الخميس، 25 أغسطس 2016

كيف أصبح لله شعب مختار؟ - بقلم: نبيل عودة - الناصرة

الخلاف حول هذه الأسباب زج المؤتمر الدولي للتفاهم بين الديانات في صراع جديد أشغل الإعلام الدولي وقاد إلى تدخل الدول العظمى لتهدئة الخواطر ونقل بحث الموضوع إلى الأمم المتحدة، حيث أنها المنظمة المخولة لحل النزاعات بين الشعوب.

الأربعاء، 6 يوليو 2016

أسرار وتفاصيل الأزمة بين جمال عبد الناصر ومحمود أبو الفتح


mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
بداية الأزمة لم تكن عام 1954 بل كانت عام 1952 وتحديداً ليلة 4 أغسطس بعد قيام الثورة في منزل أحمد فؤاد أحد الضباط الأحرار حيث اجتمع محمود أبو الفتح على الغذاء مع جمال عبد الناصر ويوسف صديق وخالد محيي الدين وإبراهيم طلعت وعبد الحكيم عامر ودار بينهم حديث طويل حول نظام الحكم بعد نجاح الثورة وعزل الملك. 
هل يعقل أن يكون جثمان أول نقيب للصحفيين المصريين وأهم شخصية ثورية قاومت الإنجليز وشاركت في ثورة 23 يوليو 1952 مدفوناً في تونس ولا تطالب نقابة الصحفيين المصريين بعودة رفات نقيبها الأول لترقد في تراب الوطن الذي عاش ومات من أجله !! .. هل نحن أمة تأكل أبنائها ؟؟ وما هي القصة ؟؟
ابتداءً لم يكن محمود أبو الفتح أول نقيب للصحفيين المصريين بل وأول نقيب للصحفيين في الشرق عموماً .. لم يكن صديقاً للرئيس جمال عبد الناصر من قريب أو من بعيد لا قبل الثورة ولا بعدها كما يزعم كثير ممن تناولوا قصة حياته، وربما لو كانوا سألوا أخيه الأصغر " أحمد أبو الفتح " قبل وفاته عام 2004 م لأجابهم ببساطة أن جمال عبد الناصر لم تجمعه بمحمود أبو الفتح أي علاقة فجمال عبد الناصر في عام ميلاده ( 15 يناير 1918 ) كان وقتها محمود أبو الفتح يبلغ من العمر 26 عاماً وملازماً لسعد باشا زغلول وواحداً ممن فجروا ثورة 1919 وواحداً من الوفد المصري الملازم لسعد باشا زغلول في رحلته لإنجلترا وأن بداية علاقة جمال عبد الناصر الحقيقية بعائلة " أبو الفتح " كانت عن طريق "إبراهيم طلعت " أحد أهم الوفديين قبل ثورة 23 يوليو وبعدها حيث كان صديقاً لجمال عبد الناصر أو ربما أهم أصدقائه وهو الذي من خلاله تم التعارف بين " أحمد أبو الفتح " الأخ الأصغر لمحمود أبو الفتح ورئيس تحرير جريدة المصري وبين "جمال عبد الناصر" إذ كان "إبراهيم طلعت" يعيش في الإسكندرية ولما كان ينزل للقاهرة كان يفضل عقد لقاءاته في حديقة جريدة المصري ( لسان حال الوفد ) ومن هنا تعرف جمال عبد الناصر على آل أبو الفتح وصار صديقاً لأحمد أبو الفتح بل وكان لا يفضل شرب القهوة إلا في حديقة جريدة المصري حتى في حالة عدم وجود " ابراهيم طلعت " ويسهر فيها مع غالب محرريها وعلى رأسهم " أحمد أبو الفتح " الذي ترك له أخيه الأكبر " محمود أبو الفتح " رئاسة تحريرها تحت رئاسة إدارتها لأخيهم الأوسط " حسين أبو الفتح " بعدما تفرغ هو لأن يكون رجل أعمال بعيداً عن الصحافة، بل ومن المدهش بعد أن توطدت العلاقة بين جمال عبد الناصر وأحمد أبو الفتح كانت دار جريدة " المصري" تعقد فيها الاجتماعات السرية للضباط الأحرار، ومن مطابعها كانت تخرج بياناتهم، وفيها يحتفظون بسلاحهم الخفيف بحضور أحمد أبو الفتح ومشاركته الشخصية، كما عقدت فيها جميع مراحل التخطيط لثورة 23 يوليو حتى أنه ذات ليلة، وقد اقترب موعد تنفيذ الثورة والضباط مجتمعون في جريدة "المصري"، هرع رجل الى الداخل وأبلغ أحمد أبو الفتح المتزوج من شقيقة ثروت عكاشة، قائد فوج الفرسان في معركة الضباط الأحرار ان البوليس السري يراقب الدار، فأسرع أحمد الى اخبار جمال عبد الناصر ورفاقه الذين تسللوا من الباب الخلفي للجريدة قبل أن يدخل البوليس الحربي ويفتش غرف دار الجريدة ويعود دون أي دليل، هذه إحدى القصص بين أحمد أبو الفتح وجمال عبد الناصر أما محمود أبو الفتح فإن أي كلام عن صداقة بينه وبين جمال عبد الناصر هي محض خيالات.
السؤال إذن ماهو السبب وراء الأزمة التي قامت بين آل أبو الفتح وجمال عبد الناصر جعلت عبد الناصر يرفض عودة جثمان محمود أبو الفتح عام 1958 ليتم دفنه في مصر ؟
يقول غالب من تعرض بالتحليل للأزمة بين عبد الناصر وعائلة أبو الفتح وعلى رأسهم محمود أبو الفتح أنها بدأت مع أزمة مارس 1954 حيث سار التساؤل: هل تستمر الثورة في الحكم؟ وقد تزعم هذا الجانب مجلس قيادة الثورة، أو هل يعود الجيش إلى ثكناته؟، وقد تزعم هذا الجانب محمد نجيب، وخالد محيى الدين، ويوسف صديق، وكانت جريدة "المصرى" في جانب الشعب والديمقراطية، وحاول وقتها أحمد أبو الفتح، وإحسان عبد القدوس، إقناع عبد الناصر بحل وسط وهو أن تتحول الثورة إلى حزب ديمقراطى يكتسح الانتخابات، لكن مجلس قيادة الثورة رفض ذلك العرض، وتم تحديد إقامة محمد نجيب، واعتقال يوسف صديق، وسافر محيى الدين إلى الخارج، وتم اتهام الأخوين محمود أبو الفتح وأخيه حسين أبو الفتح بأنهما "أتيا أفعالًا ضد سلامة الوطن ومن شأنها إفساد أداة الحكم"، وكانت تهمة محمود أبو الفتح أنه "في غضون سنة 1954 قام بدعايات واتصالات في الخارج ضد نظام الحكم القائم بغرض تقويض النشاط القومي للبلاد وإغراء موظفًا عموميًا بطرق غير مشروعة على المساهمة في إتمام صفقة تجارية لمصلحته الذاتية" وقد صدر الحكم بسجن محمود أبو الفتح ـ الذي كان متغيبًا بأوروبا ـ عشر سنوات ومصادرة 358,438 جنيهًا من أمواله، ومعاقبة حسين أبو الفتح بالحبس خمسة عشر سنة مع إيقاف التنفيذ، وطبقا لهذا الحكم عُطلت جريدة المصري منذ يوم 5 مايو 1954.
لكن، هل هذه القصة هي القصة الحقيقية وراء أزمة ( آل أبو الفتح – عبد الناصر ) أم أن هناك تفاصيل أخرى؟
في تقديري أن بداية الأزمة لم تكن عام 1954 بل كانت عام 1952 وتحديداً ليلة 4 أغسطس بعد قيام الثورة بأقل من أسبوعين في منزل أحمد فؤاد أحد الضباط الأحرار والضابط المسئول عن الشئون الثقافية لقسم الجيش في حركة ( حدتو ) الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني قبل قيام ثورة 23 يوليو حيث اجتمع على الغذاء بمنزله كل من جمال عبد الناصر ويوسف صديق وخالد محيي الدين وإبراهيم طلعت وعبد الحكيم عامر ودار بينهم حديث طويل حول نظام الحكم بعد نجاح الثورة وعزل الملك وتم الاتفاق على ضرورة عودة الحياة الدستورية بما يحقق الحرية والديمقراطية وإجراء انتخابات حرة الغرض منها قيام مجلس النواب الذي يجب أن يمثل الشعب تمثيلاً حقيقياً ومن ثم وجوب دعوة البرلمان المنحل للانعقاد بمجلسيه الشيوخ والنواب لإقرار عزل الملك وإضفاء المشروعية على الثورة، وقد نقل " إبراهيم طلعت " هذا الكلام بالحرف لأحمد أبو الفتح في حضور جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في حديقة جريدة المصري يوم 10 أغسطس 1952 م، الأمر الذي دفع أبو الفتح لأن يطرق صامتاً ولم يعلق خاصة بعد سماعه مسألة قانون تحديد الملكية الزراعية من جمال عبد الناصر، وفي يوم 11 أغسطس وفي كافيتريا ( البافيون ) بمصر الجديدة تقابل أحمد أبو الفتح مع أبراهيم طلعت وصارحه بأنه خائف وحين سأله أبراهيم عن سبب خوفه أجاب: ما أعرفش .. إحساس عندي .. كل ( اللغوصة ) اللي بتحصل في البلد دي ! ولكن بالرغم من خوف أحمد أبو الفتح كان هو الوحيد في مصر الذي انفردت جريدته يوم 12 أغسطس 1952م بنشر نص مشروع تحديد الملكية الزراعية تحت عنوان " نص مشروع قانون تحديد الملكية الزراعية الذي قدمه مجلس الثورة للوزارة لإصداره ) وكان ذلك العنوان هو القشة التي قصمت ظهر البعير !
بعد نشر الخبر 12 اغسطس وفي تمام الساعة الثانية عشرة ظهراً فوجئ إبراهيم طلعت بأحمد أبو الفتح على رأسه في غرفته بالفندق وهو يصيح في وجهه : رحنا في داهية يا إبراهيم !!
كانت الداهية التي يصيح بها أحمد أبو الفتح في وجه إبراهيم طلعت مصدرها حفل وضع حجر الأساس لمبنى الإذاعة الجديد بحضور "محمد نجيب" الذي سبقه لمكان الأحتفال " علي باشا ماهر" رئيس الحكومة وهو في حالة عصبية وانفعال شديد ليخبر محمد نجيب عن أن جريدة المصري قد نشرت خبراً ( مكذوباً ) حول مشروع قانون الملكية الزراعية في محاولة منها لدس الفتنة بين الوزارة ومجلس قيادة الثورة. 
لم يكن "محمد نجيب" على علم بكل ما دار بالأمس بين جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وإبراهيم طلعت وأحمد أبو الفتح ومن ثم صرح في الميكرفون للصحفيين الموجودين أمامه أن ما نشرته جريدة المصري صباح 12 أغسطس هو عار تماماً من الصحة وكاذب جملة وتفصيلاً وأنه من خيال هذه الجريدة وطلب تكذيباً رسمياً للخبر، وهنا وكما يقول إبراهيم طلعت في مذكراته أهتزت الدنيا ولم تقعد.
ولكن كيف كان اهتزاز الدنيا التي قامت؟
قرر محمد نجيب أن تنشر جريدة الزمان تكذيباً على لسانه بأن مجلس قيادة الثورة لا علاقة له بما نشرته جريدة المصري وأنه لا مشروع إطلاقاً لمسألة تحديد الملكية الزراعية، وفي مساء نفس يوم 12 أغسطس، تقابل أحمد أبو الفتح وابراهيم طلعت مع جمال عبد الناصر في مكتبه بمجلس قيادة الثورة وتحدثوا معه عن الفضيحة التي ستتلقاها جريدة المصري حيث تم انتهاء جريدة الزمان من اصدار طبعتها الأولى التي تحمل في المانشيت الرئيسي لها تكذيب "محمد نجيب" لمشروع تحديد الملكية الزراعية، لكن لم يدر بخلدهما أبداً وسط ابتسامة جمال عبد الناصر الهادئة والمطمئنة أنه قد تم سحب كل نسخ الطبعة الأولي لجريدة الزمان ومصادرة كل ما طبع منها على رأس قوة من الجنود بقيادة الصاغ عبد المنعم النجار ( سفير مصر في باريس وبغداد فيما بعد ) وإعادة طبعها من جديد بمانشيت رئيسي مختلف يحمل عنوان : ما نشرته جريدة المصري هو نص المشروع الذي قدمه مجلس قيادة الثورة للحكومة لإصدارة.
مذهولان خرج كل من أحمد أبو الفتح وإبراهيم طلعت من مكتب جمال عبد الناصر حيث نظر ابراهيم طلعت لأحمد أبو الفتح قائلاً : أنا الآن يا أحمد أستطيع القول بأني اشاركك الخوف الذي انتابك يوم أمس .. فما حدث بجريدة الزمان النهاردة من المحتم أن يحدث لجريدة المصري غداً.
كانت آثار نشر خبر تحديد الملكية على الناس شبه كارثي، فقد أثار بتفاصيله في جريدة المصري اضطرابات ومظاهرات عنيفة في الأوساط العمالية بمصر سقط فيها قتلى حتى كادت تصل هذه الإضطرابات إلى حد الفوضى، كانت كل تلك الأمور قد وصلت لعلم محمود أبو الفتح الأخ الأكبر لأحمد أبو الفتح وكان وقتها رجل أعمال وأدرك بحسه الصحفي أن هناك أزمة داخل مجلس قيادة الثورة نفسه حول محمد نجيب والوزارة الحالية بقيادة علي باشا ماهر الذي يرى جمال عبد الناصر أنه يريد الإنفراد بالسلطة ولذلك فهو يرحب بتولي الدكتور عبد الرزاق السنهوري رئاسة الحكومة بدلاً من "علي ماهر" رغم فتوى " السنهوري" الكارثية هو وسليمان حافظ بعدم إعمال النص الدستوري بدعوة مجلس النواب المنحل بعد عزل الملك، بل وإلغاء الدستور نفسه وعمل دستور جديد يتفق مع المناخ الثوري الجديد بهوى من فتحي رضوان وحسن الهضيبي، وهنا قرر محمود الفتح السفر إلى سويسرا عن طريق لبنان فقد كانت أعماله في مصر شبه متوقفة بسبب حالة عدم الأستقرار في بيزنس المال والأعمال الذي صاحب قيام الثورة وبالفعل غادر مصر ربما في شهر مايو عام 1953م وكان نقيب الصحفيين المصريين وقتها أخيه الأوسط حسين أبو الفتح.
في لبنان تقابل مع "زهير عسيران " - نقيب الصحافيين اللبنانيين فيما بعد - الذي كانت تربطه بعائلة أبو الفتح صلة صداقة انسانية ومهنية، وحين وصل محمود أبو الفتح لبيروت كان "زهير عسيران" يستعد للسفر إلى مصر حيث عهد إليه "عفيف الطيبي" نقيب الصحافيين اللبنانيين وقتذاك لإلقاء كلمة الصحافيين اللبنانيين في احتفال مصر بعيد الثورة الأول يوليو 1953.
علم "محمود أبو الفتح" من "زهير عسيران" بعد عودته من مصر بأنه ألقى كلمة صحافة لبنان بنصها الأصلي متجاهلا علامات الاستفهام والتعديل التي قام بها الرقيب المصري الذي فرضته الثورة على كل وسائل الإعلام في مصر وقتذاك، وأنه بوصوله الى الكلام عن الحرية وحق الشعوب في ان تحكم نفسها بنفسها اشتعلت القاعة بالتصفيق ، وأضاف "زهير عسيران" بأنه بعد أن أنهى كلمته نهض محمد نجيب في نهاية المؤتمر فشكر الوفود الصحافية ثم تحدّث عن الحرية، "وأن لمصر تاريخ طويل معها ومع الاستعمار، وأن "محمد نجيب" قال ذلك بنبرة قوية وشجاعة، دفعت "زهير عسيران" للتساؤل في إما ان الرئيس محمد نجيب اراد ان يزايد على كلمته ليفهم الحاضرين ان الحرية بخير، أو ان الرقيب الذي عينته الثورة يتبع سلطة خارجة عن ارادة محمد نجيب".
ويقول "زهير عسيران" في مذكراته : وتبين لي في ما بعد ان استنتاجي كان في محله وأن هناك خلاف داخل رجال الثورة أنفسهم حول قيادة محمد نجيب.
اتصل محمود أبو الفتح من بيروت بأخيه حسين أبو الفتح ( نقيب الصحافيين المصريين ) ودعاه لنشر كلمة "زهير عسيران" التي ألقاها في احتفالات الثورة بعيدها الأول بجريدة "المصري" فصدرت في مقالات "لأحمد أبو الفتح" تحت عنوان "حكم الشعب"، وهنا يقول "أحمد أبو الفتح" : ألم يكن الاتفاق بين أصحاب جريدة "المصري" والضباط الأحرار ان تعود الحياة البرلمانية الديموقراطية بعد نجاح الثورة، وهو الأمر الذي لم يرضى عنه الضباط الأحرار ومقالات استوجبت عقد اجتماع بين جمال عبد الناصر وأحمد أبو الفتح في منزل ثروت عكاشة شقيق زوجة أبو الفتح، وانتهى اللقاء إلى خلاف حاد في الرأي عندما أصر أحمد أبو الفتح على رأيه وعلى مقالاته التي تدعو بوجوب عودة الحياة البرلمانية فورا الى مصر، وبتحدي حقيقي ضد جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة وبمباركة من محمود أبو الفتح المتواجد في بيروت وقتها استمرت "المصري" في موقفها المطالب بأن يعود الحكم الى الشعب بعد نجاح الثورة، وحين علم محمود ابو الفتح بأن هناك نية لإسكات صوت جريدة "المصري" قرر أن ينتقل بها لبيروت لكن الوقت كان قد فات وتم مصادرتها ومصادرة مطابعها.
من خلال صداقة "محمود أبو الفتح" بكل الصحافيين العرب ونقبائهم قرر أن يشن حملة صحفية من بيروت ويبدأها من خلال جريدة "الهدف" لصاحبها "زهير عسيران" .. كانت حملة قاسية ( من وجهة نظر محمود أبو الفتح ) على عبد الناصر الذي غيّر موقفه من رفاقه وخصوصا جريدة "المصري" وأصحابها، وفي عام 1954 م قرر جمال عبد الناصر أمام هذه الحملة تجريد محمود أبو الفتح من جنسيته المصرية والحكم عليه في محكمة الثورة بعشرة سنوات سجن وتجريده أيضاً من جميع ممتلكاته وتحويل منزله بشارع أحمد حشمت بالزمالك إلى مدرسة ابتدائية وكذلك أخاه حسين أبو الفتح.
سافر "أحمد أبو الفتح" لملاقاة أخيه محمود في بيروت ولكن محمود كان قد غادرها إلى سويسرا فور سماعه بنبأ تجريده من الجنسية المصرية حتى يدخلها قبل أن تمنعه السلطات السويسرية من دخولها بعد اسقاط جنسيته، حينها أرسل له أحمد أبو الفتح برقية من بيروت تفيد بضرورة أن يلتقيه في ايطاليا ولما كان محمود أبو الفتح قد انتزعت منه الجنسية المصرية ومضطر لملاقاة أخيه في ايطاليا ولا يستطيع مغادرة سويسرا والعودة إليها بل ولا يستطيع دخول ايطاليا أيضاً فقد استطاع بواسطة اصدقاء منهم "زهير عسيران" الحصول على جواز مرور سويسري من السلطات السويسرية تتيح له السفر والعودة بموجبه، وعند الحدود الايطالية - السويسرية دقق ضباط الجوازات مع حامل جواز المرور وهنا بكى محمود أبو الفتح ولسان حاله يقول: هكذا أصبحت مشرداً في الارض لا هوية لي كأني لم أكن يوما عربيا ولم أخدم قضايا وطني؟".
في فندق "أكسلسيور" في العاصمة روما بإيطاليا كان "محمود أبو الفتح" في شبه انهيار مما يحدث، وبينما هو في انتظار أحمد أبو الفتح أخيه اتصل "زهير عسيران" الذي كان يرافقه في رحلته من سويسرا لإيطاليا بل ومنذ خروجه من لبنان بالدكتور "فاضل الجمالي" وزير الخارجية العراقي يومئذ وتحدث معه عن "محمود أبو الفتح" فتأثر جداً وطلب مقابلتهما.
في صباح اليوم التالي ذهب "زهير عسيران" بصحبة "محمود أبو الفتح" للسفارة العراقية في روما فوجدا الدكتور "فاضل الجمالي" قد أعطى أوامره بإعطاء "محمود أبو الفتح" جواز مرور للسفر الى بغداد فوراً. 
وصل "محمود أبو الفتح" بصحبة "زهير عسيران" الى مطار بغداد فوجدا مندوباً من وزير الخارجية يقودهما الى مقر وزارة الخارجية حيث استقبلهما هناك "فاضل الجمالي" بنفسه وهو يطمئنه: "سترى ما يسرك ان شاء الله".
وانعقد مجلس الوزراء العراقي واتخذ قرارا بمنح "محمود أبو الفتح" الجنسية العراقية، تقديرا لخدماته وتضحياته في سبيل العرب والعروبة، وخلال يوم واحد كان "محمود أبو الفتح" يحمل الجنسية العراقية وجواز سفر يتحرك به كيفما شاء.
كان التحرك الاول الى سويسرا حيث يقيم فحصل من القنصلية السويسرية على تأشيرة دخول الى سويسرا، ورغم ان السلطات السويسرية لفت نظرها تغيير الجنسية، الا أنها تتساهل مع الشخصيات المعروفة لديها وأن "محمود أبو الفتح" ليس مجهولا منها وهو يقيم فيها منذ مدة وله مصالح فيها قبل ان يتم الحكم عليه بنزع الجنسية المصرية.
وظل "محمود أبو الفتح" عراقيا حتى الثورة التي قام بها "عبد الكريم قاسم" وحينها قرر مجلس الوزراء العراقي في أول جلسة له بسحب الجنسية العراقية من "محمود أبو الفتح".
تشاور "محمود أبو الفتح" مع صديقة القديم "زهير عسيران" في التليفون فدعاه أن يحضر الى بيروت فوراً وكان سفير العراق فيها صديقا لزهير عسيران حيث أطلعه على ما حدث لمحمود أبو الفتح وهنا قرروا الحل الذي تلخص في العودة الى الجريدة الرسمية العراقية "الوقائع العراقية" والتي تحمل مرسوم اعطاء الجنسية العراقية الى "محمود ابو الفتح" حيث يقدموه للسلطات السويسرية لتبقى الجنسية العراقية سارية المفعول لمحمود في سويسرا وهو ماحدث بالفعل.
حزن محمود أبو الفتح مما حدث له ويحدث حزنا شديداً فساءت صحته وتدهورت بشكل سريع فانتقل الى المانيا وتوفي في مستشفى "بادن"، ولم يتمكن اهله من دفنه في مسقط رأسه مصر، بحسب وصيته، لمعارضة السلطات المصرية استقبال جثمانه فدفن في تونس بأمر من الرئيس الحبيب بورقيبة.
فهل حان الوقت لإعادة رفات هذا الرجل الوطني لأحضان وطنه ليستعيد الجثمان شرف الدفن في تراب الوطن كما أعاد أنور السادات شرف هذا الرجل ومنح أسمه وسام الجمهورية .. لا نريد أن نكون أمة تأكل أبنائها وقد حان لنقابة الصحفيين في يوبيلها الماسي أن تفكر في إعادة رفات أول نقيب لها من تونس ليتم دفنه في مصر. 
وننتهي بالثناء على شعب تونس العظيم الذي دائماً ما يظهر معدنه النقي والعروبي في لحظات العسرة إن مرت بأمتنا حيث تجد في "تونس" وشعبها حضناً انسانياً رحباً وفياضاً.
 


الثلاثاء، 5 يوليو 2016

تخاريف صيام

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
العجيب أن عمي قام بجمع المحصول كله ثم قام بحرقه !! .. بل ورفض أن أتذوق منه حبه واحدة .. ورفض أن تأكل منه البهائم التي يمتلكها عود أخضر واحد منها !

  

•    كلما قرأت .. عرفت أني .. لاشئ

•    في قرارة نفسك ( وجه ) مجهول تحبه .. تعشقه .. يكتويك .. وجه في ( نخاع ) قلبك تبحث عنه منذ ( نُضج ) مشاعرك لكن لا تلتقيه أبداً بين ملايين الوجوه التي تحيط بك .. وجه صنعته ( ضرورة ) في مشاعرك تشتهي معنى كامل ( حي ) وسط فوضى ( أنصاف ) المعاني .. نقص بحاجة للإمتلاء .. ضياع يرغب في السكن .. جدب يبتهل للمطر .. عدم يرجو الوجود .. لاشئ يبتغي السمو .. في قرارة نفسك ( كلمة ) تفتقد ( عبارة ) تفسرها .. إن أدركت ( النور ) أو أدركك ( النور ) .. كان الوجه وكانت العبارة !!

•    إن تغير ( الفؤاد ) عن العشق .. لا يتغير ( قلبه ) عن الرغبة في المعشوق .. احذر ضياع الفؤاد في حزن قلبك !!ِ

•    عظمة وجوده تسكنك وعتمة ضياعه في احساسك بالعظمة !!

•    سأل: أين تكمن عظمة الصوم ؟ أجاب: في لسانك سأل: وأين يكمن ضياعه؟ أجاب: في لسانك

•    يتصور البعض أن العزلة عن الناس في ( رمضان ) أقرب ( للتقوى ) لإنعدام ( الحوار ) الذي يؤمن ( المنعزل ) أنه حتماً سيقوده للغضب .. في تقديري أن التقوى تكمن في احتكاكك بالناس مع قدرتك في السيطرة على ( غضبك ) لتصنع في داخلك القدرة على العفو .. التدريب على مسئولية ( التواصل ) .. الغفران .. التواضع .. السمو .. إن لم تواجه نفسك لتفرض ( عليك ) إنسانيتك فكيف ستتقرب ( إليه ) في ( وهم ) إنعزالك وانسانيتك ( معدومة ) الخبرات ؟؟

•    إن أردت ( النجاة ) لا تدعو بالشر .. أدعو بالهداية إن لم تستطع العفو !!

•    الخوف .. غريزة تدفعك ( بالظن ) للبقاء على قيد الحياة .. فتحيا به عمرك كأنك ميتٌ !!

•    في حياة كل منا شخص ( شرير ) مهمته أن يدفعك للحزن أو الجنون .. سعادته في حزنك .. خوفك .. قلقك .. لا تدعو عليه .. لا تبذل مجهوداً في الغضب منه .. فقط ( استمتع ) بكونه يستنزف قواه .. حياته .. طاقاته .. في التفكير السلبي المستمر فيك .. ( استمتع وتلذذ ) بأنه بعيش ضياعه .. غضبه .. حقده .. بينما أنت .. تحيا بإيمان كامل أنه غير موجود وتستمر في صناعة أحلامك .. رغماً عنه !!

•    في ذات الكوم .. قريتي .. كان عمي حسين عبد العزيز – رحمه الله – فلاحاً ( فصيحاً ) .. أشد ماكان يؤلمه جهل الناس .. كان يؤمن بأن وعي الأرض من وعي صاحبها .. وفي أحد الأعوام في أواخر السبعينيات قرر أن ( يجرب ) زراعة الفراولة وكانت مصر حديثة عهد بزراعتها .. كان ذكياً بحيث زرعها بين محصول ( الفلفل ) لأختبار نجاحها في الأرض الطينية .. فإن نجح الإختبار زرعها على نطاق واسع العام المقبل .. المدهش أن الفراولة نجحت نجاحاً مذهلاً وكانت حبة الفراولة الواحدة في حجم حبة المشمش .. لكن العجيب أن عمي قام بجمع المحصول كله ثم قام بحرقه !! .. بل ورفض أن أتذوق منه حبه واحدة .. ورفض أن تأكل منه البهائم التي يمتلكها عود أخضر واحد منها .. وذات يوم سألته: لماذا حرقتها ؟ .. أجاب ببساطة: ( جار فلفل تستاهل الحرق ) .. زرعتها للإختبار فقط وسط زراعات الفلفل والحمد لله نجح الإختبار .. لكن لكونها بين الفلفل صارت ( حريفة ) .. صار لها شكل الفراولة ولكن ( حراقة ) كقرن فلفل .. صارت لا هي فراولة ولا هي فلفل .. ثم نظر لي وقال: اللي يزرع نفسه وسط ناس غير ناسه يبقى زي الفراولة دي .. ( جار فلفل ) .. لا صاب بقى ( هو ) ولا صاب بقى ( زيهم ) وساعتها يستاهل الحرق !! .. مازلت أعلمها لأبنائي حتى الآن .. رحم الله من مات من أهلنا وتعلمنا منه قيمة انسانية رفيعة.

•    الزهد في العشق .. عبث .. وعشق الزهاد بوابة النعمة !!

•    أسوأ العقول .. عقل يؤمن بأنه يمتلك الحقيقة !!

•    إذا أردت أن تنتقد أفكاري ( فأفعل ) ولكن .. لا تنتقص من انسانيتي !!

•    في المشيئة دائما ما يكون هناك طريق ( وحيد ) للنجاة لا يعرفه سوى الإلهام الذي لم تلوثه الفوضى !!

•    حينما تعتلي ( منبر ) الحياة فلا تتحدث بما يعرفه الناس فيجهلونك !!

•    في غربة الأبناء .. وجع الوحدة !!

•    أشد مافي الغربة .. ضياع تاريخ الحلم في جغرافيا الطموح !!

•    أينما ذهبت يصاحبك مخزون وعيك فلا تحيا غربتين .. غربة الجغرافيا وغربة الذاكرة !!

•    تضيع الحرية حين تُسيطر الرغبة على الوعي !!

•    اينما ذهب من نقل لك ولو كان صادقاً .. إذهب في عكس اتجاهه !!

•    ملامح الضياع في فقدان القدرة على الإختيار .. وملامح الفتنة في فقدان القدرة على التبصر !!

•    في الشدة ابحث عن الحل ولا تدفع العمر للضياع في البحث عن الأسباب !!

•    تميل الناس لتصديق ( الخرافة ) حين تضيق نوافذ ( الحق ) بينهم !!

•    الهم .. هو السبب الوحيد في عرقلة إرادتك الحرة !!

•    يخاطب الله فيك الوعي .. ويخاطب الشيطان فيك الرغبة .. بين الوعي والرغبة ذكاءك في تطويع الرغبة للوعي !!

•    ليس بمكانتك العلمية يندفع الناس لإحترامك .. انسانيتك فاصل وجودك من عدمه !!

•    كارثة العلم في محدوديته وعظمة المعرفة في مداها !!

•    إن وصلت لسقف الشئ فإما أن تطمح لإختراقه أو .. لا مفر من السقوط !!

الأربعاء، 29 يونيو 2016

السيدة نفيسة ومحنة آل بيت النبي بقلم محيي الدين إبراهيم

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
أحب المصريون السيدة نفيسة حباً جماً لدرجة أنهم أخذوا في بناء بيوتهم الجديدة بجوارها وبجوار منزلها في " درب السباع" حتى عمرت الصحراء المحيطة ببيتها ببيوت وقلوب المحبين لها، كما عرفوا أيضاً جرأتها في الحق فاشتكوا لها ظلم بعض أمرائهم الذين يسرقون الناس ويتحكمون في الأرزاق فخرجت السيدة نفيسة من دارها ذات يوم وكانت قد علمت أن والي مصر سيمر بجوارها حتى جاء فصرخت فيه قائله:


زالت الدولة الأموية بالكامل وتم قتل بني أمية جميعاً وآخر من تم قتله كان الخليفة الأخير "مروان بن محمد" في مصر بعدما ( فر ) إليها من دمشق عام 132 هـ مع نفر من حلفائه ليلحق بهم العباسيون من دمشق ويقتلوه وحلفائه في قرية "أبو صير الملق" بمحافظة بني سويف ولم ينجو من مجزرة قتل آخر الأمويين في هذه القرية سوى "عبد الرحمن بن معاوية" المُلقب بـعبد الرحمن الداخل، الذي فر من مصر إلى الأندلس وأسس الدولة الأموية الثانية هناك، كان أهل مصر - في ذلك الزمان – يعتقدون أن زوال دولة بني أمية إنما جاء بسبب قتلهم آل بيت رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام وقد كان أهل مصر يحبون أهل بيت رسول الله حباً عظيما ويحمونهم ويحيطون بهم إحاطة الرحم بالجنين. 
لا يمكن تصور أن أهل بيت النبي يصل بهم الأمر إلى حد تحديد الإقامة الجبرية في المدينة المنورة طيلة فترة الدولة الأموية تجنباً لقتلهم في عملية قتل متعمده أقرب للتطهير العرقي والإبادة الجماعية؟، كان الأمويين يذبحونهم ذبح الشاة فيفصلون الرأس عن الجسد حتى ولو كان طفلاً رضيعاً !!، ولذلك كاد خلفاء الدولة الأموية الذين استمروا في الحكم "ثمانين عاماً"، كادوا أن يقضوا على آل بيت النبي باستثناء من لجأ منهم إلى مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ولم يغادرها حتى مات أو من بقى منهم في المدينة المنورة وظل بها حتى مات إلى أن انتهت دولة بني أمية على يد العباسيين وحلفائهم وعلى رأسهم سادة كبار من بني هاشم، وظن الجميع أن مصيبة آل بيت رسول الله في قتلهم وذبحهم قد انتهت بصعود نجم العباسيين لكن لم يدم هذا الظن سوى عقد من الزمان هي مدة حكم الخليفة العباسي الأول الذي مات بالجدري وهو في طريقة للحج.
لم تنته المصيبة بالطبع !!، لماذا ؟، من هنا تبدأ المأساة، تبدأ بمحمد ( النفس الزكية ) بن عبد الله ( الكامل ) بن الحسن ( المثنى ) بن الحسن ( السبط ) بن علي بن أبي طالب، وهو إبن عم السيدة نفيسة ( كريمة الدارين ) بنت الحسن ( الأنور) بن زيد (الأبلج ) بن الحسن ( السبط ) بن علي بن أبي طالب، حين بايعه في المدينة المنورة أثناء استعدادهم للثورة والحرب والقضاء على بني أمية واستلاب الخلافة منهم جماعة من بني هاشم ومعهم "عَبْد الله بن محمد بن علي بن عَبْد الله ابن العباس بن عَبْد المُطَّلِب" المعروف ( أبو العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين ) وأبن أخيه "عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم" المعروف ( أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء العباسيين ) بايعوا " محمد النفس الزكية " على أن يكون هو خليفة المسلمين بعد زوال حكم بني أمية، وأتفق الناس على ذلك وحاربوا بني أمية وظفروا بالنصر عليهم ولكن تراجع ( أبو عباس السفاح ) ومعه إبن أخيه ( أبو جعفر المنصور ) عن بيعتهم لمحمد النفس الزكية وقرروا أن تكون الخلافة فيهم وفي أبنائهم من بعدهم وبدأوا في التخلص من كل حلفائهم الذين ناصروهم في القضاء على بني أمية ودولتهم، وعلى رأسهم محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم اللذان حينما علما بذلك الغدر سافرا لليمن ومنها للهند ليتوارا عن أعين بني العباس الذين يبحثون عنهم لقتلهم.
حين مات " ابو العباس السفاح" بالجدري عاد محمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم للمدينة المنورة، وكتب خطاباً لأبي جعفر المنصور يؤكد له فيه أحقيته بالخلافة عنه جاء فيه:"من محمد بن عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الله بن محمد، {طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ}[القصص: 1-6]، وأنا أعرض عليك من الأمان ما عرضته، فإنَّ الحقَّ معنا، وإنَّما ادَّعيتم هذا الأمر بنا، وخَرجتم إليه بنا، وحَظيتم عليه بفضلنا، وإن أبانا عليًّا رحمه الله كان الإمام، فكيف ورثتم ولايةَ ولده؟!! وقد علِمتُم أنه لم يطلب هذا الأمر أحدٌ بمثل نَسَبنا ولا شرفنا، وأنَّا لسنا من أبناء الظِّئار( أي لسنا أبناء وأخوة من الرضاعة مع أبناء فاطمة الزهراء )، ولا من أبناء الطُّلقاء (يقصد بهم أهل مكة بعد الفتح الذين قال فيهم النبي: أذهبوا فأنتم الطلقاء)، وأنه ليس يَمُتُّ أحدٌ بمثل ما نَمُتُّ به من القرابة، والسابقة، والفضل"، وهنا رد عليه أبو جعفر المنصور في خطاب – نوجزه – حيث قال فيما اختصرناه: "من عبد الله أمير المُؤمنين إلى محمد بن عبد الله بن حَسن، أمَّا بَعْدُ؛ فقد بلغني كتابُك، وفهمتُ كلامَك، فإذا جُلُّ فَخْرِكَ بقَرابة النِّساء؛ لتُضِلَّ به الغوغاء، ولم يَجعل اللهُ النساءَ كالعُمومة، ولا كالعَصَبَة الأولياء؛ لأنَّ الله جعل العمَّ أبًا، وبدأ به في القرآن على الوالد الأدنى، ولو كان اختيارُ الله لهنَّ على قدر قَرابتهن لكانت آمنة أقربَهن رَحِمًا، وأعظمَهن حقًّا، وأوَّلَ مَن يدخل الجنَّة غدًا، ولكنَّ اختيارَ الله لخَلقه على قَدْرِ عِلْمِه الماضي لهم"، وأطال في خطابه واسترسل حتى قال له يذكره: " لقد خرج عمُّك الحُسيَن على ابن مَرْجانة ( ويقصد به أبو حفص، عبيد الله بن زياد ابن أبيه، ولي خراسان، في عهد معاوية وابنه يزيد، وهو قاتل الحسين بن علي "الذهبي: سير أعلام النبلاء 3/546)، فكان الناس معه عليه حتى قَتلوه وأَتَوْا برأْسِه إليه، ثم خرجتُم على بني أُميَّة فقتَّلوكم وصَلَّبوكم على جُذوع النخل، وأحرقوكم بالنِّيرانِ، ونَفَوْكم من البُلدان، حتى قُتل يحيى بن زيد بأرض خُراسان، وقَتلوا رجالَكم، وأسروا الصِّبية والنِّساء، وحَملوهم كالسَّبي المجلوب إلى الشام، حتى خرجنا عليهم، فَطلبنا بثأرِكم، وأدْركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضَهم وديارَهم وأَموالَهم، وأردنا إشراككم في مُلكنا، فأبيتم إلاَّ الخروجَ علينا"، ثم أنهى خطابه بالقول: وقد علمت أنَّ المكْرمة في الجاهلية سِقَايَةُ الحاجِّ الأعظم وولاية بئر زمزم، وكانت للعبَّاس، وقد نازعَنا فيها أبوك، فقضى لنا بها رسولُ الله، فلم نَزل نَليها في الجاهليَّة والإسلام، فقد علمتَ أنه لم يَبْق أحدٌ مِن بعد النبيِّ من بني عبد المطلب غير العبَّاس وحدَه، فكان وارثَه من بين إخوته، ثم طَلَبَ هذا الأمرَ غيرُ واحد من بني هاشم، فلم يَنله إلاَّ ولدُه، فالسقاية سقايتُنا، وميراث النبيِّ ميراثُنا، والخلافة بأيدينا، فلم يبقَ فَضل ولا شَرف في الجاهليَّة والإسلام إلاَّ والعبَّاس وارثه ومُورِّثه"، خرج "محمد" النفس الزكية بعد الخطاب ثائراً بالمدينة سنة 145هـ، وبويع له فى كثير من الأمصار وخرج أخوه "إبراهيم" بالبصرة، واجتمع معه كثير من الفقهاء، وغلب أتباعه على فارس وواسط والكوفة، وشارك فى هذه الثورة كثير من الأتباع وكانت المواجهة العسكرية أقرب للمجازر، واستطاعت في النهاية جيوش أبى جعفر أن تهزم "النفس الزكية" بالمدينة وتقتله وتفصل رأسه عن جسده، وتقضى كذلك على أتباع إبراهيم أخيه فى قرية قريبة من الكوفة وتقتله وتفصل رأسه أيضاً.
بمقتل " النفس الزكية" ظهر دور عمه الحسن ( الأنور) والد السيدة نفيسة رضي الله عنها حيث كان أهل المدينة وما حولها في شدة الغضب من أبو جعفر المنصور الذي سار على نهج سلفه من بني أمية في قتل أحفاد رسول الله، ولكي يُطفئ "أبو جعفر المنصور" نيران هذا الغضب الذي ربما يطيح بعرش خلافته قرر أن يسامح من وقف إلى جانب ثـورتي محمد وأخيه إبراهيم بالمدينة، ولاسيمـا من الشخصيات البـارزة في المجتمع، سـواءً في الحجاز أو في العـراق، ومـن هؤلاء الإمــام أبو حنيفة، والفقيه عبـد الحميد بن جعفر، وابن عجــلان، والإمــام مـالك بن أنس، ولما اطمأن الخليفة إلى موقف الإمام جعفر الصادق أكرمه وبره، ثم ولى على المدينة المنورة "الحسن ( الأنور ) بن زيد بن الحسن" عم " النفس الزكية" ووالد السيدة "نفيسة" وأبقاه والياً علي المدينة المنورة خمس سنين (لأنه لم يشترك في ثورة محمد النفس الزكية) فظل والياً عليها من سنة 150-155ﻫ/767-772م، وحين هدأ غضب الفقهاء والناس وسادة بني هاشم في المدينة وما حولها وأذعن الجميع للأمر الواقع بخلافة أبو جعفر المنصور وأنه قد صار بالفعل "أمير المؤمنين" وثاني الخلفاء العباسيين قام أبو جعفر بخلع "الحسن الأنور" من ولاية المدينة المنورة ولم يكتف بذلك وحسب بل قام بسجنه ثلاث سنوات، ثم أرسل له رسول بالسجن ليختار بين السجن أو الرحيل لبلد يختارها فأختار "مصر" ليرحل إليها هو وأهله، وبالفعل رحل "الحسن الأنور" هو وجميع أهله إلى مصر، واستقبل قدومهم جمع غفير من أهل مصر بمدينة "العريش" بسيناء وظلوا يرافقونهم حتى دخلوا مدينة الفسطاط حيث استقبلهم والي مصر "الحسن بن البحباح".
قرر حسن الأنور أن يقيم على أطراف مدينة الفسطاط ( المكان المعروف حالياً " الجيارة") أما السيدة نفيسة وزوجها "إسحاق المؤتمن بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب" فأقاما في منزل أحد الأعيان تحت سفح المقطم في المنطقة التي تعرف اليوم بسوق الجمعة أمام مسجد السيدة عائشة بطريق مسجد الإمام الشافعي وكان يدعى هذا الرجل المصري " جمال بن عبد الله الجصاص" وكان تاجراً وربما جاء لقبه " الجصاص" نسبة إلى حرفته أو حرفة أبيه في صناعة " الجص " في العمارة وخاصة عمارة المساجد والأضرحة ، وقد كانت هذه المنطقة صحراء خالية تماماً من أي روح لكونها على أطراف الفسطاط العاصمة وخارج أسوارها وتقع وسط مقابر المسلمين الذين أشتروا أرضها أسفل جبل المقطم من أقباط مصر ( طريق اوتوستراد المعادي وحلوان حالياً )، وكان للجصاص أرض ينوي إنشاءها مقبرة له ولأبنائه في أعلى أحد تلال جبل المقطم ( بالقرب من مقام الشيخ أحمد بن عطاء السكندري حالياً ) فاختارتها السيدة نفيسة " صومعة " تعتزل فيها ليلاً لتصلي وتقرأ القرآن ومازالت هذه "الصومعة" موجودة حتى الآن باسمها وهي تسع شخصين فقط للصلاة لضيق حجمها لكونها أقرب لكهف صغير محفور في أعلى التبة وقد حالفني الحظ ذات مرة وزرتها وصليت فيها، وحين علم الإمام الشافعي في محبسه بالكوفة الذي سجنه فيه أبو جعفر المنصور بسبب فتاواه التي تؤيد " النفس الزكية" وتدعم موقفه في الثورة قرر إن خرج من سجنه ليذهبن إلى مصر ليكون بجوار الشيخ "حسن الأنور" وأبناءه وبالفعل حين فك الله أسره جاء إلى مصر وقرر أن يختار مكاناً بالقرب من إقامة السيدة نفيسة وزوجها اسحاق المؤتمن بدار " الجصاص" فكان مقامه على مقربة شديدة من دارهما ( في مكانه الحالي المعروف بمسجد الإمام الشافعي)، وكان الشافعي يعتبر السيدة نفيسة هي سيدة العلم إذ تربت في مسجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وأخذت عن علمائه ما يدفعها لقمة هرم العلم الديني والفقهي ولعل أهم من التقت بهم في المسجد النبوي كان الإمام "مالك " الذي أخذت عنه العلم من كتابه "الموطأ" إذ كان فقهه حديث الأمصار في كل بلاد المسلمين، ومن ثم كان الشافعي دائم الزيارة لها ولزوجها يسألها ويحاورها ويدعوها دوماً للدعاء إليه، كما كانت علاقته بزوجها هي علاقة تلميذ بأستاذة إذ أن أستاذ الشافعي الذي تتلمذ الشافعي على يديه كان دائم القول عن "إسحاق المؤتمن": حدثني الثقة، حدثني الرضا، حدثني "إسحاق المؤتمن بن جعفر" وحتى بعد أن أمر أحد أمراء مصر في ذلك الوقت وهو " السري بن الحكم " بأن يهديها داراً واسعة كان قد أنشأها في "درب السباع" وقبلتها ( حيث مسجدها ومقامها الحالي ) ظل الإمام الشافعي يزورها هو وتلاميذه ومنهم ذو النون المصري وعبد الله بن الحكم والربيع المرادي والربيع الجيزي وغيرهما.
أحب المصريون السيدة نفيسة حباً جماً لدرجة أنهم أخذوا في بناء بيوتهم الجديدة بجوارها وبجوار منزلها في " درب السباع" حتى عمرت الصحراء المحيطة ببيتها ببيوت وقلوب المحبين لها، كما عرفوا أيضاً جرأتها في الحق فاشتكوا لها ظلم بعض أمرائهم الذين يسرقون الناس ويتحكمون في الأرزاق فخرجت السيدة نفيسة من دارها ذات يوم وكانت قد علمت أن والي مصر سيمر بجوارها حتى جاء فصرخت فيه قائله: "ملكتم فأسرفتم وقدرتم فقهرتم وخولتم ففسقتم وردت إليكم الأرزاق فقطعتم ،هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة لاسيما من قلوب أوجعتموها ..وأكباد جوعتموها.. وأجساد عريتموها.. ومحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم ،اعملوا ما شئتم فإنا صابرون.. وجاوروا فانا مستجيرون ..وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) سمعها جيداً وما أن انتهت من صرختها حتى خر الحاكم باكيا ووقف بين يديها ووعد بالتغيير ونفذه بالفعل الأمر الذي فاض على المستجيرين بها عدلاً وإحسانا.
عُرفت أيضاً السيدة نفيسة بكرامات لها كثيرة وقد ذكر ابن حجر رضي الله عنه نحواً من مائة وخمسين كرامة، أما هي رضوان الله عليها فحينما واجهوها بذلك قالت: "أما فيما يتعلق بما سماه الناس لي من كرامات فهذه ليست إلا من قبيل النوع الذي يقود إلى الطاعة، والسير فيما يرضي الله، حتى يصل من شاء الله له بالهداية إلى منازل الصالحين" وفي شهر رجب من عام 208 هـ أصاب السيدة نفيسة مرض أقعدها عن الحركة وصار يزداد، فأحضروا لها الطبيب فأمرها بالفطر، فقالت: واعجباه! لي ثلاثين سنة وأنا أسأل الله أن يتوفاني وأنا صائمة، أأفطر؟!، وكانت ترقد ومن وراءها ستار يخفي وراءه ( القبر ) الذي حفرته بيدها لنفسها فقالت للمحيطين بها بعد أن أزاحت جزءاً من الستار وهي تشير للقبر: "هذا قبري، فإذا متُّ فأدخلوني فيه"، فلمّا فاضت روحها الطاهرة الشريفة دفنت في قبرها الذي حفرته بيدها، رضي الله عنها وعلى جدها سيدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة والسلام.

الثلاثاء، 3 مايو 2016

عندما يتفق ( صلاح جاهين وسيد مكاوي ) على الموت في يوم واحد !

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com

" لموا الكراريس" التي غنتها الفنانة العظيمة شادية بمناسبة قتل اطفال مدرسة بحر البقر، أغنية انفعل بها ( مكاوي ) واستشعر حينها ( مكاوي ) بكلمات رفيق دربه صلاح جاهين وبأنه يجب عليه أن يرسل من خلالها رسالة للعالم .. أن يصرخ بفنه .. يغضب .. يحمل السلاح .. ولكن سلاح من نوع خاص .. سلاح إلهامه .. إيمانه بوطنه .. 

صلاح جاهين ومن بعده سيد مكاوي، عملاقان، عاشا صديقين معاً، وأضاءا وجه مصر بإبداعاتهما معاً، وعبرا بفنهما عن الكرامة المصرية، والكبرياء المصري، بل ووجود مصر الحضاري والمعاصر، لكن من عجائب القدر أن كلاً منهما حين انتقل لجوار ربه إنتقل في 21 أبريل وكأنهما كانا على اتفاق فيما بينهما أن يموتا في نفس اليوم رغم السنين التي تفصل بين وفاة كل منهما عن الآخر.
صلاح جاهين، هذا الساخر المهموم، التي دعته حماسته بثورة 23 يوليو أن يكتئب من هزيمة يونيو ويعتزل الفرحة، لقد كان صلاح جاهين في وفاة أمل دنقل في قمة الاكتئاب، اكتئاب وصل إلى أعلى نقطة، كان كلما مشى في الشوارع التي اعتاد أن يمشي فيها إتهمه البعض ممن يعرفونه بأنه سبب ما تعيشه مصر من هزيمة فهو الذي هلل وكبر وغنى واتضح أن كل ما ردده الشعب المصري ورائه كان مجرد أوهام أدت لنكسة يونيو 1967، لم يستطع أن يقاوم، كان يستشعر أن كل أحلامه تخلت عنه، أحلام الثورة وأحلام الناصرية، وأحلام النصر، حتى اعترف عام 1986 بعد وفاة أمل دنقل بثلاث سنوات فقط لبعض أصدقائه أنه لا يدري هل كان يغني للناس أم يغني عليهم، ومات يوم 21 أبريل من نفس العام، كانت صاعقة لصديقه الذي ملأ مصر معه بالغناء للثورة وللنصر والهزيمة، سيد مكاوي، لقد كان النغم لكلمات جاهين، لم يفترقا، وحين مات جاهين، لم يذرف مكاوي دمعة واحدة، انتابته حالة من الذهول، ظل صامتاً حتى أخبرته إيناس أبنته بأن رفيق الرحلة سيخرج من مسجد عمر مكرم، ظل طوال الطريق صامتاً، غير مصدق أنه يمشي في جنازة صلاح جاهين، يمشي في جنازة من ملأ معه الدنيا صخباً وضجيجاً وضحكاً وسخرية والآن يواري جسده الثرى للأبد، لكنه لم يكن يعلم أنه سيلقاه في نفس اليوم 21 إبريل ولكن بعد 11 عام في 1997، فهل هذا هو عمق الارتباط بين الأصدقاء أم أنه القدر الذي لا يريد أن يحرمهما من ارتباط اسميهما حتى في يوم الوفاة، اصدقاء لا يمكن أن ننسى لهما روائع ما فعلاه لمصر سوياً بداية باحتفالات مصر بثورتها والغناء لها والاحتفاء بها ثم مروراً بأغاني أشبه بالمرثيات بعد نكسة 1967 وربما أهمها أغنية " لموا الكراريس" التي غنتها الفنانة العظيمة شادية بمناسبة قتل اطفال مدرسة بحر البقر، وهي أغنية انفعل بها ( مكاوي ) واستشعر حينها ( مكاوي ) بكلمات رفيق دربه صلاح جاهين وبأنه يجب عليه أن يرسل من خلالها رسالة للعالم .. أن يصرخ بفنه .. يغضب .. يحمل السلاح .. ولكن سلاح من نوع خاص .. سلاح إلهامه .. إيمانه بوطنه .. ويجب علينا أن نلاحظ هنا في هذا اللحن تحديداً اعتماد ( مكاوي ) على الجمل الأوبرالية المسرحية الأقرب للعالمية بغرض التعبير عن سيناريو الفساد والاحتلال والحرب وضياع الضمير الإنساني بقصف الأطفال في مدارسهم وعلى مقاعد الدرس ولم يتعد أكبر تلميذ فيهم العاشرة من عمره .. لقد كان اللحن وكأنه صور سينمائية متتابعة ومتلاحقة نجح فيه ( مكاوي ) بأن يفضح ضمير العالم كله وتحويل مأساته ومأساة شعبه من عمل يقتصر على مصر وحدها لعمل يخص العالم أجمع ويهز وجدانه لعله يستفيق .. ومن بعد هذا العمل العبقري استطاع جاهين ومكاوي أن يخرجا علينا بأعمال أخرى ستظل علامه في تاريخ الفن المصري والعربي ومن أهم تلك الأعمال الليلة الكبيرة ورباعيات جاهين، الحديث يطول عن عبقرية صلاح وجاهين وسيد مكاوي لكن شجن الذكرى يحصرنا في كلمات نحاول بها فقط التعبير عن عرفاننا بالجميل لهما عما قدماه للشعب العربي كله من فن، وأن نتذكرهما ونتذكر عجائب الأقدار التي جمعتهما معاً في الدنيا وجمعتهما معاً في يوم الوفاة الذي نعتبره رغم امتلائه بالحزن عليهما إلا أنه يمتلئ أيضاً بكل الفخر بهما، ولعلنا نذكر في هذا المقام ما قاله جاهين في إحدى رباعياته ولحنها سيد مكاوي وكأنها رباعية هي لسان حال كل منهما: 
مرغم عليك يا صبر مغصوب يا ليل
لا دخلتها برجليا ولا كان لى ميل
دخلت انا ف الحياه شايليننى شيل
وبكره حاخرج منها شايلينى شيل
وفي ذكراهما لا يسعنا سوى القول: رحم الله العملاقين

[youtube=https://www.youtube.com/watch?v=8QXYTqac56U&w=320&h=266]

المجلة المصرية || نون

السبت، 16 أبريل 2016

سرُّ احتجاب القصبجي

بقلم محمود زيباوي

aupbcmohi@gmail.com

قال القصبجي إنه اليوم "عازف في فرقة أم كلثوم"، فأضاف محاوره "وملحن أيضاً لأم كلثوم"، فردّ وقال: "لا ده كان زمان. "حلم وانتهى، أنا هويت وانتهيت يا أستاذ، خلاص، لم يبقَ مني الا أنامل جرداء، ورأس جرداء، أفكر في عملي اليوم حتى آكل في الغد. قل عني اني بقايا ملحن، بل بقايا شخص، ماذا يهم الإذاعة مني؟".

الأربعاء، 6 أبريل 2016

في رحاب القصة .. مجموعة من القصص القصيرة

بقلم محيي الدين إبراهيم
• أعطته خصله من شعرها حفظتها بعناية بين ورقتي وردة ليحتفظ بها في غربته ويتذكرها وحدها للأبد .. أخذ الخصلة في رقة .. وضع قبلة دافئة على راحة يدها ومسح دمعة نقية هربت في لحظة الوداع .. وضع خصلتها في حقيبة سفره بجوار عشرات الخصلات الأخرى .. رحل بنعومة لا يتذكر من صاحبات الخصلات أي واحدة منهن !!

• استعان العمده بمن ثار عليهم الناس ليعينوه على حُكمه .. فأغتالوه ليستعيدوا ملكهم الذي انتزعته الناس .. بينما لم يحرك الثوار في لحظة اغتيال العمدة الجديد ساكناً بعد أن استنزفوا ( فترة حكمه ) كل النور في محاولة البقاء على قيد الحياة .. انتفض عبيط القرية صارخاً : ربما يثوروا على نفس من ظلموهم مرة أخرى .. ربما يتعلموا حقيقة أن لا يخدعهم أحد .. أخذ يكرر هذه العبارة وهو يتراقص محدثاً فوضى .. حتى غاب عن الأنظار !!

• لم يكن يعلم أن هذا ( التابلت ) المفتوح على صفحتها الشخصية هو هدية أبنائها في عيد ميلادها الذي نساه للمرة العاشرة دون اعتذار بينما هي في كل مرة تسامحه .. تلصص في حذر ليقرأ خواطرها .. كأنه يرى امرأة أخرى .. أنثى أخرى .. تعليقات الرجال جعلته يدرك أنه مغفل كبير .. أطرق برأسه صامتاً .. شرد .. استفاق على كفيها تربت فوق كتفيه .. بكى كطفل فوق صدرها حتى أصبحا كأول لقاء جمعهما معاً منذ سبعة عشرة عاماً.

• لم ينتظر الأسانسير حتى ينزل للطابق الأرضي فيصعد به الطابق التاسع .. ركض على ( السلم ) كشاب في العشرين .. وصل .. أخذ يطرق الباب طرقات قوية .. سريعة .. متلاحقة .. فوضى عارمة يحدثها لأول مرة وهو رجل في الخمسين .. فتحت الباب ..احتضنها بعنف كأنه أول مرة يحتضن إمرأة .. أخذ يلوح لها في الهواء بكتاب يحمله في يده اليمنى .. حملها وأخذ يدور بها حتى كادت تنفجر السعاده من قلبه وتنتشر في كل الأرجاء .. كانت النسخة الأولى من الطبعة الأولى لروايتها الأولى التي كانت تحلم بنشرها منذ أن كانت في الجامعة .. هدأ .. نظر في عينيها بدفء الأيام الخوالي .. كان يشعر بفخر عميق لكونه شاركها تحقيق حلمها .. مد لها يده بروايتها الأولى .. نظرت له ولها .. وضعتها برفق فوق منضدة قريبة .. ألقت برأسها فوق صدره .. حاوطت خصره بذراعيها .. في صوت شديدة العشق همست : أنت روايتي الأولى وستظل روايتي الأبدية بينما أنطفأت الأنوار وأضاءت بدلاً منها مصابيح العشق معلنة عن بداية رواية جديدة.

