مرحلتها الانتقالية يعلم الطرف الثالث ولا شك أن مؤيدي مبارك يعلمون الطرف الثالث ولا شك أن أشخاص بعينها تحكم بلدانا بعينها وتخشى من تهديد سوزان مبارك بكشف فضائحهم الجنسية أمام شعوبهم يعلمون أيضا الطرف الثالث بل ويشاركون في تمويل الخراب ضد مصر وشعبها.
أقول لقد مات الكثير من شبابنا في فترة تأجيل محاكمة مبارك لثلاثة أشهر عن عمد وأصيب الكثير لإثبات براءة مبارك وطغمتة الفاسدة مما فعلوه من جرائم، وأن المدافعين عن الباطل لن يمهلهم القدر حتى يستمتعوا بما اقترفت أيديهم وضمائرهم من فعل الزور والانتصار لدولة الظلم، الغد قادم لا شك في ذلك، قادم ويحمل في رحم وجوده الكثير من النور لشعب مصر ولكن بعد أن ينتهي من دفن جثث الذين نادوا ببراءة الفرعون وملائه. 
المجلة المصرية || نون

الأربعاء، 21 ديسمبر 2011

شيزلونج صرخة ثورية للشباب على مسرح الشباب

mohi_ibraheem

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
الممثلون الشباب كانوا في غاية التوهج والتألق والحماس، كانت خشبة المسرح أشبه بميدان التحرير يوم 25 يناير، كان الفنانين الشباب يصرخون بإخلاص لحتمية التغيير، يخرجون فرادى فيعلن كل فرد منهم ببراعة عن أحد سلبيات هذا الوطن فيبدع في إعلانه منفرداً، ولا فرق هنا في الإخلاص والإبداع بين شاب أو شابة ممن يقف على خشبة المسرح.
يقول الفنان شادي سرور مدير مسرح الشباب المصري في كلمته القصيرة التي تصدرت النشرة الإعلانية -flyer - لهذا العرض:
منذ أن شرفت بتولي إدارة مسرح الشباب وأنا يراودني حلم إقامة ورشة للشباب المولع بالمسرح ليصبحوا نواة حقيقية، وبالفعل أصبح هناك هذا الكيان الذي أطلقنا عليه أسم "ورشة حلم الشباب" لتفريغ طاقات الشباب في كل مجالات الفن المسرحي، ومن ثم تقديمهم للوسط الفني نجوما مصريين للمستقبل.
هذه هي رؤية الفنان المصري الجاد شادي سرور، وهي رؤية متميزة ينظر فيها شادي سرور إلى غد هذا الوطن ونهضته بمنظار إيمانه بقيمة الشباب المصري، هؤلاء الذين استطاعوا التغيير ويصرون على وثبة مصر لأفاق المستقبل كأعظم ما تكون الأمم، رؤية جادة ومسئولة من فنان مصري مخلص تحمل مسئولية مسرح الشباب في أدق لحظات مصر الحضارية هذه الأيام.
نحن إذن أمام شباب موهوبين لورشة فنية طموحة ولسنا أمام فنانين محترفين، وبالرغم من ذلك فقد أثبت هؤلاء الشباب أنهم على قدر من الوعي والفن تضعهم – لاشك - في صفوف الفنانين المحترفين. 
ومسرحية شيزلونج هي أقرب لفن الكوريغرافيا choreography منها إلى الارتجال المسرحي لكونها عملاً فنياً إبداعياً استطاع فيه المخرج الشاب ( محمد الصغير) أن يبرز الدراما التي يريد أن يبثها في عقل المتلقي من خلال كثير من التابلوهات أو التشكيلات الجماعية الراقصة بالجسد رسمها بعناية بواسطة الممثلين الشباب على خشبة المسرح ليعطي بذلك بعداً تعبيرياً أقرب إلى لوحة تضم الموروث الثقافي والحضاري وكذا ملامح واقعنا المعاش وما يحمله من تغيير ثوري تحياه مصر اليوم بعد ثورة 25 يناير 2011 ، فالمخرج أحيانا يستعيض عن النص المكتوب بالكلمة إلى نص تشكيلي يصل به إلى ما هو أعمق من تأثير الحوار المكتوب في وجدان المشاهد وأعتقد - في تقديري - أنه نجح في ذلك، بل وأعطانا من خلال هذه المحاولة الجادة شكلا جديدا من أشكال المسرح، يجمع بين التعبيرية والواقعية، الأساليب التقليدية والحديثة، بحيث لم يفقد معها المسرح جزءا من منهجه بل أضاف عليه – دون شك - ملمح نور يزيد من وهجه وتألقه.
