الجمعة، 31 أكتوبر 2008

من هو مراد غالب ؟ - المجلة المصرية

صعب عليّ أن أحكم على نفسي، لكن بحجم موقعي في بعض المراكز أعتقد أنني شاركت في عملية تطوير مصر وتصنيع مصر، مجرد مشاركة أرجو أن يكون جهدي المتواضع فيها معقولا، وإن كنت أتصور أنني كنت أستطيع أن أبذل أكثر من هذا، وأعتقد أنني أعيش عيشة طيبة، وكل ما يمكن قوله انني شاركت بمجهود وأعتقد أحياناً أنني مقصر وكان عليّ أن أبذل أكثر، وقد أعطتني بلدي ما أستحق وأكثر مما أستحق، وأنا لا أزال قادراً على العطاء وعليَّ أن أخدم بلادي في الموقع الذي يصلح لي والذي يمكنني من خلاله أن أنتج أكثر”.

mouradgalebهذا هو مراد غالب السياسي المثقف الذي رحل عن دنيانا في الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول ،2007 والذي عاش على مدى ستة وثمانين عاماً، منها خمسة وخمسون عاما في العمل العام، ولقد مارس الحياة بالتزام وجدية وهدوء، وكما عاش، رحل، وفارق الحياة على فراشه، وكان وداعه في هدوء وجلال.لقد كان الدكتور مراد غالب يتميز بالهدوء الشديد والعقلانية البالغة، فهو يزن كل كلمة يقولها، ولقد كانت هذه الصفات الأساسية إلى جانب ما اكتسبه من معرفة وثقافة وعلم هي التي أهلته ليشغل مواقع مهمة مع انها كانت بعيدة تماما عن تعليمه الأكاديمي وعن أحلامه وهو فتى صغير نشأ في مدينة الزقازيق التي شهدت مولده سنة ،1921 وفيها تعلم حتى أتم المرحلة الثانوية ثم نزح إلى القاهرة ليلتحق بكلية الطب، على أمل أن يصبح طبيباً مشهوراً.وخلال دراسته في جامعة القاهرة عاصر سنوات مشحونة بالأحداث الوطنية والدولية التي جرت خلال الحرب العالمية الثانية وتداعيات حادث 4 فبراير/ شباط 1942 الذي قامت به القوات البريطانية لترغم الملك السابق فاروق على تعيين مصطفى النحاس باشا رئيس حزب الوفد رئيسا للوزراء، وغير ذلك من الأحداث، ومظاهرات الشعب المطالبة بالجلاء.وبرغم مشاركته في حركة الطلاب إلا ان مراد غالب عندما حصل على بكالوريس الطب سنة 1945 أعطى اهتمامه للمستقبل العلمي المهني، فحصل على دبلوم ثم ماجستير الجراحة والتحق بهيئة التدريس في كلية الطب ليرقى إلى درجة أستاذ عام ،1950 لكنه مع تميزه في عمله كانت له اهتماماته الثقافية والسياسية ونتيجتها تجاوب مع ثورة 23 يوليو 1952 عند قيامها، ولذلك ففي العام التالي مباشرة جرى انتدابه للعمل في البعثة الدبلوماسية المصرية بموسكو، وكان هذا بداية انغماسه في العمل السياسي، إذ في نفس العام 1953 ترك مهنة الطب، وأصبح رسميا يعمل كدبلوماسي في وزارة الخارجية، ثم اختاره الرئيس جمال عبدالناصر، مديرا لمكتبه للشؤون السياسية.وفي الأول من ديسمبر 1959 رقي نائبا لوكيل وزارة الخارجية بدرجة سفير، ثم أميناً عاماً للشؤون السياسية بالوزارة، ثم وكيلاً لها في نهاية نفس الشهر.