• كانت تعلم أنه سيأتي يوم ويعود .. سينبهر حتماً في هذا السن بهذه الفتاة الصغيرة .. سيندهش .. سيتصابى .. سيزهد فيمن شاركته تاريخه .. لكنه سيعود .. كذبت على أبنائها لأول مرة في حياتها .. أباكم في إعارة .. ورغم شك الأولاد حيث لم يتغير نمط الحياة للأفضل .. لم يكذبوها .. أخفت عن أهلها فراره من المنزل تحت تأثير نزوة .. مواعيد عملها تنتهي في الثالثة لتبدأ بإعداد الولائم في منزلها بالأجر حتى العاشرة مساءً لجاراتها ممن لا يجيدون الطهي لتدخر مايمدها للعيش بكرامة .. تسع سنوات كاملة لم تر وجهه .. تسع سنوات كاملة لم ير وجه أبناءه .. لم تفقد الأمل .. وحين استعدت للخروج في الثامنة صباحاً للعمل بعد خروج الأبناء للمدارس وجدته أمامها .. واجماً .. صامتاً .. منكسراً .. أرتبكت لحظة .. لكنها ودون أن تدري .. مدت يدها نحو رأسه ورفعتها فهي ضد الإنكسار .. حين دخل المنزل لأول مرة منذ تسع سنوات .. بكى كطفل بين ذراعيها بينما كانت تمسح بكف حنون رأسه وعلى شفتيها إبتسامة رضا.

• نظرت لنفسها في المرآة .. دققت النظر في كل تفاصيلها كأنثى .. فاتنة .. رائعة .. شهية .. لماذا إذن أقبلت على عامها الثاني والثلاثين ولم يطرق الحب والزواج بابها حتى الآن .. ماذا يريد الرجال أكثر من الإرتباط بأنثى مثلي .. تردد صوت أمها في عقلها بأن وضع البلد جعل الكل يخشى الزواج الذي اصبح باهظ التكاليف .. هزت رأسها بالنفي أمام المرآة .. وماذا كان يفعل البشر قبل أختراع ( الفلوس ) ؟ .. هل أصبح عقاباً للفتاة أن تنتظر رجل ليرتبط بها وربما يأتي وربما لايأتي !! .. لماذا لا ينتظر الرجل الفتاة لترتبط به ؟ .. أنا أريد الحياة .. لن تمنعني هذه العادات السخيفة من أن أحرم نفسي من حقي في الحياة .. سأختار أنا الرجل الذي اريده وأتزوج به قبل أن أفقد القدرة على أن أكون أماً وزوجة في يوم من الأيام .. لكن كيف؟ .. لو خاطبت الفتاة أي رجل عن رغبتها في الزواج منه لوصفها بكل قبح العالم .. ليكن .. لن أستسلم لمن يريدون سلبي حقوقي .. سأتزوج .. ولكن ممن ؟ .. سؤال سخيف بالطبع !! .. سأتزوج ممن أريد أن أتزوج به .. سأتزوج بمن أجد فيه معظم الصفات التي أتمناها .. سأتزوجه على الفور .. على الفور .. لن أنتظر هنا كبضاعة فاسدة حتى يأتي من يختارني لأسباب أجهلها وربما تكون أسباب شاذة .. وضعت خطة تحافظ بها على كرامتها كأنثى وعلى رغبتها في تكوين أسرة لايمكن أن تكون حكراً فقط على اختيار الرجل .. الآن هي حكر أيضاً على المرأة .. كان زميلاً لها في المرحلة الثانوية .. تعرفه جيداً .. عاد لتوه من من انجلترا بعد ثمانية أعوام درس فيها الطب .. كان مرتبكاً قليلاً وهو يتجول بين المدعويين حين رمقته هي بعينيها .. بكي الطفل النائم بجوارها .. مدت يدها فوق صدره ليطمئن ويهدأ ويعود لنومه .. نظرت للطفل .. نظرت للرجل الذي يغرق في النوم بجوارهما .. سبحان الله .. الحفيد يشبه جده تماماً .. ربما هذا الشبه هو ماجعله يصر على أن ينام بينهما كما كانا يفعلان بأمه وهي في مثل سنه .. ستعود غداً لتصحبه إلى المنزل بعد عودتها من رحلة العمل في المحافظة الساحلية .. نظرت مرة أخرى لزوجها الغارق في النوم بجوار حفيده وهي تبتسم متمتمة: ماأروع هذا الرجل الذي اخترته بنفسي وتزوجته برغبتي وأحبه الآن أكثر من محبتي لذاتي .. أغلقت ألبوم الصور .. وضعته فوق ( الكومودينو ) أغلقت نور ( الأباجورة ) .. سمعت شخيراً مفاجئاً من زوجها فانزعجت لتضئ الأباجورة مرة أخرى وتطمئن على الحفيد .. وجدته في حضن جده يمص في اصبعه .. قالت بصوت مرتفع قليلاً قبل أن تطفئ النور مرة أخرى وتنام: كم احب هذان الرجلان.

• غداً يحتفل به زملاء العمل لخروجه على المعاش .. لماذا هذه الطاقة السلبية التي يستشعرها في روحه؟ .. نظر في ألمرآة وهو يحلق ذقنه .. ثلاثون عاماً مضت كأنها سن رمح يمرق في الفراغ .. ثلاثون عاماً يذهب إلى مكتبه في الصباح كل يوم ليعمل .. ولكن ماذا كنت أعمل؟ .. لاشئ !! .. ثلاثون عاماً قضيتها في الثرثرة وقراءة الصحف واحتساء قهوة بحليب لاتقاضى مرتبي على ذلك كل أول شهر .. لم أفعل شيئاً .. ياإلهي !! .. أنا بالفعل لم أفعل شيئاً !! .. هرب العمر مني وأنا أثرثر وأتصفح أخبار الحوادث واتقاضى راتب !! .. هل يمكن أن يحيا الإنسان عمره داخل كذبة بإرادته الحرة ؟ .. وهل للكذبة إرادة حرة ؟ .. نظر لنفسه في المرآه بأسى وهو يسألها: هل أنت فخور الآن بثلاثين عاماً ضاعت منك بارادتك الحرة؟ .. تمنى لو عاد الزمن للوراء .. شعر بانهيار .. تمدد على السرير .. غاب في نوم مؤلم .. انتفض في الصباح على صوت زوجته تنبهه أن ابنهما عادل سيذهب يومه الأول في ( الحضانة ) وعليهما ألا يتأخرا على مواعيد العمل .. عادل ؟ .. حضانة ؟ .. عادل مهندس في دبي منذ تسع سنوات !! .. من هذه المرأة الشابة التي تنام بجواري ؟ .. قفز من السرير خائفاً ومرعوباً .. صادفته مرآة غرفة النوم وهو يقفز فصرخ صرخة كادت تفطر قلبه .. من هذا؟ .. تسمر أمام المرآة .. تفحص وجهه جيداً .. لقد عاد الزمن ثلاثين عاماً للخلف .. أووه ياإلهي .. لقد عدت شاباً .. شاباً .. شاباً .. وصل لمكتبه في تمام الثامنة صباحاً بعد أن اطمئن على ارسال عادل ابنه للحضانة .. فتح موضوع العلاوة السنوية مع زملاء العمل وأخذ يثرثر ويصيح بينما في يدة جريدة الصباح على صفحة اخبار الحوادث وبين الحين والحين ( يزعق ) وهو يسب الفراش لتأخرة في احضار القهوة بحليب قبل ان يحين موعد انصرافه من العمل!!

• أعطته خصله من شعرها حفظتها بعناية بين ورقتي وردة ليحتفظ بها في غربته ويتذكرها وحدها للأبد .. أخذ الخصلة في رقة .. وضع قبلة دافئة على راحة يدها ومسح دمعة نقية هربت في لحظة الوداع .. وضع خصلتها في حقيبة سفره بجوار عشرات الخصلات الأخرى .. رحل بنعومة لا يتذكر من صاحبات الخصلات أي واحدة منهن !!

• حكى لها حكاية قبل النوم ككل ليلة .. حادثة قديمة أفقدتها كل شئ .. كان يؤمن أنها رغم سكونها الأبدي إلا من زفراتها الضعيفة الصاعدة الهابطة .. تستشعره بكل شئ .. عشرون عاماً ظل بجوارها يحكي لها حكاية وحكاية .. عشرون عاماً ينظر إليها نفس نظرة عشقه الدائم القديم .. عشرون عاماً يمارس معها نفس الحنين إلى كلمة تحمل ( شقاوة ) أنوثتها التي لا يعرفها أحد سواه .. كانت صورتهما معاً كعاشقان من زمن لم ياتي بعد هي آخر صورة في ألبوم الصور القديم الذي تم العثور عليه بالصدفة في صندوق ( اللعب ) الخشبي لحظة أن قرر الورثة بيع المنزل والهجرة إلى كندا !!

• تأمل ذاته في لحظة استرجاع الذكريات فلم يجد سوى الحزن وتذكرة قطار قديمة لمدينة الفرح فقدها وهو مهموم بتحقيق حلم مستحيل !!
• قاومت الحياة في إنتظار أن يعود إليها بكل الحياة .. ( عاد ) .. فعرفت أنه استلب حياتها بلا مقابل منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها أن تنتظره !!
• رأى في منامه أنها ( تخونه ) فظل يراقبها .. حتى إكتشفت خيانته !!

الثلاثاء، 5 أبريل 2016

سبية الرافدين؛ نادية و..فرعونيات مصر

بقلم: إبراهيم سمو كوردستان سوريا

ibrahimsemo@hotmail.de

اين الازهر الشريف ،من المشهد الداعشي على الارض ،خصوصا و داعش صار يسحب البساط ،منتحت اقدام جمهوركم من ابناء السنة، ويشحن العقول ب "قاذوراته الفقهية "..؟ ". وقد يخلص المراقب المأزوم ، في مجادلاته الى :" لوكان النبي حيا يا شيخنا لكفّرهم ". ويزيد مُحاجِجا بالواقع ،فيضع الازهر امام مسؤواياته الكثيرة الكبيرة ،فيختم :"عيون العالم الاسلامي عليكم يا مولانا !".

السبت، 2 أبريل 2016

رواية غابرييل غارسيا ماركيز (مائة عام من العُزلة)

بقلم: عدنان الظاهر - العراق

aldhahir35@yahoo.de

تكادُ هذه الرواية أنْ تكون بغالبية أحداثها قصص خوارق وعالم من جن وجنيّات وسياحات في اللامعقول وقوى غيبية مجهولة تُحرّك البشر والصخر وتقرأ المجهول. السؤال : لماذا عمد هذا الروائي الكبير إلى مثل هذه الأساليب وهل كانت ضرورية سواء له ككاتب النص أو للنص المروي ؟ ما كانت مقاصده قبل وبعد كل شئ ؟ بقدر تعلق الأمر بي وعلى قدر فهمي للرواية فإني أستطيع القول بثقة إنَّ هذه الخوارق والمعجزات والخرافات كانت بمجموعها حاجات ووسائل وأساليب ضرورية للكاتب بالدرجة الأولى والأخيرة.

الاثنين، 21 مارس 2016

حسن التهامي داهية السياسة المصرية .. عاش ومات لغزاً

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
التهامي كان أهم شخصية وقفت بجوار ( السادات ) في ثورة التصحيح عام 1971 وهو أيضاً أحد أهم أعضاء المحكمة التي صدر لها قرار جمهوري بتشكيلها في الحادي والعشرين من يوليو تموز 1971 حيث أنتقم فيها حسن التهامي من كل خصوم السادات !

هو الرجل الذي قيدّ كلاً من جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر بالحبال ليمنعهما من تعيين خالد محيي الدين رئيساً للحكومة، وهو نفس الرجل الذي استدعاه جمال عبد الناصر قبل وفاته بأيامٍ قلائل ليقول له: "خليك جنبي، لأنهم عايزين يموتوني"، حسن التهامي الذي وصل إلى منصب نائب رئيس الوزراء وأصبح المستشار السياسي للرئيس جمال عبد الناصر والمبعوث الشخصي للرئيس أنور السادات إلى أن أحاله الرئيس حسني مبارك إلى المعاش ليبتعد عن الحياة العامة إلى الأبد لأسباب مجهولة، حسن التهامي ذلك الداهية السياسي الذي يقسم لنا في مذكراته أنه هو من وضع السادات على قمة السلطة في مصر وبمسدسه الشخصي.

تطوع قبل الثورة لقيادة مجموعة من الفدائيين هم : محسن لطفي السيد‏‏، إسماعيل مرزوق، ضياء الدين حسانين، فايز سلام، عادل سلام‏، بهي الدين الصادق، كمال خضر، علي لملوم، علي مشرفة، جمال الناظر، حسين الناظر، سمير مكرم، محمد ذو الفقار، وجيه ذو الفقار، شريف ذو الفقار‏، لمهاجمة المعسكرات البريطانية.
كان يخشاه جمال عبد الناصر لأسباب نجهلها ودفنت معهما للأبد وهنا يقول عبد الفتاح أبو الفضل أحد الضباط الأحرار و نائب صلاح نصر رئيس جهاز المخابرات العامة ، في كتابه (ص173) إنه بعد الثورة مباشرة كان التهامي من الذين جرى تعيينهم في المخابرات ولم يكن له مكتب خاص بمبنى المخابرات ولا نعلم له عملاً محددٍاً إلا مساهمته في إحضار بعض خبراء المخابرات الأمريكان كل فترة بحجة عقد حلقات دراسية لأربعة من ضباط المخابرات المصريين للاستفادة بخبراتهم فقط" !، وكان من البديهي أن لا يعلم أحد عن التهامي شيئاً فقد كان داهية حيث يقول هو عن نفسه في مذكراته: كنت مهندس العلاقات الأمريكية المصرية منذ بداية ثورة 1952 ولن أنسى ما حييت عندما وطئت قدمي أرض إسرائيل أول مرة وسمعت جولدا مائير تنادي على السادات بمودة " هاللو أنور "كما لو كان من عائلتها ! .. أمر حيرني وبالبحث عرفت أن السادات كان على علاقات سابقة باسرائيل وأنه قابل جولدا مائير بأوامر من القصر في عهد فاروق بعد حرب 1948 وبدعم أميريكي وهو ماجعل أميركا بعد ثورة 23 يوليو تقوم بعمل استحكامات للحفاظ على حياة جمال عبد الناصر شخصياً كرئيساً للحكومة في عهد محمد نجيب، وأن تقوم الإدارة الأمريكية ذاتها بعمل برنامج محكم التخطيط للحفاظ على حياته والدعايه له شخصياً، بل أنها منحته بشكل شخصي مبلغ ثلاثة ملايين دولار في بداية عمله لمعاونته في الحكم كمصاريف ( غير منظورة ) ولدعم تكاليف وإدارة السيارات المصفحة الخاصة به وكذلك الأسلحة للدفاع عنه، ويسترسل التهامي في مذكراته ( حسن التهامى يفتح ملفاته ص13 ) وبمنتهى الجرأة ويقول أن استمرار الدعم الأمريكي المباشر والمستمر لجمال عبد الناصر استفزني ودفعني ذات مرة لأن أختلف بعنف مع مندوبي البيت الأبيض الذين كانوا يحضرون لمصر من وقت لآخر للتحاور مع عبد الناصر حول تطوير العلاقات والمصالح المشتركة ولكنهم فاجأوني بأن أعطوني خطاباً من الإدارة الأمريكية يقول مضمونه أن الإدارة الأمريكية قد استقرت على رأي واحد وهو اختيار جمال عبد الناصر رئيساً لمصر وليس ذلك فحسب بل واختارته أيضاً ليوجه سياسة الشرق الأوسط كله لصالح الأهداف الأمريكية !
التهامي أيضاً كان أهم شخصية وقفت بجوار ( السادات ) في ثورة التصحيح عام 1971 وتقول بعض التكهنات أنه كان مهندس تلك الثورة وأنه هو من أوحى للسادات بإتخاذها ثم كان هو أيضاً أحد أهم أعضاء المحكمة التي صدر لها قرار جمهوري بتشكيلها في الحادي والعشرين من يوليو تموز 1971 حيث أنتقم فيها حسن التهامي من كل خصوم السادات وهم: نائب رئيس الجمهورية علي صبري، وزير الدفاع محمد فوزي، وزير الداخلية شعراوي جمعة، وزير الإعلام محمد فائق، سكرتير رئيس الجمهورية سامي شرف، ليبدأ عهد جديد يتفرد فيه مع السادات بالحكم حيث صدر له قرار جمهوري في أكتوبر 1977 بمنحه رتبة "الفريق" الشرفية وقيل وقتها أنه تقديراً لدوره في الدفاع عن مدينة السويس في حرب أكتوبر بينما كان يتم تجهيزه لعملية السلام ( كامب ديفيد ) التي أوحى بها للسادات ونفذاها معاً ببراعة تحت رعاية ملك المغرب آنذاك وقيل عنهما فيها أنهما ضحكا بها على إسرائيل وقادتها في ذلك الوقت وعلى رأسهم مناحم بيجن وجولدا مائير وموشى ديان، إنه حسن التهامي، ذلك الرجل الذي لم يكن هينا ولم يكن أبداً عابر سبيل في طريق السياسة.

الاثنين، 14 مارس 2016

هكذا الناس



mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
الناس لا تقرأ ولا تسمع إلا لمن يجدونه منقذاً لغرائزهم .. فرجل أعمال جاهل أعظم وأقرب للناس من عالم مفلس .. ورب غانية يعشقها العالم أكثر شهرة وقرباً من قديسة يحبها الله .. هكذا الناس .. يأسرهم من يملأ فراغ بطونهم وفروجهم وأنفجار لذاتهم حتى لو أقسموا بعكس ذلك ويفرون فرار الحمل من الذئب فرارهم ممن وهب عمره ليملأ عقولهم بالكلمة .. يقول أحدهم: الكلمة لا تأتي بخبز ولا ترضى عنك بها إمرأة .. لم ينجو نبي من بطش أتباعه !

الأحد، 13 مارس 2016

بحلم أكون ابن حرام

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
انهم ولاد حرام يعدون ويخلفون، يقولون ويكذبون، ليس لهم دين حتى وإن خرجوا كالثعلب في ثوب الشيخ الوقور متوضئي اليد وقلوبهم نجسة ليقولوا للناس ما لا يفعلون، سود الضمائر، ونفوسهم خراب، لا ينجوا من والاهم ولا يبرأ من فجور خصومتهم ناج.

التأمل في واقعنا العربي كله، يدفعنا نحن العرب إلى بديهية أننا نشرب من معين واحد للجهل ونحيا حياة الجوع والظلم وأننا شعوب مغلوبة على أمرها حتى اصبحنا نحن الوحيدين في القرن الواحد والعشرين الذين يعيشون في القرن الأول الميلادي واقصى حلمنا هو “العيش والكرامة الإنسانية “، نحيا بين حكام وسدنة حكم كلما قمنا بثورة سرقوها، وكلما حاولنا أن نرفع رؤوسنا للنور، أظلموا علينا الدنيا،
يقول الكاتب المغربي محمد ملوك:
في المغرب توجد نكتة يتداولها العامة والخاصة على حد سواء ، وهي أن طفلا من أبناء الشعب المقهور كان كلما جلس على قارعة الطريق إلا وسمع الكبير قبل الصغير والحليم قبل السفيه يطلق لقب ” ابن الحرام ” على كل صاحب سيارة فارهة أو كل من يرتدي لباس نفيس أو كل من يمتلك جاه ملحوظ أو ثروة مكتسبة أو كل من يمت إلى مراكز النفوذ والحكم بصلة من سلاطين وحكام ورؤساء ووزراء ومدراء وجنرالات وزبانية وهلم جرا ممن لهم يد في صنع القرار، فهؤلاء وغيرهم لم يكن الطفل الصغير يعرف عنهم شيئا سوى أنهم ” أولاد حرام ” ، لذلك حين سأله أحد أساتذته عن تطلعاته المستقبلية وأحلامه الطفولية أجاب ببراءة بأن منتهى حلمه أن يكون في المستقبل ” ابن حرام ” وأن ينتمي إلى زمرة “أولاد الحرام” مادامت هذه الزمرة هي التي ـ في نظره ـ تحكم كل شيء وتتحكم في كل شيء رغم أنف الكل ولا يحكمها أو يتحكم فيها أحد .
وفي مصر حكاية مماثلة لنكتة المغرب اخترعها لنا الفلاح المصري العبقري ولكن في صورة مثل شعبي موجز ودال يقول فيه: ولاد الحرام ( ما خلوش ) لولاد الحلال حاجة. حتى دعاء الغلابة منا لم تعد له استجابة وكأننا خرجنا أيضا من رحمة الله.ومقصود الفلاح المصري في هذا المثل الشعبي العبقري معروف حتى لمن ليس في وجهه نظر، فالحاكم ( قطعاً ) هو ابن الحرام والفلاح وابنائه واحفاده ومن قبلهم ابائه واجداده هم ( بلا شك ) الشعب اولاد الحلال الذين كسر ظهورهم الحاكم ( ابن الحرام ) وسرق منهم – حتى – احلامهم وهو في كل مرة يسرق فيها احلامهم يعدهم بمستقبل افضل وبوطن ستجري في ربوعه انهار السمن والعسل بينما يعيش المواطن ويموت وهو يغوص وحده في بحار الهم والفقر والمرض، انهم ولاد حرام يعدون ويخلفون، يقولون ويكذبون، ليس لهم دين حتى وإن خرجوا كالثعلب في ثوب الشيخ الوقور متوضئي اليد وقلوبهم نجسة ليقولوا للناس ما لا يفعلون، سود الضمائر، ونفوسهم خراب، لا ينجوا من والاهم ولا يبرأ من فجور خصومتهم ناج، إن سادوا الناس تأبلسوا وإن غضبوا عليهم اغتالوهم في اعراضهم. يقول الجبرتى: “على بيك الكبير ما كان يجالس إلا أهل الوقار والحشمة والمسنين.. ويتتبع المفسدين والذين يتداخلون فى القضايا والدعاوى ويتحايلون على إبطال الحقوق بأخذ الرشوات والجعالات وعاقبهم بالضرب الشديد والإهانة والقتل والنفى إلى البلاد البعيدة ولم يراع فى ذلك أحدا سواء كان متعمما أو فقيها أو كاتبا أو قاضيا أو غير ذلك بمصر, أو غيرها من البنادر والقرى وكذلك المفسدون وقطاع الطريق, من العرب وأهل الحوف, وألزم أرباب الإدراك والمقادم بحفظ نواحيهم وما فى حوزهم وحدودهم وعاقب الكبار بجناية الصغار, فأمنت السبل وانكفت أولاد الحرام وانكمشوا عن قبائحهم وإيذائهم بحيث أن الشخص كان يسافر بفرده ليلا راكبا أو ماشيا ومعه حمل الدراهم والدنانير إلى أى جهة ويبيت فى الغيط أو البرية آمنا مطمئنا لا يرى مكروها أبدا, وكان عظيم الهيبة اتفق لأناس ماتوا فرقا من هيبته, وكان شديد الفراسة شديد الحذق يفهم ملخص الدعوى الطويلة بين المتخاصمين ولا يحتاج فى التفهيم إلى ترجمان أو من يقرأ له الصكوك والوثائق بل يقرؤها بنفسه كالماء الجارى ولو كان خطها سقيما ولا يختم ورقة حتى يقرأها ويفهم مضمونها ثم يمضيها أو يمزقها”.ويشير الجبرتى إلى أن الحاكم حينما تصرف على هذا النحو صار الأمان هو عنوان البلاد, ولم يعد هناك “أولاد حرام” يعنى الفاسدين والمفسدين الذين نعانى منهم في حاضرنا, ويحكمون البلاد منذ عقود مؤكدين – رغم تغيرهم على كرسي الحكم – مقولة أن الحكام على دين واحد وأن الكفر ملة واحدة، ومن ثم فإن ثار الناس على ظالم جاءهم طاغية، وان ثاروا على طاغية جاءهم جاهل، وبين الظالم والطاغية والجاهل ربما تكون هناك دقائق من العدل لكنها لا تعدو مجرد دقائق يتم اغتيال قائدها العادل لتستمر عجلة الظلم والجهل والطغيان والثورة.أم ا المقريزي الذي احتل مركزاً عالياً بين المؤرخين المصريين في النصف الأول من القرن التاسع الهجري، فيقرر أن الحاكم هو اصل العدل أو الفساد، هو اصل بناء الأمة أو سقوطها، فالأمور كلها، إذا عُرفت أسبابها، سهل على الحاكم الخبير إصلاحها، فالمجاعات وأمثالها، ليست شيئاً مفروضاً على الإنسان من علِ، ينزل بأمر، ويرتفع بأمر، كما أنها ليست ناجمة عن جهل الطبيعة وعماها، دون أن يكون للإنسان بها دور بل هي ظاهرات مادية اجتماعية، لم تلازم البشر دائماً، ولكنها تقع آناً، وتنقطع آناً آخر، تقع عندما تجتمع أسبابها ودواعيها، وتنقطع عندما تنتهي تلك المسببات والدواعي، أن كل شيء خاضع للتطور، يولد وينمو ويموت.ويؤكد القاضي الفاضل ما ذهب اليه المقريزي والجبرتي من فساد الحكام الغير خبراء في ادارة دفة السياسة في مصر فيقول: ” وأهل مصر على كثرة عددهم وما ينسب من موفور المال إلى بلدهم مساكين يعملون في البحر ومجاهيد يدأبون فى البر …” حتى استحالت مصر إلى جنة للمعذبين فى الأرض، فالمأساة الإنسانية عند المصري هى الصراع غير المتكافئ بين الإنسان والسلطة أو الحاكم بمعنى أن أحد الطرفين يحمل فكرة قمع الآخر أو قهره أو إذلاله ثم الانتصار عليه، وكأن القاضي الفاضل يعيش بيننا اليوم!أتصور أننا في مصر سنقضي أعواماً في صراع أقرب لصراع ” قنديل أم هاشم ” وهي رواية للكاتب الروائي المصري يحيي حقي (1905 – 1992) التي تم إنتاجها سينمائياً في 4 نوفمبر 1968م بسيناريو لصبري موسي وإخراج كمال عطية و بطولة شكري سرحان، الذي جسد شخصية إسماعيل الطالب الذي يعيش في حى السيدة زينب مع أمه وأبيه، ثم يسافر لاستكمال دراسة الطب في إنجلترا ،ويحتك بالحضارة ثم يعود ويعمل طبيبًا للعيون ويفتح عيادة في نفس الحى، السيدة زينب، ليكتشف أن سبب زيادة الرمد عند مرضاه هو استخدامهم قطرات من زيت قنديل المسجد وعندما يكتشف أيضًا أن خطيبته تعالج بنفس الأسلوب يحطم قنديل المسجد، مما يعتبره البسطاء هجوماً على المعتقد وعداءً للدين فيكرهوه ويغضبوا عليه وهنا ينشأ الصراع بين الجهل والعلم، الظلمة والنور، فينفض عنه مرضاه وأهله لاعتقادهم أنه يهاجم ويتحدى معتقداتهم الدينية. وهذا ما نعيشه اليوم في مصر، الصراع بين الجهل والعلم، حتى أن بعض الجهال من القوم اعتبروا أن الأزهر على سبيل المثال وبعد أكثر من ألف عام من العلم هو معقل العلمانية، وأنهم فقط – رغم خروجهم من الزمن – مرجعية الدين حتى صار بهم كل شيء في حياتنا حراماً، لاشك اننا في منحنى خطر لكن ما يدفعني للتفاؤل كثرة ما حل على مصر من نكبات وكثرة ما مر عليها من ( ولاد الحرام ) فإنها تقوم مرة اخرى من نكبتها وحرامها مرفوعة الرأس وأكثر قوة وحذراً وصدق شاعر النيل حافظ ابراهيم في قصيدته عن مصر:
وقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبنى
قواعد المجد وحدى
وبناة الأهرام فى سالف الدهر
كفوني الكلام عند التحدي
أنا تاج العلاء فى مفرق الشرق
و دراته فرائد عقدي
أنا إن قدر الإله مماتي
لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدى
ما رماني رام وراح سليماِّ
من قديم عناية الله جندي

المجلة المصرية || نون

الجمعة، 11 مارس 2016

حكاية ( دير مواس ) وثورة شعب ضد الإنجليز عام 1919

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com
لم يكد يمضي على وصول الدكتور خليل أبو زيد إلى مصر سوى أشهر معدودة على الأكثر حينما أعتقل الإنجليز في 8 مارس 1919 سعد زغلول ومرافقيه أحمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود وإسماعيل صدقي وسينوت حنا ومكرم عبيد وفتح الله بركات وعاطف بركات وإرسالهم للمنفى.

بمناسبة ذكرى احتفال محافظة المنيا بعيدها القومي:

دكتور خليل ابو زيد .. ضحى بعلمه وماله في سبيل الوطن وأعدمه الإنجليز.

هل ضحى دكتور خليل أبو زيد بنفسه من أجل الإعلان عن جمهورية ( دير مواس ) ؟؟

الشهيد الدكتور خليل أبو زيد سالم
 كان ذلك عام 1910 حينما قرر العمدة أبو زيد عمدة دير مواس أن يرسل أبنه خليل ليدرس الزراعة في بلاد الإنجليز لقد اتفق هو والشيخ عبد الرازق في قرية أبو جورج بالبهنسا على ذلك، هو يرسل ابنه خليل لإنجلترا ليدرس الزراعة ويتعرف على ثقافة ( المحتل ) لعله يأتي ويشارك في جلاءهم عن البلاد وبعدها حين يأخذ الشيخ ( علي عبد الرازق ) شهادة العالمية من الأزهر في خلال عام على الأكثر يرسله الشيخ عبد الرازق ليلتقي مع خليل أبو زيد في انجلترا لدراسة الإقتصاد، كان رأي الأعيان والعمد في الصعيد أن أعظم سلاح للوطنية والحرية هو سلاح العلم، وغداً سيكون الدكتور خليل أبو زيد والشيخ علي عبد الرازق من أهم الشخصيات في مصر متسلحين بالعلم والمعرفة والوطنية لبناء هذا الوطن الكريم، لن نقف مكتوفي الأيدي أمام الإحتلال، لن نقف مكتوفي الأيدي أمام تقدم الوطن وإعلاء شأنه، وسافر خليل إلى إنجلترا في صيف عام 1910 على نفس المركب التي تحمل الطالب أحمد محمد أحمد حسانين باشا ذاهبة بهما لجامعة اوكسفورد حيث سيدرس خليل الزراعة. 
قامت الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو من عام 1914 قبل أن ينهي خليل أبو زيد دراسته بعام واحد أو ربما عامين، إنقطعت كل سبل السفر عبر البحر من وإلى مصر وأنجلترا، فقضى خليل أبو زيد كل سنوات الحرب في انجلترا قبل أن يعود لمصر في أواخر عام 1918.
الشهيد عبد الرحمن سالم
لم يكد يمضي على وصول الدكتور خليل أبو زيد إلى مصر سوى أشهر معدودة على الأكثر حينما أعتقل الإنجليز في 8 مارس 1919 سعد زغلول ومرافقيه أحمد باشا الباسل ومحمد باشا محمود وإسماعيل صدقي وسينوت حنا ومكرم عبيد وفتح الله بركات وعاطف بركات وإرسالهم للمنفى، ثار الشعب المصري كله من شمال مصر لجنوبها ليس تضامناً مع سعد زغلول وأصحابه بقدر احساسهم بأن سعد زغلول هو رمز للمصريين جميعاً في رغبتهم للتحرر، وعليه كان سكان الصعيد وأهالي دير مواس على وجه الخصوص في طليعة هؤلاء الثوار الرافضين للانجليز والغاضبين لاعتقال سعد باشا ومن معه وهو الأمر الذي أشعل جذوة الحماسة عند خليل أبو زيد علي محمود سالم وابن عمه عبد الرحمن حسن علي محمود سالم بل وعائلتهما وأهل بلدهما جميعاً.
بعد صلاة عصر يوم الجمعة فوجئ العمدة أبو زيد بإبن أخيه عبد الرحمن يهرع إليه في المسجد ويعلمه بحضور جرجس بك حنا المحامي للسراية، كان جرجس حنا المحامي من أشهر المحامين في بندر أسيوط، وكان ثورياً وطنياً وكان خطيباً بليغاً، لا يخطب في الناس إلا ويلهب حماستهم، جاء جرجس حنا بناء على دعوة من الدكتور خليل أبو زيد، كان يعرف خليل أبو زيد معرفة جيدة ويعرف أيضاً أنه يدير جلسات وطنية مهمة في سرايا والده كل يوم بعد صلاة العشاء حول مقاومة الإنجليز وضرورة عودة سعد زغلول رغم أنه لم يزل عائداً من انجلترا حديثاً، لكن ظروف البلد وغضب الناس ووحشية الإنجليز واعتقال سعد دفعته لأن يعقد ندوات وطنية في دارة ويرفض قبول العمل كمدير زراعة في أسيوط في ظل الطاغية ( كوكسن باشا ) الإنجليزي الذي تتبعه كل الترع والقنوات، هذا الفاجر السكير الذي لا يفيق من غيبوبة سكره إلا حين يشتكي البشوات من سرقة الفلاحين لمياة الري وحينها يلحق ( كوكسن) بالفلاحين الخراب ويقطع عنهم المياه ، كان (كوكسن ) رمزاً للاحتلال الانجليزي بكل سلطويته وديكتاتوريته، لذا لن يقبل خليل أبو زيد وظيفة مدير زراعة حتى يرحل ( كوكسن ) هذا، بل لن يقبل الوظيفة حتى تنجلي غمة الإحتلال، لكن المدهش أن خليل أبو زيد لم يكن في ضميره ولا بأخلاقياته يعلم أن كلماته التي يقولها بحماسة للأعيان والفلاحين في ( سهراته ) ضد الإنجليز والاحتلال الإنجليزي يمكنها أن تدفع ( نور المراكبي ) لجريمة قتل، ( نور المراكبي ) الذي عانى من ظلم ( كوكسن )، قرر أن يقتله وحين مرت مركبه بجوار الكوبري أطلق عليه عيار خرطوش من البندقية الإنجليزي الذي سرقها من أحد الجنود الأستراليين فقتله، صارت الإشاعات في مديرية أسيوط وإلمنيا بأن موت ( كوكسن ) جاء بعد رجوع الدكتور خليل أبو زيد من انجلترا كرسالة من الفلاحين للإنجليز بأننا تخلصنا من مفتش الري الإنجليزي ونريد خليل أبو زيد ( المصري ) بدلاً عنه، وهو الأمر الذي أثار حفيظة بعض الباشوات الذين يعملون لصالح الأنجليز في أن يقوم بالإبلاغ عن أن المحرض على قتل كوكسن هو خليل أبو زيد نفسه، وعليه جاءت بناء على هذا البلاغ حملة كبيرة من رجال الشرطة وعساكر الهجانة ( السودانية ) بحثاً عن قاتل كوكسن وظلت أكثر من ثلاثة أيام تحقق مع عائلة أبوزيد فيما نسبته إليهم أقوال الباشا بشأن التحريض على قتل كوكسن، ولكنهم لم يجدوا دليلاً مادياً واحداً ضد خليل أبو زيد ولم يستطيعوا الحصول على أي معلومة فرحلوا ، بينما الباشا – عميل الإنجليز - أضمرها في صدره وتوعد بالثأر للباشا ( كوكسن ) من عائلة أبو زيد جميعاً. 
كانت وجهة نظر جرجس حنا المحامي تتفق مع وجهة نظر خليل أبو زيد في أن تتضافر كل القوى الوطنية في الصعيد، وهو ما دفعة لقبول دعوة خليل لزيارته في دير مواس، كان رأي الدكتور خليل أبو زيد أن يسافر هو وجرجس حنا المحامي وابن عمه عبد الرحمن للقاهرة مع مجموعة من وجهاء الصعيد وأعيانه لعقر دار المندوب السامي الإنجليزي والمطالبة بعودة سعد باشا لمصر وكذلك سحب العساكر ( الهندوس ) الذين جلبتهم انجلترا من معسكراتها في الهند والسودان بعدما عاثوا في مدن وقرى الصعيد فساداً وصل بهم لتحويل قرى بأكملها إلى كوم تراب واغتصاب النساء فيها بدافع قمع الثورة.
هنا تبدأ حكاية وطن، حيث اتفق الجميع خليل أبو زيد ومن معه أن يلتقوا بأعيان بندر منفلوط للاجتماع التحضيري الذي سيتم اجراؤه في بندر ديروط قبل السفر للقاهرة ولقاء المندوب السامي، كان اجتماع ديروط هو الأهم حيث سيلتقي فيه كل عمد ومشايخ وأعيان وعرب منفلوط وديروط ودير مواس وملوي وأبو قرقاص، كانت أهمية ذلك الاجتماع تكمن في أن يتفق فيه الجميع على ورقة العمل التي سيتحاورون فيها مع المندوب السامي بالقاهرة.
وصلت للباشا – عميل الإنجليز – الذي لم يحضر الاجتماع أخباراً تفيد بأن هذا الاجتماع الشعبي في منفلوط ليلاً قد أثار حماسة الناس لدرجة أن الفلاحين صرخوا بالهتاف معلنين السفر لبندر ديروط لحضور الاجتماع الوطني مع اعيان الصعيد ضد الانجليز، فرأى الباشا أنه لا حل سوى تعطيل القطار الذاهب لديروط، وفي يوم الرجوع من منفلوط صباحاً لدير مواس خطب خليل أبو زيد في الناس أمام محطة قطار منفلوط فأثار حماستهم وغيرتهم الوطنية وألهبها، ثم خطب من بعده جرجس حنا المحامي ثم خطب عين أعيان منفلوط ومن بعده خطب عمدة ملوي ثم عبد الرحمن، كل منهم كان يخطب في جماعة وفي نفر من الناس، كان صياح الناس يملأ الأجواء، عشرات الآلاف احتشدوا أمام محطة قطار منفلوط، ثم دخل خليل أبو زيد بصحبة الأعيان لمحطة القطار متوجهين لرصيف المحطة ليستقلوا القطار، ووسط الزحام الشديد كأنه يوم الحشر، أعلن مستر ( فورد ) ناظر المحطة ( الإنجليزي ) بتعطل القطار المتجه لديروط.
قرر خليل أبو زيد ومن معه حين لم يجدوا حيلة أو حل لعطل القطار الذاهب لديروط أن ينتظروا قطار الإكسبريس القادم من الأقصر ليستقلونه إلى ديروط، لابد أن يتم اجتماع ديروط مهما كلف الأمر، كان عليهم الإنتظار لأكثر من ثلاث ساعات داخل المحطة، الأمر الذي جعل الخبر يتطاير كشظايا النار بين البيوت لتهب الناس من القرى والنجوع المجاورة بالمئات متوجهين لمحطة القطار تأييداً ودعماً لخليل أبو زيد ورجالة، احتشدت الناس وتوافدت حتى اصبح ميدان المحطة والمحطة نفسها ليسا فيهما موضعاً لقدم.
ظل خليل أبو زيد وابن عمه عبد الرحمن وجرجس حنا المحامي وعمدة منفلوط يخطبون في الناس حتى جاء قطار الإكسبريس في الساعة العاشرة، زحفت الناس بالمئات نحو عربات القطار تستقله على أمل حضور اجتماع ديروط، حتى أن سطح القطار لم يكن فيه شبراً واحداً ليجلس فيه رجل في حجم طفل، دخل خليل أبو زيد ومن معه القطار بصعوبة بالغة حتى أنهم هرعوا لعربة الطعام في القطار على أمل أن يجدوا فيها موضع قدم لهم حتى يصلوا ديروط، دخلوا عربة الطعام وكان آخرهم عمدة ملوي الذي أغلق باب العربة منعاً لزحف المتحمسين من الأهالي، وحينما استداروا داخل العربة وجدوا مالم يكن في حسبانهم على الإطلاق.
كان هناك ثمانية من الضباط الإنجليز في عربة الطعام يشهرون أسلحتهم في وجه خليل أبو زيد ومن معه وينظرون للموقف بأكمله بعين التوجس والريبة، شاحبي الوجوه وقد جزوا على نواجذهم وفي وضع الاستعداد لإطلاق الرصاص.
تحدث خليل أبو زيد للضباط الإنجليز بأن لايخافوا، فهم لم يستقلوا القطار ليقتلوهم، وبين المسافة من منفلوط وحتى ديروط تحدث معهم خليل أبو زيد كما كان يتحدث مع زملاءه الإنجليز في جامعة اوكسفورد عن ضرورة انهاء الاحتلال فوراً والافراج عن سعد زغلول بل وتحاور معهم عن حق مصر في أن تصبح جمهورية أو مملكة مستقلة تتمتع بما تتمتع به البلاد الحرة وقد عانت انجلترا في الحرب العظمى من فكرة استلاب حريتها ولكن بكفحها وكفاح الشعب الإنجليزي احرزوا الانتصار واستعادة حريتهم، لسنا أقل من الإنجليز.
لم يعجب هذا الكلام الكولونيل ( بوب ) وأخذ يتحدث باستعلاء وغطرسة مع خليل أبو زيد، هنا كان القطار قد وصل لمحطة ديروط وقد ملأ الغضب قلوب المصريين الجالسين في نفس العربة مع الإنجليز، حتى خليل أبو زيد نفسه كان غاضباً غضباً شديداً من ( بوب ) الضابط الإنجليزي.
كانت الجموع البشرية في محطة ديروط لا تقل زحاماً عن منفلوط في استقبال خليل أبو زيد ومن معه من أعيان الصعيد باللافتات والأعلام والهتاف لمصر وحين نزل خليل أبو زيد وأعيان الصعيد من القطار أخذتهم الناس بالأحضان بينما أعلنت صافرة المحطة بمغادرة قطار الإكسبريس محطة ديروط متوجهاً للقاهرة، وهنا قفز جرجس حنا مخاطباً في الناس بأن لايدعوا القطار يرحل، ثم نظر لخليل أبو زيد بينما ذهب ( عرفة الأشول ) وكان فلاح بسيط ممن آمنوا بأفكار خليل أبو زيد عن الحرية والاستقلال لغرفة قيادة القطار وسحب السائق الإنجليزي ومساعدة بالقوة خارج مقصورة القيادة، كانت الناس تنظر لخليل أبو زيد وهو يخطب في الناس بأن المصريين سيحصلون على حريتهم رغم أنف الإنجليز، سيحصلون على الحرية رغم أنف ملكة الإنجليز ذاتها، في هذه اللحظة صاح عبد الرحمن من شدة الغضب ومن شدة ما رآه من استعلاء كولونيل ( بوب ) بعربة الطعام في الجموع المحتشده أثناء خطاب خليل ابو زيد بأن المصريين يهتفون منذ زمن ولكن بلا أفعال ثورية حقيقية على أرض الواقع، يا أهل مصر عليكم أن تفعلوا اليوم ماكان يجب عليكم فعله منذ زمن فهاهو القطار يجلس فيه قائد انجليزي سليط اللسان لايريد لمصر خيراً، وقبل أن يكمل عبد الرحمن حديثه للجموع المحتشدة من حوله ونظراً لإيمان الناس بهؤلاء الرجال الذين رأوا فيهم رمزاً ونوراً للحرية والإستقلال هب الناس مندفعين صائحين لعربة الطعام بالقطار محاولين الفتك بالضباط الإنجليز، في هذه اللحظة كان ( عرفة ) أول من ترك مكانه قرب عربة القيادة مهرولا لعربة الطعام للثأر من الضباط الإنجليز، كانت الفلاحين تهرول في كل مكان تحاول الفتك بالضباط الأنجليز، كان الفلاحين فوق رصيف المحطة وعلى قضبان السكة وفوق القطار وتحت القطار، وهنا قفز السائق الإنجليزي إلى غرفة قيادة القطار وتحرك بالقطار في طريق ذهابه للقاهرة، فدهس العشرات وتمزقت أجساد العشرات من الفلاحين تحت عجلاته والمدهش أن في تطاير الأشلاء وبحار الدم التي مازال ( يفرمها ) القطار ( فرماً ) لم تنهزم عزيمة المصريين من الصعود للقطار والفتك بالضباط الأنجليز الذين لم تنفعهم أسلحتهم، وحين وصل القطار دير مواس كانت جموع الغاضبين قد قتلت كل الضباط الإنجليز ومزقتهم تمزيقاً عنيفاً، وتوقف القطار في دير مواس حيث ( خلع ) الفلاحون قضبان السكة الحديد لمنع وصول أي قطارات محملة بعساكر انجليز، وأخذوا ينقلون جثث الضباط من شبابيك القطار ومن بينها جثة بوب الضابط الإنجليزي وألقوها على الأرض، وأخذوا يهتفون: تحيا مصر، يحيا سعد، يسقط الإنجليز وكان ذلك في يوم 18 مارس 1919.
قبل أن يحل صباح اليوم التالي كانت دير مواس عبارة عن ثكنة عسكرية مملوءة بكل أنواع العساكر ، وقبل أن يحل مساء ذلك اليوم كان هناك ثلاثمائة وثلاثة وستون رجلاً قد تم ترحيلهم لسجن أسيوط العمومي من دير مواس فقط وعلى رأسهم الدكتور خليل أبو زيد وعبد الرحمن أبن عمه بتهمة التحريض ضد حكومة الملكة والعصيان المدني والإرهاب وقلب نظام الحكم والقتل العمد للضباط الإنجليز.
تم إعدام دكتور خليل أبو زيد وعبد الرحمن ابن عمه في يوم 17 يونيو 1919 الساعة السادسة صباحاً مع 47 مصرياً في سجن اسيوط العمومي، حيث أقام الأنجليز خمسون مشنقة في صفوف متراصة داخل ساحة السجن وأعدموا الجميع على المشانق في لحظة واحدة، وتم دفن 34 من هؤلاء الشهداء في مقبرة جماعية بينما تم تسليم جثة الشهيد الدكتور خليل أبو زيد وإبن عمه عبد الرحمن لأسرتيهما ليتم دفنهما بمدافن العائلة وتم مصادرة أملاكهما، المدهش أن خليل وابن عمه عبد الرحمن ولدا معاً في يوم واحد عام 1888 وتم إعدامها معاً في يوم واحد عام 1919، وعرفانا بجميل هؤلاء الثوار أصبحت تلك الحادثة النبيلة الوطنية عيداً قومياً لمحافظة المنيا.

مصطفى النحاس يقود شعب مصر بثورة تطيح بأحلام الملك الديكتاتور فؤاد الأول

بقلم محيي الدين إبراهيم
هذه حكاية تحتوي على حادثة وانتصار من صفحات شعب مصر كان بطلها الزعيم مصطفى النحاس باشا بعد وفاة الملك فؤاد الأول وهي غير مدونة في كتب التاريخ ولكني عثرت عليها مصادفة في مكتبة اللواء سعيد مختار ابن مختار باشا كاتم اسرار الأمير محمد على أثناء حواري معه عام 2009 حتى ان هذه الحادثة خافية على كل الوفديين المعاصرين حالياً.

لم يلبث الملك أحمد فؤاد كثيراً بعد إقالة وزارة "توفيق نسيم" في 30 يناير من عام 1936 وحيث لم يعين حكومة اخرى بدلا منها لينفرد وحده بحكم مصر حتي تدهورت حالته الصحية ووافته المنية فجأة في 28 أبريل عام 1936م إثر مشادة عنيفة بينه وبين السير "مايلز لامبسون" المندوب السامي البريطاني بسبب أن السير "مايلز لامبسون" أعتبر الملك فؤاد ما عاد صديقا لإنجلترا كما كان وان فؤاد يميل الآن للشعب تحت ضغط حزب الوفد الذي يحاول اكمال بنود معاهدة 1936 التي بموجبها تحصل مصر على استقلالها، مات فؤاد في قصره بينما كان النحاس باشا يوقع بالأحرف الأولى في قصر الزعفران بالعباسية معاهدة 1936، مات فجأة هماً وكمداً وبوفاته الفجائية صارت مصر بين عشية وضحاها مملكة بلا حكومة وبلا برلمان وبلا ملك إذ كان فاروق حينها دون السن القانونية لاعتلاء عرش مصر.
ليس في مصر سوى مجموعة من الهلافيت أتي بهم فؤاد ليديروا شئون البلاد من خلاله ( قائمين بأعمال ) – كما فعل مبارك بمصر - ليتشفى فؤاد من خلالهم في حزب الوفد وفي النحاس باشا زعيم الوفد الذي يصر على طرد الإنجليز من داخل جدران قصر " خوشيار هانم " المسمى بقصر الزعفران ( جامعة عين شمس حالياً ) وحيث مصر كلها كانت في قبضته، مصير شعب مصر والسودان كله في قبضة طاغية، ولكن رغم كآبة المنظر كانت نقطة النور الوحيدة في ذلك المشهد الصعب هو أن مصر تمتلك دستوراً على الرغم من أنه كان دستورا يعظم الملك إذ أن الملك فؤاد بعد أن ناصب حزب الوفد ذا الشعبية العريضة العداء، وأدت مؤامراته لاستقالة وزارات مصطفي النحاس عدة مرات أتي بأكثر الوزارات بطشاً وهي وزارة اسماعيل صدقي باشا ليلغي بها دستور 1923 ويقوم بتفصيل دستور جديد يعظم به سلطاته وسلطات من سيأتي من بعده لذلك كان فؤاد أعظم ديكتاتور مصري شهده القرن العشرين.
في عهد فؤاد كان كل شيء جاهز لاغتصاب مصر مرة أخرى لصالح الإنجليز، لكن وفاته جعلت المصريين يستبشرون خيرا في مستقبلهم، ولكن فؤاد كان جبارا حتى بعد موته، فمستقبل مصر رغم الموت يتوقف على وصيته التي يحدد فيها الوصي على عرش مصر حتى يصل فاروق للسن القانونية التي حددها الدستور.
الكل مطمئن إلى أن الملك الراحل اختار أحد أفراد العائلة للوصاية على العرش، فالمصريون ليس من عاداتهم قبول شخص من خارج العائلة المالكة ليكون وصيا على العرش إذ أن الوصي دائما ما يكون في حكم الوالد ولن يطيق المصريون ان شخصاً غريبا حتى لو كان مصريا يدخل ويخرج على ملكة مصر هكذا بحجة وصايته على فاروق وكأنه زوجها، كان الشعب مطمئن الى أن الوصية لن تخرج عن اطار العائلة ولكن خيب الملك الراحل فؤاد الأول آمال المصريين ولم تكن الوصية كما توقعها الشعب.
كانت الوصية من ثلاث نسخ، نسخة في خزانة القصر ونسخة في خزانة الحكومة المنحلة ونسخة في خزانة البرلمان المنحل، وكان الأمير "محمد على" وهو رئيس مجلس العائلة المالكة آنذاك عليه مسئولية قراءة الوصية في حضور المتبقي من النظام السابق وهي حكومة "توفيق نسيم" التي اقيلت في شهر يناير السابق لوفاة فؤاد وحيث لا وجود للبرلمان.
جاءت وصية الملك فؤاد بتكليف احمد زيوار باشا ليكون وصيا على العرش، كارثة حلت على مصر وعلى نازلي، فأحمد زيوار باشا تربطه بالملك فؤاد ليس اواصر صداقة ولكن أواصر مؤامرة حينما نجح سعد زغلول في عمل دستور 1923 الذي اعطى الاستقلال لمصر واوشك على طرد الانجليز الذين يحتمي بهم الملك فؤاد بل وصار بمقتضاه رئيسا للوزارة في 28 يناير 1924 استشاط فؤاد غيظاً وكاد يموت من شدة القهر وحينها استعان بالمؤامرة مع الانجليز واحمد زيوار باشا في طرد سعد زغلول من الوزارة التي لم تستمر سوى بضعة شهور لتنتهي في 24 نوفمبر من نفس العام 1924 ويتولى احمد زيوار رئاسة الوزارة الجديدة في نفس اليوم ولمدة عامين كاملين وبرعاية بريطانية.
كان فؤاد يعلم أن وصاية احمد زيوار باشا على العرش لن تمكن الوفد صاحب الأغلبية الشعبية من الاستيلاء على الحكومة.
كان ولاء فؤاد للإنجليز عظيما حتى بعد وفاته.
ثار الشعب المصري في وجه الوصية، وذهبت الملكة نازلي إلى قصر المنيل لتجثو على ركبتيها باكية أمام الأمير محمد على رئيس مجلس العائلة المالكة في أنها لاتريد احمد زيوار باشا وصيا على فاروق.
في تلك الآثناء كان مصطفى النحاس باشا مهموما مع نخبة من رجالات مصر في التفاوض بشأن معاهدة 1936 بقصر الزعفران مع الانجليز ووفود عظيمة من سياسي الدول وقناصلها ولم يختلف غضبه عن غضب جموع المصريين.
بموجب الدستور كان أمام مصر كلها عشرة أيام لترفض وصية فؤاد، على أن يكون الرفض بإجماع اعضاء البرلمان واعضاء الحكومة وعمد ومشايخ قرى مصر من اسكندرية وحتى أسوان.
عشرة أيام مدة مستحيلة في ظل عدم وجود أي شكل من اشكال النظام في البلد، فالملك ميت والبرلمان والحكومة لاوجود لهما.
48 ساعة، يومان كاملان لم ينم فيهما الأمير محمد على ومصطفى النحاس يبحثان الخروج من الأزمة.
لابد ان يكون هناك برلمان منتخب في مدة اسبوع على اقصى تقدير وبعدها يتم تكليف الحكومة ثم النظر في وصية فؤاد ورفضها رفضا قاطعا امتثالا لرغبة الشعب المصري الذي يرفض احمد زيوار بسبب موقفة من سعد زغلول ليكون وصيا على العرش.
كانت مهمة مصطفى النحاس شبه مستحيلة ولكنه أكد للأمير محمد على ان مصر قادرة على نصر سياسي جديد ضد الانجليز وسيخوض المصريون الانتخابات في خمسة ايام وليس اسبوع قبل انقضاء المهلة الدستورية لرفض وصية فؤاد.
هكذا اذن كان المصريون يحترمون دستور البلاد حتى ولو كان تفصيلا على طاغية مثل فؤاد الاول.
خرج مصطفى النحاس باشا من قصر الأمير محمد على بن الخديوي توفيق شقيق الملك فؤاد يوم 2مايو 1936 وبرفقته علي ماهر باشا و محمد شريف صبرى باشا ، وعزيز عزت باشا ورؤسهم تكاد تنهار من وطأة الكارثة التي وضعهم فيها فؤاد ووضع فيها مصر أيضا.
علم الثوار في شوارع القاهرة بما دار في قصر المنيل عن طريق خطبة خطبها مصطفى النحاس في الناس بل وألزمهم فيها مسئولية الحفاظ على مااكتسبوه من انتصارات سياسية ضد الانجليز يمكن أن تضيع في لحظة لو لم تتم الانتخابات في خمسة ايام على الأكثر في عموم مصر كلها، ليتم للمصرين عن طريق نواب الشعب والحكومة من رفض وصية فؤاد وقطع باب الرجعة امام الانجليز الذين يحاولون المراوغة في معاهدة الاستقلال التي لم تكتمل بعد، يراوغون في الموافقة خاصة بعدما فقدوا حليفهم القوي الملك فؤاد.
طار الخبر كالنار في الهشيم وقبل فجر 3 مايو 1936 كان المصريون يدركون اهمية المسئولية التي ألقاها عليهم النحاس باشا في الحفاظ على الاستقلال ومحاربة فؤاد حتى بعد موته وانتخاب اعضاء البرلمان.
لم تنم مصر طيلة خمسة ايام كاملة، حتى الأطفال في القرى والنجوع كانت لهم مهمة حمل الفوانيس ولمبات الجاز ليلا ليضيئوا الطرق أمام الناخبين من الفلاحين والبسطاء في اقاصي مصر لينتهوا من انتخاب نواب الشعب.
ملحمة شعبية لم نرها في أي شعب.
شعب آمن بقدرته ووثق في رجالاته فوقف معهم وآزرهم.
وانتهت انتخابات البرلمان الساعة الخامسة يوم 7 مايو 1936 في اربعة ايام فقط وفي يوم 8 مايو تم دعوة النواب الجدد وكل عمد ومشايخ مصر للحضور إلى القاهرة.
باقي يومان وينتصر فؤاد حتى بعد موته على شعب مصر إذا لم يدرك الناس هول المسئولية وقيمة الوقت.
اجتمع النواب الجدد والعمد والمشايخ وجموع بالملايين يوم 9 مايو 1936 أمام بيت سعد زغلول، بيت الأمة، وساروا في مظاهرة وطنية عظيمة حتى وصلوا للبرلمان ولم يعترض طريقهم انجليزي واحد بسبب أن قناصل العالم كله كانوا في هذه الاثناء بمصر للتفاوض بشأن معاهدة الاستقلال واي خطأ ستفعله عسكر الانجليز ضد المتظاهرين السلميين الذين تحملوا مسئولية الحفاظ على الاستقلال حتما ستفضح انجلترا في جميع انحاء العالم.
دخل اعضاء البرلمان الجدد للبرلمان واقيمت السرادقات حول مجلس الأمة حيث جلس العمد والمشايخ واعيان شعب مصر كلهم في انتظار نصر الشعب السياسي الجديد.
باقي من الزمن 18 ساعة فقط وينتصر فؤاد على شعب مصر كله، لذا فالكل وجل صامت مترقب.
وبدأت جلسة البرلمان الجديد والجديدة.
كان لابد ان لا يخل المصريون بأي مادة من مواد الدستور حتى ولو كان الذي وضعة ديكتاتور القرن العشرين الملك فؤاد.
لا يجوز الان رفض وصية فؤاد من خلال نواب البرلمان الجدد والعمد والاعيان فقط بل لابد من رفض اعضاء الحكومة ايضاً لتتم عملية الرفض بشكل دستوري ووطني، ولكن مصر ليس بها حكومة.
بالاتفاق بين الامير محمد علي ومصطفى النحاس وثقة الناس في السياسيين الوطنيين من أمثال مصطفى النحاس قرر المجلس تكليف حكومة انقاذ وطني في الساعة الرابعة عصرا يترأسها علي ماهر باشا وهي اقصر حكومة انقاذ وطني حقيقية في تاريخ البشر لم يذكرها أو يتوقف عندها المؤرخون بشيء من التأمل، لتتم عملية التصويت بهذه الحكومة وبأعضاء البرلمان والعمد والمشايخ والأعيان والاتفاق على رفض وصية فؤاد بشكل دستوري مقدس.
وتم التصويت في الساعة السابعة مساءً على رفض الوصية وانتصر المصريون.
في الساعة التاسعة ثم سحب الثقة من حكومة علي ماهر باشا وتكليف رئيس الأغلبية البرلمانية الجديدة مصطفى النحاس باشا بتشكيل حكومة وطنية.
في الساعة العاشرة مساءً تم تشكيل حكومة الوفد الوطنية برئاسة مصطفى النحاس باشا.
في نفس التوقيت اعلن مصطفى النحاس باشا في خطابه الأول بعمل استفتاء على أن يكون الأمير محمد علي هو الواصي على العرش.
في الحادية عشرة خرجت جموع المصريين تحتفل بالنصر السياسي على فؤاد وعلى الإنجليز ولم تنم في ليلة لم يمر على مصر ليلة نصر مثلها حتى بعد ثورة 1952.
في صباح 10 مايو وفي أقل من اسبوع وقبل انتهاء المدة الدستورية لفرض الوصية على الشعب بثماني ساعات فقط كانت مصر بلداً آخر ديموقراطي له رئيس وحكومة وبرلمان.
هذه هي مصر التي كانت دوما تتحرك داخل العقل لتنتصر حينما تعصف بها الأزمات، فهل تتحرك اليوم ؟؟,