البطولة هنا في مسرحية "شيزلونج" جماعية وليست فردية وهي لمجموعة من الشباب، يتقدمهم الشاب الفنان "أحمد مجدي" في دور الطبيب النفسي الذي يؤمن بعلاج مرضاه النفسيين بطريقة "السايكودراما" وتعني – أكاديمياً - مسرحية درامية جماعية تحاول إخراج الشخص من عزلته النفسية، بل وتقدم له أسلوباً عملياً للعلاج بدلاً من الأسلوب الشفهي المتبع في وسائل العلاج النفسي التقليدية وحيث يكون الشخص المكبوت نفسياً هو بطل العرض المسرحي، والمعالج يقوم بدور مخرج العرض أما الأشخاص الآخرين فيقومون بتقديم الأدوار المساعدة التي تتصل بالبطل مثل أدوار الابن أو الابنة أو الزوجة .. الخ، وهو ما يتفق تماماً مع عرض مسرحية " شيزلونج" الذي تفوق فيه أبطاله الشباب: وليد الهندي. محمد خطاب. بلال علي. محمد أنور. بسام عبد الله. ريهام سامي. مصطفي أحمد. لقاء الصيرفي. حمدي أحمد. حمدي التايه. سارة درزاوي. مصطفي خاطر. رانيا عبد المنصف. ياسمين فهمي . إسماعيل السيد . عمرو بهي. رامز سامي.
يتضح مما سبق أن العرض عبارة عن تابلوهات منفصلة يترجم كل تابلوه فيها أزمة معينة عاشها أو يعيشها بعض أفراد المجتمع وتأثروا بها حتى عجزوا بمفردهم عن حلها ليؤدي بهم هذا العجز إلى العيادة النفسية، ويجب التركيز هنا على كونها عيادة نفسية لعلاج المرضى النفسيين وليست مستشفى مجانين، فالمجنون فاقدٌ للوعي أما المريض النفسي فهو عاقل ولكن تحت ضغط عصبي حاد لا يقوى بمفرده على الخروج من أزمته النفسية، ومن ثم فالمشكلات هنا مدركة ويبحث لها المريض عن حل بعكس المجنون الذي لا يدرك مرضه بل ولا يعيه ويتصور أنه سيد العقلاء.
من هذه النقطة يبرز ذكاء المخرج " محمد الصغير" الذي مزج " فن الكوريغرافيا" بالسايكودراما واستثمرهما معاً في إطار ثوري مسرحي بغلاف كوميدي مُتقن لا يخلو من الارتجال ليسخر – عن عمد - من قضايا معقدة داخل مجتمعنا وتحيط بنا وتكاد تأكلنا وتمتص أحلامنا في محاولة منه لحلها أو استئصالها من جذورها لينجو بخسارته لها المجتمع ومستقبل هذا البلد. لقد سخر محمد الصغير مع أبطاله بالفعل وبرعوا في سخريتهم الواعية والنظيفة الخالية من الإسفاف أو القذف وسخرنا معه وضحكنا جميعا في هذا العرض ضحكاً أشبه بالبكاء، وسط مشاعر امتلأ بها الضمير بحتمية التغيير، وضرورة الانتماء، قبل أن يغرق الكل.
الديكور بسيط يتمثل في صور معلقات مع صور لشخصيات مثل إنسان يرفع رجليه إلي أعلي وآخر في وضع يتسم بالغرابة أو ربما غير مفهوم مع ملابس وأزياء متواضعة إلى جانب بعض الإكسسوارات التي ترمز لكل مرحلة من مراحل الوطن قديمة وحديثه: خرز، شال، طرحة، سبحة، طربوش، وبعضها افتراضي كالكومبيوتر والموبايل والمترو والميكروباس وخلافه وهي مسألة ربما كان القصد منها التحايل ليظهر العرض وكأن به ديكوراً ولكني أجد – في تقديري – أن هذا الأمر - الديكور والملابس - هو أفقر ما في العمل المسرحي، ولا يحمل أي نوع من أنواع الإبهار أو حتى بصيص من وهج ولولا براعة أداء الممثلين وتجاوبهم الجماعي الذي تغلبت عليه روح الحب والتفاهم والتعاون لفقد العرض قيمته رغم ما يحويه من أخلاص.
الممثلون الشباب كانوا في غاية التوهج والتألق والحماس، كانت خشبة المسرح أشبه بميدان التحرير يوم 25 يناير، كان الفنانين الشباب يصرخون بإخلاص لحتمية التغيير، يخرجون فرادى فيعلن كل فرد منهم ببراعة عن أحد سلبيات هذا الوطن فيبدع في إعلانه منفرداً، ولا فرق هنا في الإخلاص والإبداع بين شاب أو شابة ممن يقف على خشبة المسرح، ثم يخرجون جماعة فيقدمون تشكيلا فنيا متقناً بالصورة والجسد ليعلنون من خلالها عن أزمة اجتماعية حادة داخل المجتمع المصري، وقد أعجبتني جدا تلك التشكيلات الجسدية التي عبرت عن الميكروباس والمترو وأيضا عن مصير الثورة المصرية وما آلت إليه، وكذلك تلك الجملة الاستعراضية الرائعة التي قدمها الشباب على خشبة المسرح عن قضية النوبة ومصريتها وقيمتها وحضورها وحضارتها والتي كادت تغيب عن وعي المصريين المعاصرين وكأن النوبة خارج النسيج المصري رغم كونها جزءاً أصيلاً من نسيج القلب والشريان، كان التفاهم والتزامن بين الممثلين في تقديم هذه التشكيلات رفيعاً وحرفياً إلى أبعد الحدود.
من أهم مشاهد هذا العرض ( ماستر سين ) هو مشهد النهاية، مشهد التلاعب بتمثال نهضة مصر وهو مشهد عبقري جسدت مصر فيه تلك الشابة المصرية النوبية ريهام سامي التي تمتلك قدرات راقصة بالية، فصار تبديل وتغيير تمثال نهضة مصر من حال إلى حال يبدو انسيابياً وسلساً، وقد أراد المخرج أن يصور لنا من خلال هذا المشهد عمليات التحول الفوضوي الذي يعيشه المجتمع المصري، فتارة غربيا وتارة يساريا وتارة إسلاميا ثم ماجنا فعروبياً أو لا شئ على الإطلاق، وفي النهاية يوضح المخرج أنه لا يصح إلا الصحيح فيعيد تمثال نهضة مصر إلى ما كان عليه أسداً قوياً رابضاً في استسلام لمصر التي تقف جواره مرفوعة الرأس وكأنها تقول في كبرياء أنه لا سبيل للنهوض إلا بالتشبث بالأصالة، بكل ما هو مصري، التشبث بكوننا مصريين.
يبقى لنا كلمة وهي أن هذا العرض يحمل وجوها سيكون منها نجوما مصرية تملأ سماء المستقبل، لاشك أن الجميع أبدع وأخلص ولا فروق فنية بين واحد وآخر، ولكن هكذا هو قدر الله في خلقة، فيمنح هذا قبولاً عند الناس فيصير نجماً لامعاً ويحرم آخر من ذلك القبول رغم قيمته الفنية فلا يحظى بالنجومية، وعليه فقد كان وسط هؤلاء الشباب الرائع من يحمل هذه المنحة الربانية، أحس به الكثير من المشاهدين، أحسها المشاهد تجاه شباب بعينه ليس متميزاً إطلاقاً عن بقية أقرانه من الناحية الفنية أو الإبداعية ولكنه ممنوحاً وهذا أمر لا نملكه، ومن ثم سنرى حتماً في المستقبل القريب أن هذا العرض قد جسد طموح الفنان شادي سرور من خلال ورشته الفنية الجادة " أحلام الشباب" في أن يقدم اليوم لمصر نجوم الغد بكل تأكيد.

الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

مصر تنتحر

بقلم: محيي الدين إبراهيم

noonptm@gmail.com
لاشك أن هناك قوى سياسية كثيرة في مصر تلتزم الصمت وهو صمت غير وطني تجاه ما يحدث من عنف وعنف مضاد على الساحة السياسية وآخرها ما جرى في شارع القصر العيني وكان من نتيجتها تدمير جزء هام من تاريخ مصر بحرق المجمع العلمي وسقوط قتلى ومئات الضحايا والمصابين.



التسامح مع الفوضى أسهل الأمور التي تقود الأمة إلى طريق الزوال.
نحترم الجيش المصري ونؤمن به ونقف ورائه فهو صمام أمان هذه الأمة، الذراع القوى الذي نتكئ عليه كمصريين ونفخر به أمام العالم، كبرياء هذا الوطن ورأسه التي نطمح أن تظل مرفوعة دوما دون أن تنحني أو تتوارى خجلا عن أعين الشعب كما توارت صبيحة نكسة يونيو 1967 بل أن يظل بيننا رمزا للكرامة الوطنية نفخر ونفاخر به مرفوع الرأس يحمي عرض الوطن والناس من الانتهاك كما في صبيحة 6 أكتوبر 1973 وحتى الآن، رغم ما تفرزه الأحداث في مصر اليوم من سلبيات عارٌ على المؤسسة العسكرية المصرية صاحبة الشرف الوطني أن تكون طرفاً فيها مهما كانت الظروف أو الضغوط الملقاة على عاتقها.
لاشك أن هناك قوى سياسية كثيرة في مصر تلتزم الصمت وهو صمت غير وطني تجاه ما يحدث من عنف وعنف مضاد على الساحة السياسية وآخرها ما جرى في شارع القصر العيني وكان من نتيجتها تدمير جزء هام من تاريخ مصر بحرق المجمع العلمي وسقوط قتلى ومئات الضحايا والمصابين، لتوريط الجيش وسمعة الجيش وفقدان الثقة في الجيش المصري أمام الشعب حتى يصل الحال بالناس في مصر أن تقول: هل هذا هو الجيش المصري الذي لا يستطيع حماية مبنى صغير في وسط البلد ولا يستطيع أن يكشف عن الطرف الثالث الذي يخرب ويقتل هو من نأتمنه في الدفاع عن البلاد؟، هذا هو المخطط الخفي للطرف الثالث الذي لا يريد أن يعلن عنه قادة الجيش ممثلين في المجلس العسكري، وللأسف المجلس العسكري نفسه يساهم في تلطيخ سمعته بالاستعلاء على الناس وعدم سرعته في إنهاء ملف مبارك وعصابته وهو الأمر الذي يصيبنا جميعا منذ 11 فبراير 2011 وحتى اليوم بحالة من الدهشة كادت أن تفقدنا الوعي من شدة غموضها، هذا إلى جانب خطاب معظمهم المستفز لجموع المصريين وحتى الجنزورى رئيس الوزراء الذين عينوه بلفظة: "أبنائي المواطنين" وكأننا فاقدي الأهلية نعيش في "حضانة مصر العربية" تحت وصاية أولياء أمورنا وليس "جمهورية مصر العربية" بلد الرجال والثوار وأرض الحضارة التي تجاهد اليوم في أن تصنع لها حضوراً بمواطنين هم أنداداً متساوين في الحقوق والواجبات وليس بين آباء وأبناء تحكمهم قوانين روضة من رياض الأطفال وحضانات العالم الثالث. 
نشاهد المجلس العسكري اليوم في مصر يتبع نفس المنهج الإسرائيلي في صناعة الجدار العازل بين المتظاهرين المقاومين وقوات الجيش تحت مسميات أقواها يتسم بالسذاجة، جدار عازل خسرت به إسرائيل منذ أن ابتدعته على قناة السويس قبل حرب 1973 وحتى إقامته بينها وبين قطاع غزة حالياً غالب قيمتها وسمعتها أمام العالم أجمع الذي كان يظن أنها قوة لا تقهر، بل وخسرت مع سمعتها وهيبتها العسكرية ثقتها في نفسها كدولة يمكن لها أن تستمر في المستقبل أيضا، فهي لم تنتصر بسببه في أي موقعة حربية حتى الآن وحتى الولايات المتحدة التي استعانت في العراق بمستشارين إسرائيليين وأشاروا عليها ببناء جدار عازل حول المنطقة الخضراء يعزل قوات الأمريكان عن المدنيين العراقيين كان له أبلغ الأثر في صناعة الاستفزاز المضاد وميلاد أجيال جديدة من المقاومين الوطنيين سببوا خسائر فادحة لجيش الاحتلال الأميركي دفعته لأن يرضخ بسببها وأن ينهزم ويفر من العراق قبل أن تقطع المقاومة الوطنية العرق الأخير المتبقي في رقبة أمريكا وتنهار بانقطاعه للأبد.
جدار عازل في ماسبيرو وجدار عازل أمام السفارة الإسرائيلية وجدار عازل في شارع محمد محمود وجدار عازل في شارع القصر العيني والشيخ ريحان وكل جدار عازل يتم بناءه يولد مقاومين جدد وضحايا جدد وثوار جدد وخسارة جديدة وهزيمة جديدة تضاف لهيبة وسمعة المجلس العسكري الذي لا يفرق بينه وبين الجيش المواطن المصري البسيط.
لقد شعر الكثير من المصريين بالخجل من تصريحات المتحدث باسم المجلس العسكري الذي قال فيها أن ما حدث في شارع القصر العيني وكان من بعض نتائجه حرق المجمع العلمي هو قيام البعض بنشاط إرهابي ممنهج يتلخص في استخدام الدراجات البخارية لجلب البنزين من محطات الوقود ثم تعبئتها في زجاجات داخل خيام مخصصة بميدان التحرير ثم نقلها عبر الدارجات البخارية لإرهابيين آخرين في شارع القصر العيني ليلقوها على المنشئات العامة، تصريحات دفعت الكثير من بسطاء الشارع المصري أن يسخروا منها وكأنها مشاجرة بين عائلتين لا يملك أيا منهما ردع الآخر، وليست بين طرفين احدهما إرهابي كما جاء في التصريح والآخر الجيش المصري بطائراته المروحية ومدرعاته وآلياته التي كان يمكن لها أن تغلق بأمر حاسم كل محطات البنزين وتؤمنها وكذلك تحيط خيام التحرير التي يتم فيها تعبئة زجاجات المولوتوف بالبنزين بل واستخدام الطيران المروحي في تهديد البلطجية كما جاء في التصريحات والذين يعتلون أسطح المباني العامة لحمايتها، والدفع بقوات الصاعقة والمظلات في دخول مبنى المجمع المصري وحمايته بدلاً من قمع المتظاهرين وتعرية النساء في قارعة الطريق وكأنهم رجال العادلي قبل ثورة 25 يناير.
لقد تعامل الجيش ( مدنيا ) للأسف كما تتعامل عائلات الآخذ بالثأر في صعيد مصر وكأن العقل المصري تعطل تماماً وفقد كل أسباب الحكمة ولو كانت قوات الصاعقة والمظلات العسكرية تعاملت مع المتظاهرين - حتى لو سلمنا جدلاً بأن غالبهم بلطجية وقطاع طرق - كما تعاملوا بقوانين الحرب مع اسري معركة أكتوبر من الصهاينة 1973 لربما لم تحترق منشئات ولم تراق نقطة دم واحدة، لكن يبدو أن هناك من المستشارين ممن يستشيرهم المجلس العسكري يضمرون شرا لرجال القوات المسلحة ويريدون أن يلصقوا به عاراً تاريخيا لن تنمحي سطوره أبدا من صفحة التاريخ.
الجيش منوط بتسليم السلطة المدنية فوراً ولابد أن يتذكر الكل أن ما حدث يوم 25 يناير هو انقلاب عسكري محدود بغطاء شعبي قوي راح ضحاياه مدنيين وليس عسكريين ولاستمرار هذا الغطاء الشعبي ولاستمرار قوته لابد أن يؤمن الجيش أن نظام التوريث الذي كان عبئاً على المؤسسة العسكرية قد انتهى وأن الشعب هو الذي ساند الجيش وليس العكس في غلق هذا الملف للأبد وصناعة مصر جديدة قوية، ومن ثم فليحاكم الجيش مبارك وحزبه وعائلته وملائه لأنهم كانوا قوما فاسقين وأن يصادر الجيش أموال هؤلاء جميعاً لصالح الشعب كما فعل في ثورة 1952 لقد تجاوز ثوار مصر وشباب مصر وشعب مصر فساد النظام السابق بتضحياتهم وشهدائهم محاولين الخلاص إلى نظام جديد يطمحون فيه إلى روح العدل والحرية والكرامة لا تهيمن عليه عقول أيتام مبارك وفلول نظامه السابق الذين يفعلوا بمصر كما فعل فرعون موسى وقال: { إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ * فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ * فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الشعراء: 54- 68] .
إما أن ننتهي الآن وحالاً من مبارك وزوجته وعصابته ونغرقهم فوراً في بحر القصاص من جرائمهم في حق الوطن أو نغرق نحن وتنتحر مصر.

المجلة المصرية || نون

نجيب محفوظ في ذكراه .. مبدع لا يعرف الرذيلة

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
لقد كان نجيب محفوظ ثائرا، كان أفضل من دافع عن ثورة 1919، وكان يعجب كثيرا بشخصية زعيم الأمة سعد زغلول. أما بالنسبة لثورة 1952، فرغم ترحيبه بها في البداية، إلا أنه انتقدها بشدة حين انحرفت التجربة الثورية عن الشعارات التي أعلنتها وظهرت فجوة عميقة بين النظرية الثورية التي آمن بها الثوار وبين تطبيقهم لهذه النظرية على أرض الواقع.
يبدو أننا أمة تأكل أبناءها، تدرك قيمتنا كل الأمم التي وصلت من العلم قمته أما نحن فكما يقول المثل ( مزمار الحي لا يُطرب) أو كما قال الشيخ تاج الدين الحسني أحد علماء دمشق المشهورين: أزهد الناس بالعلماء أهلهم وجيرانهم.
هذا ما يحدث لنا الآن في مصر تجاه غالب رموزنا التي ملأت العقل الإنساني عامة والعربي خاصة بنور المعرفة، لدرجة أصبحت فيها الفوضى لا تفرق بين ما هو أبيض وبين ما هو أسود، لا تفرق بين الطيب والخبيث، من يضئ النفس بالجمال وبين ما يجرحها بالقبح، هذا ما يحدث اليوم مع نجيب محفوظ الذي اتهمه بعض الرموز الهامة في مصر بأن أدبه يحث على الرذيلة! .. لماذا يحث على الرذيلة؟ فكان الجواب لأنه لا يهتم إلا بالعاهرات!.
نجيب محفوظ الذي خالط الصعاليك والحرافيش وغالب المطحونين والمستضعفين، وكتب عن الفقراء وسكان العشش والحواري، ودافع عن كرامة المصري ضد كل ظلم وقع عليه سواء كان واقعا من محتل انجليزي أو من حاكم مستبد!، نجيب محفوظ الذي وقف ضد قتل أحلام البسطاء وقهر الشباب وتجبر الدولة الأمنية في كل رواياته 33 رواية و19 مجموعة قصصية ابتداء من رواية كفاح طيبة (1944)، والقاهرة 30 (1945)، مروراً بالثلاثية العبقرية بين القصرين (1956)، قصر الشوق (1957)، السكرية (1957)، واللص والكلاب (1961)، وثرثرة فوق النيل (1966)، وميرامار (1967)، و الكرنك (1974)، وانتهاءً بأحلام فترة النقاهة (2004).
روايات أقرب للوثيقة التاريخية التي توثق ظرف المكان وظرف الزمان للمجتمع المصري، روايات لن تسع عقول النقاد تفنيد وطنيتها ومصريتها وانتمائها للأرض والنيل، وأذكر قديما وكنت طالباً بالمرحلة الإعدادية ولا أمتلك سوى بساطة الإدراك وطفولة العقل أن شاهدت فيلم الكرنك مع والدي في سينما "ريفولي" بالقاهرة عام 1975، وقد كان والدي – رحمه الله وهو من علماء الأزهر ودكتور في الشريعة - يحترم نجيب محفوظ ويحافظ بقدر الإمكان على متابعة كل أعماله وحتى مقالاته في جريدة الأهرام، يومها وداخل صالة العرض لاحظت تأثر أبي الشديد، كان الفيلم صدمة شديدة لجرأته السياسية والاجتماعية، ففي ظل تكميم الأفواه يخرج علينا نجيب محفوظ ليسرد لنا صارخاً وقائع الظلم والتعذيب وقهر الحاكم لشعب لا يستحق إلا كل احترام وتوقير، يسرد لنا صارخا وقائع ما كنا نحياه من غيبوبة تحت وهم الحرية والكرامة وأرفع رأسك يا أخي، كان يحكي لنا نجيب محفوظ ظلم الحاكم والدولة على المحكومين من أهل الوطن في فترة لم يجرؤ فيها غيره على التفوه بها، كان جريئا وعنيداً، وهنا يقول لي والدي رحمه الله: لولا نجيب محفوظ ومن هم مثله من كتابنا العظام لعاش الناس في وطننا عيشة البهائم، لا يملكون من أمر دنياهم إلا ما يأكلونه ويشربونه ولا إدراك لهم عن معنى الحرية والكرامة والعدل، فقلت لوالدي محاولاً قنص تعاطفه تجاهي وأنا ألمح مدى التأثر البادي عليه ولا أفهمه: أنا أيضا أحب نجيب محفوظ، وبينما نحن سائران لميدان العتبة لنستقل الأوتوبيس عائدين للمنزل بعد خروجنا من السينما التي كنا نراعي الذهاب إليها أول كل جمعة في أول كل شهر، وجدت أبي يصدق على كلامي متمتماً: محفوظ راجل عظيم.
ينتابني إيمان بأن من قرأ أولاد حارتنا قرأها وهو يحمل ضغينة مسبقاً لنجيب محفوظ ولم يفهم إشارته الأدبية والإنسانية بها وكأنه لم يكتب سواها ففهمها بحجم وعيه لا بحجم وعيها ومن ثم حكم عليها وعليه بالكفر، رغم أن هذه الرواية وكما يقول الدكتور جابر عصفور, وزير الثقافة الأسبق: "إن دار الشروق أعلنت في مطلع 2006 أنها ستنشر الرواية بمقدمة للكاتب الإسلامي أحمد كمال أبو المجد. ونشرت بالفعل مقدمة أحمد كمال أبو المجد التي أطلق عليها "شهادة" في بعض الصحف لكن الرواية نفسها لم تصدر إلى الآن"، وربما تذكرني حادثة التكفير تلك بحادثة أخرى مثيرة للاهتمام حدثت في أواخر السبعينيات وكنا طلبة بالمرحلة الثانوية أو ربما في أوائل المراحل الجامعية حينما اصدر مجلس الشعب المصري قرارا بحظر بيع ونشر وتداول كتب العلاّمة " محيي الدين بن عربي" لأن مؤلفاته تدفع بقارئها إلى الكفر و صاحبها كافر، كنت وقتها لم أقرأ لمحيي الدين بن عربي، ولكني كنت أعرف أنه من عباقرة عصره بل ومن أكابر المفكرين الإسلاميين، ورجعت إلى والدي أسأله لكونه حجة في ذلك: هل محيي الدين بن عربي كافر؟، فأجاب إجابة عجيبة قال فيها: مشكلتنا أننا نظن أنه مادمنا نستطيع القراءة فأنه باستطاعتنا الفهم، ومن قرأ لأبن عربي واتهمه بالكفر هو رجل محدود الوعي، ولا يؤمن أن وعيه وفهمه محدود، بل يرى أنه مبعوث العناية الإلهية للحكمة والمعرفة، ومن ثم يظن بوعيه المحدود هذا أنه القاضي العدل في الحكم على العلماء الكبار، هذا مؤمن وهذا كافر، ثم أردف قائلا: مصيبتنا يا بني أننا مجتمع جاهل، يلتهم علمائه كما تلتهم النار في لحظات فدادين القمح، فيحترق كل شئ ومن بقى بعد الحريق على قيد الحياة لن ينجو من الموت جوعاً بعد أن احترقت سنابل الخير.
لقد كان محفوظ ثائرا، كان أفضل من دافع عن ثورة 1919، وكان يعجب كثيرا بشخصية زعيم الأمة سعد زغلول. أما بالنسبة لثورة 1952، فرغم ترحيبه بها في البداية، إلا أنه انتقدها بشدة حين انحرفت التجربة الثورية عن الشعارات التي أعلنتها وظهرت فجوة عميقة بين النظرية الثورية التي آمن بها الثوار وبين تطبيقهم لهذه النظرية على أرض الواقع والتي انتهت بمراكز القوى والسحل وانتهاك الأعراض والقتل والسجون، وهنا كتب محفوظ رواية "أولاد حارتنا" وهي الرواية التي عاد بها إلى الكتابة في 1959، وكأنه كان يحذر فيها رجالات ثورة يوليو وأعوانهم بل ويحذر فيها الشعب نفسه، ولكن هذه الرواية "أولاد حارتنا" شكلت محطة ومنعطفا مثيراً في أعمال محفوظ لكثر ما أثير حولها من لغط، وبعد بدء نشر الرواية مسلسلة في صحيفة الأهرام الحكومية ابتداء من 21 سبتمبر/أيلول حتى 25 ديسمبر/كانون الأول 1959 حث بعض رموز التيار الديني المحافظ على وقف النشر استنادا إلى تأويل الرواية تأويلا دينيا يتماس مع قصص بعض الأنبياء. . ومنذ ذلك الحين وقصة التكفير والاتهام بالإلحاد لا تتوقف".
وربما أتعجب من هؤلاء الناس الذين يقذفون أدب نجيب محفوظ بأنه فقط أدب يدور حول العاهرات من النساء رغم أن المرأة لم تكن أبداً في كل رواياته جسدا للمتعة أو للغواية بل كانت جزءا من المجتمع وشريكا في الثورة كما حدث في ثورة 1919، وحيث تعددت رؤية نجيب محفوظ لها حسب المراحل السياسية والاجتماعية التي مرت بها البلاد فهي في الثلاثية تختلف عنها في ميرامار أو ثرثرة فوق النيل أو الكرنك وزقاق المدق. 
إنني أتفق مع ما قاله الكاتب المصري يوسف القعيد في أن ثورة 25 يناير ظلمت نجيب محفوظ، لأن وزارة الثقافة قررت البدء في الاحتفال بمئوية نجيب محفوظ، وكانت هناك خطط ومشروعات وأحلام كثيرة للاحتفال بهذه المناسبة، ولكنها لم تنفذ، هناك مشروعات كثيرة قابلة للتنفيذ، أولها متحف نجيب محفوظ ويقام في وكالة محمد بك أبو الدهب، وهناك إجراءات تخصيص المكان قائمة، ومدير المتحف المخرج الكبير توفيق صالح يعمل، والمهم أن يتم افتتاحه، على أن يصبح متحفا لنجيب محفوظ ومختبرا للسرديات العربية تصدر عنه دورية تبدأ من الاهتمام بنجيب محفوظ وتصل إلى كل أشكال السرد المصري والعربي والعالمي. والثاني مشروع المزارات المحفوظية الذي تحمس له محافظ القاهرة السابق الدكتور عبد العظيم وزير، وخرائط ورسومات الأماكن التي عاش فيها محفوظ وكتب عنها موجودة لدى المحافظة منذ أن أعدها الصديق جمال الغيطاني للبدء في العمل الذي مازال حتى الآن حبرا على ورق"، ورحم الله نجيب محفوظ.
المجلة المصرية || نون

الخميس، 22 سبتمبر 2011

طغاة .. وطغاة !!

لا تثق في الثوار .. فأنت بين الطغاة لا حيلة لك .. الثورات عبر التاريخ تقوم بين طغاة وطغاة .. ثوار وثوار .. أحدهما حتماً سيستولي على عرش أخيه .. أما أنت .. فستعيش تحت حكم من ينتصر .. ستظل أنت كما أنت .. فالثورات وقودها أنت والحجارة .. أنت في كل ثورة .. هامش .. منسحق .. ضال .. وسيشعروك بأبواق إعلامهم المنتصرة منذ ألف عام أنك تعيش ( من خلال حكمهم الرشيد ) هامش من حرية !!

المجلة المصرية || نون