وبنفس الخطى السريعة الواثقة واصل مراد غالب صعوده ليصبح عضواً في لجنة التوفيق بالإشراف على أعمال الأمم المتحدة في الكونجو خلال صراعها ونضالها للتحرر، ولنجاحه عين سفيراً لمصر هناك، ثم صدر قرار نقله إلى موسكو التي بدأ فيها عمله الدبلوماسي ليصبح سفيراً لمصر وليبرز دوره هناك إلى ان رحل عبدالناصر وتولى أنور السادات رئاسة الجمهورية فعين مراد غالب وزيرا للدولة للشؤون الخارجية في العام التالي، لكن افكاره لم تتوافق تماما مع سياسة السادات الذي عين بدلاً منه الدكتور محمد حسن الزيات رحمه الله وأصبح مراد غالب سفيرا في الوزارة مما أشعره بغصة استمرت معه حتى بعد ان عين سفيراً لمصر في يوغسلافيا، إلى ان قدم استقالته في نهاية 1974 احتجاجا على سياسة السادات مع الولايات المتحدة ومحادثاته مع كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي، التي أثارت وقتها لغطاً كثيفاً.ولزم الطبيب والدبلوماسي والوزير السابق داره، وابتعد عن دائرة الضوء، وانضم إلى نشاط شعبي في إطار منظمة تضامن الشعوب الآسيوية الافريقية التي كانت منتعشة تماما في الستينات، وتجمدت في السبعينات، ثم عادت للانتعاش نسبيا منذ الثمانينات وحتى الآن.وخلال فترة الهدوء، وبينما الرجل يجتر ذكرياته مع نفسه في نهاية السبعينات التقيت به وعرفته، وفي بيته المطل على نهر النيل بالزمالك في القاهرة، وفي مزرعته الريفية بأول طريق القاهرة الاسكندرية الصحراوي، دارت بيننا حوارات حول الموقف الراهن وقتها ثم دعوته في ما بعد للمشاركة في ندوات عديدة عقدتها، لكني هنا أعود إلى حوارات خاصة تمثل فيما أظن وثيقة مهمة.أحلام التوسع “الإسرائيلي” وفي إطار هذه الحوارات، كنا نتناقش حول “إسرائيل” والمستقبل، وهل يمكن ان تتخلى عن استراتيجيتها التوسعية المنادية بدولة من الفرات إلى النيل وتكتفي بدولة تتعايش مع جيرانها العرب. فقال مراد غالب: أنا أتصور ان “إسرائيل” لا يزال فيها حلم معين للتوسع امبراطورياً من الفرات إلى النيل ولكن بطبيعة الحال ليس كل حلم يتحقق لكل إنسان ولا لمجموعات من البشر ولدولة من الدول، فألمانيا النازية مثلا كانت تحلم بحكم العالم، نفس الحكاية تتكرر الآن في “إسرائيل” كحركة عنصرية قائمة على أساس تصور نقاء عنصري ديني، لأن تعريف اليهودي هو أن والدته لا بد أن تكون يهودية لأن الدم اليهودي بهذا يكون قد جرى في عروقه، لا شك هي حركة عنصرية وتوسعية وبدليل أنها تتحالف دائما مع جميع الحركات العنصرية في العالم، وبالتالي لا أقول إن “إسرائيل” قد طلقت سياستها التوسعية، وإنما أقول هل ما ترغب فيه، ستتمكن من تحقيقه وتنفيذه؟من دون شك أنها تتحين الفرص وقد تحينت الفرص من قبل ولكن الآن يوجد مد عربي، ورأي عام عالمي وإن كان يتعاطف مع “إسرائيل” إلا أنه لا يقبل هذا التوسع كما أنه أيضاً يوجد داخل “إسرائيل” نفسها من يعتقد أن هذا الكلام يستحيل تطبيقه ومن ثم يحدد أهدافاً واقعية تتناسب مع فكره ومع إمكانات تنفيذ هذا الفكر. لكني بالطبع لا يمكن أن أقول إن هذا الرأي الآن يمثل أغلبية في “إسرائيل”، ولا يمكنني تحديد متى يصبح هو الفكر الغالب فيها؟ لكن، الآن، ما هو استقراؤك؟ د. غالب: حتى الآن لا يبدو انه يمثل الفكر الحقيقي ل”إسرائيل”، فإنها لا تزال تراوغ في الانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة، كما ترفض قيام دولة فلسطينية مع أنها هي التي اغتصبت أرض فلسطين كلها ومع هذا تنكر على الشعب العربي الفلسطيني ان تكون له دولة في أرضه! وطبعا هذه كلها مؤشرات كبيرة جدا بأن “إسرائيل” لا تريد أن تعيش داخل حدودها. إنها لا ترضى بهذا ومن ثم تندفع إلى التسليح بكميات أكبر بكثير جداً من مجرد احتياجات أمنها ثم هناك تعاملات وارتباطات عديدة لا يمكن ان تتناسب مع دولة تريد الحياة كأحد أفراد العائلة التي تعيش في منطقة الشرق الأوسط.معركة مستمرة حسب رؤيتك هل يمكن أن تنتهي المشكلة “الإسرائيلية” أو الصراع العربي “الإسرائيلي” في يوم قريب؟ د. غالب: أعتقد أن المعركة في العالم العربي معركة مستمرة وهناك قوى تريد السيطرة على هذه المنطقة، لأنها في غاية الأهمية، استراتيجياً وفي باطنها ثروات تعتبر عصب الحياة في العالم وفي حضارة هذا العالم، وبالتالي فإن صراعنا في هذه المنطقة هو ان نكون كعرب أصحاب هذه المنطقة. وأعتقد أن جميع الثورات ومنها ثورة 23 يوليو الأم تعتبر مراحل في صراع المنطقة، وأعتقد أن إقامة دولة “إسرائيل” هي حلقة من حلقات الصراع بين العرب والقوى المعادية يعني ان الصراع طويل ومستمر ومن دون شك فإننا لا نزال نخوضه، وهو يتخذ أشكالا مختلفة، ليس بمعنى طرد “إسرائيل”، لكن بمعنى انه لا بد من أن تتطور الطبيعة العدوانية العنصرية ل”إسرائيل” حتى تستطيع أن تعيش في هذه المنطقة وتشارك وتسهم في معركة الاستقرار والتطور العلمي وتقدم المنطقة.وربما تكون هذه فرصة لنتحدث عن دولة مهمة في المنطقة وهي إيران لأنها في عهد الامبراطور كانت تمثل العمق الاستراتيجي ل”إسرائيل” وكانتا معا تمثلان فكي الكماشة الكبيرة التي تحاول إمساك المنطقة لحساب القوى الأخرى، وبالتالي فإن سقوط أحد فكي هذه الكماشة يعتبر عملا خطيرا جدا على طريق تحرير المنطقة من السيطرة.إذن هناك تشابه كبير جداً بين إيران الامبراطور و”إسرائيل”، لهذا فلا بد أن نكون ضد الامبراطور ومع الثورة التي قامت ضده. إذا كان سقوط الامبراطور يضعف “إسرائيل”، فهل هذا يدفع القوى الأخرى لمساعدة “إسرائيل” أكثر لكي تكون بدلا من أحد فكي الكماشة هي الكماشة كلها وهي رأس الحربة الوحيد للمصالح الأجنبية؟ د. غالب: هناك رأي يتفق مع ما تقول، لكن هناك أيضاً رأي معاكس تماما يقول انه لا يمكن الاعتماد على قوة معينة في منطقة معينة، بدليل ان نظام الامبراطور انتهى فوراً وقضت عليه الثورة، وأيضاً فإنه من الصعب جدا أن تصبح “إسرائيل” هي الوحيدة في نظر القوى الأجنبية للسيطرة على المنطقة، لأن هذا سيجعل كل المنطقة أعداء لمن يريدون ضربها وبالتالي على من يفكر في مصالحه في هذه المنطقة أن يعيد حساباته كلها. أتصور أن هذه القوى إذا كان مطلوب منها أن تعيد حساباتها، فإن القوى الأخرى أيضاً لا بد أن تعيد حساباتها، وعلى ذكر القوى والحسابات، فإن هناك كلاماً يتردد باستمرار على ان القوى الكبرى يمكن أن تتفق على تقسيم مناطق النفوذ، ما رأيك؟ د. غالب: أعتقد أن هذا غير حقيقي بمعناه الشامل لأنه أولاً يلغي دور العرب وإرادتهم ويتنافى أيضاً مع حركة التاريخ، صحيح ان هناك مصالح حيوية للقوى المختلفة في مناطق من العالم.وصحيح ان كل قوة عندما تتحرك فهي تتحرك في حسابات لا تضر بالمصالح الحيوية للقوة الأخرى. لكن العالم كله ليس مقسما إلى مناطق نفوذ، فمثلا توجد في آسيا أو إفريقيا أو أمريكا اللاتينية مناطق تمثل مصالح حيوية للقوى الكبرى، لكن في نفس الوقت فإنها تضم حركة شعوب كبيرة وحركة نهضة كبيرة وهي بالطبع ترفض ان تكون داخلة في مناطق نفوذ بمعنى ان تكون تابعة وبالتالي فالموضوع ليس بسيطا.وعموماً فإن الدول مثل مصر والدول العربية يجب أن تنظر للعالم وتنفتح عليه لكي تتفادى مناطق النفوذ وهذا هو المفهوم الأساسي لحركة عدم الانحياز التي لا تريد الدخول في مناطق النفوذ، وإنما تعبر عن الاستقلال الحقيقي. ان حركة عدم الانحياز يجب أن تكون أكثر نشاطاً لتواجه النواحي السلبية لاتفاقيات القوى العظمى، تقبل وترحب بالاتفاقيات الايجابية مثل منع الحرب الذرية أو تحديد التسليح أو خلافه، وتقف ضد ما يسمى مصالح الدول الكبرى، أن حماية الدول الصغرى تتطلب تكتلها من أجل السلام، والاستقلال، والتطور، وهذا هو أسلوب الحماية من الدول العظمى.عدم الانحياز يخيل لي أن عدم الانحياز أصبح الآن مطلوباً من هذه القوى؟ د. غالب: ان عدم الانحياز يضم دول العالم التي تحررت حديثا، وبالتالي فإن أي مشكلات تتعرض لها هذه الدول أو أي خلافات بينها أو أي استقطابات لها تؤثر في حركة عدم الانحياز، وبما أن الحياة مستمرة والصراع مستمر، فإنه تنتاب الحركة حالات صعود وهبوط حسب ما يحدث في هذا العالم، ولكنها كفكر لا بد من تعميقه وترسيخه، ولا بد للحركة ان تستمر. إذا كان الأمل معقودا على ان تتلاشى الخلافات ومن ثم يمكن للدول المشكلة لعدم الانحياز ان تنهض بالفكرة من جديد، فإن هناك دائرة اصغر من عدم الانحياز وهي الأساس بالنسبة لنا وأعني بها دائرة الأمة العربية، لكن الأمة العربية لم تحقق أهدافها؟ د. غالب: إن دول العالم العربي، مختلفة بمراحل النمو والتطور لذلك لا بد أن توجد خلافات تتولد مع استمرار حركة التاريخ. وهذا لا بد أن يدفعنا إلى إيجاد المعادلة الصحيحة التي تخدم أوسع وأعرض جبهة ممكنة في العالم العربي، وأنا أتصور ان هذه عملية حياة أو موت بالنسبة للعرب، ففي العالم كله، تنمو وتعيش الكيانات الكبيرة وليس الكيانات الصغيرة.ولهذا لا بد للعرب من التكامل وإقامة كيان سياسي واقتصادي قوي، فإنني أؤمن بالأمة العربية، وأؤمن أيضاً بالوحدة العربية، ولا أطالب بقيام وحدة الآن وإنما أطالب بصيغة ومعادلة بحيث تتطور وتصل إلى شكل من أشكال الوحدة.

نظرا لأهمبة الموضوع فقد تم نشره كما ارسله الكاتب الذي لم يذكر اسمه ، ونحن بدورنا نناشد الكاتب او ايا ممن يعرفه ان يعلم الموقع باسمه حتى يتم تتويج المقال باسم صاحبه. رئيس تحرير موقع مصرية نوفمبر 2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق