عندما اردت ان اكتب في البحث عن الله .. كتبت ( السيميائي ) و" باولو كويليو " الروائي البرازيلي قد دخل المصحة النفسية مرات وخرج وكله رغبة في تعلم السحر .. وقد فعل بل وانضم الي جمعية للسحرة .. وزيارته الي مصر في اواخر الثمانينات من القرن الماضي الهمته الاطار العام لهذه الرواية المعجزة في نجاحها .. علي مستوي العالم فقد ترجمت الي 50 لغة وبيع منها حوالي 30 مليون نسخة والنسخة المصرية ترجمة الاديب بهاء طاهر الذي اعتب عليه كثيراً بشأن كثير من السقطات التي وقعت في الترجمة وكادت تغير مفهوم الرواية ان لم تكن قد غيرتها بالفعل حيث كانت سقطات الترجمة من النوع الذي لايغتفر،
وتقع الرواية في 181 صفحة من القطع المتوسط ، متضمنه مقدمة المترجم ، رسم غلافها الفنان الكبير حلمي التوني ، باسلوبه
المميز / المعتاد والذي يقوم علي استخراج العناصر الرئيسة للكتاب ( من وجهه نظره )
ووضعها في تشكيل يحاكي الرسوم الجدارية الشعبية ( كرسوم استقبال الحجاج ) بطريقة
مبسطه وبسيطه ، اراها متوافقة تمام التوافق مع الأسلوب المراد في الرواية الذي
يعتمد على البساطه ويتوسل " بسيمياء " الفنتازيا فيخلق جو ساحر من الخيال الاسطوري
المشرق .
وتدور الرواية حول رحلة السطورية لراعي اغنام بدأ حياته طالب علم ديني ( لقد ظل حتي
سن السادسة عشرة يتردد علي المدرسة الدينية ، كان ابواه يريدان ان يجعلا منه قسا ..
درس اللاتينية والاسبانية واللاهوت ولكنه كان يحلم منذ صباه الباكر بان يعرف العالم
، فهذا في نظره اهم بكثير من معرفة الرب او خطايا البشر .. ) ص 23 .
ولكن علينا ان نبعد الفكره التي ستقفز حتما بان البطل " سانتيجو " او " الشاب " كما
اشير اليه في جل احداث الرواية ، كان متمردا علي فكره الايمان ، لا .. فقد كان
محركه الاول في رحلته / مغامرته ,, هو الايمان بالرب .. لكن كان تمرده علي المعرفة
الجامده النظرية التلقينيه .. فهو يستنكر ان يكون السبيل لمعرفة الاله هو التقوقع
داخل جدران مدرسة : ( وتساءل وهو يرقب مطلع الشمس " كيف يمكن للانسان ان يذهب الي
مدرسة دينيه لكي يبحث عن الله ..؟ ص 25
ولهذا فضل ان يعمل راعيا ( تذكر انها مهنه الانبياء كابراهيم وموسي وعيسي عليهم
السلام .. ) وعندما عرض الامر علي والده استنكر الامر ولكن لم يمنعه عن تحقيق حلمه
بل ساعده بالمال ليبدا رحلته ..
وفي جولة من جولاته .. غلبه النعاس فرقد في اطلال كنسية – علينا ان نلاحظ الدور
الرئيسي الذي يلعبه المكان – راي في الحلم / الحلم هنا رؤية غيبية تذكرنا برؤي
الانبياء والقديسين / انه يعثر علي كنز تحت سفح اهرامات الجيزة ، وهذا الحلم /
الكنز = الهدف ، هو المركز الذي تدور حوله الرواية ويلجا لعرافة غجرية لتفسر له
الحلم ، فلا تجد في حلمه اي رموز ، فهي لم تزد في تفسيرها عن المعني الظاهر للرؤية
، وتقتنص من البطل وعدا بنصيب من الكنز حينما يعثر عليه كاجر مؤجل مقابل تفسيرها
للحلم .
والغجر عند الشاب / البطل : هم مجموعة من الغرباء ، الذين يكتسبون رزقهم عن طريق
الغش والشر ( كما تردد علي مسامعه لا كما راي ) وان كان تجربته مع هذه العرافة
الغجرية اكدت له بعض الشيء ان ما يتردد عن الغجر فيه قليل من الصحة ! .. ويعتبر
وجودهم ضمن الاثار السلبية التي خلفها المغاربة ( يقصد العرب ) الذين استولوا علي
الاندلس واجلاهم عنها اهلها ، ولم ير للمغاربة حق لديه غير الكره :( وكان شخص ما قد
شرح له ان المغاربة اتوا له من هذا الطريق وانهم احتلوا اسبانيا باسرهم لفترة طويلة
، وكره المغاربة ، فقد كانوا وكأنهم هم الذين ادخلوا الغجر )
ويلتقي الشاب ( سانتيجو ) برجل هو بحق مفتاح فهم الرواية كلها .. وهدفها .. وعما
تعنيه رحلة البحث عن الكنز وما هيه الكنز الرمزية .
وحتما ستري كما رأيت اثناء قراءتي ان هذه الرواية الرائعة والتي عجنت من خلاصة
تجارب الاديب مع خياله من خلال قراءة الكتاب المقدس كمرجعية اساسية ( وان لم تظهر
جلية ، ولكنها تمثل الخلفية الموسيقية والايقاع الذي يضبط المقطوعة ككل ) والف ليلة
وليلة والحكايات الشعبية البرازيلية والاسبانيه والبرتغالية التي تشكل الشرق والعرب
المسلمين في قالب خاص كما يحبوا هم ان يتصورونا بلا اي تمحيص ولا مراجعة .
اقول ان الرجل الذي التقي به الشاب هو مفتاح الرحلة وهو الذي يخبرنا بلا اي تورية
ان رواية ( السيميائي ) تصنف بلا اجحاف ولا تردد تحت تصنيف ( الادب الديني ) فهي
رحلة للبحث عن الاله من خلال البحث عن الذات ..
فالرجل الذي قابله الراعي وشجعه علي المغامرة ، وتحويل حلمه بالترحال الي حقيقة
تخلي بتشجيع هذا الرجل عن قطيع اغنامه الذي عبر بغموض عن عشقه له ، وعن موعد الحب
الذي انتظره عاما كاملا واستعد له ، وقد كتب بهاء طاهر المترجم كما هو في لغة النص
الاصلية هكذا : ( ميلشيسيديك ) وهي سقطة لاتغتفر اذ اسقطت – من وجهة نظري – النص
كله لكون هذا الأسم هو حجر زاوية الرواية كلها وكتابته مترجماً على هذا النحو يقطع
الخيط الدرامي والفني تماماً من عقل القارئ ليتحول كما لو كان يقرأ رواية كروايات
ميكي التي تعتمد في اسلوبها على السذاجة ومخاطبة عقول الأطفال، واندهشت ان يكتب
الأسم هكذا دون فصل او تقطيع إذ أني وبعد جهد دفعني لبذله احساسي بأن ثمة شئ خطأ
يفصلني عن فهم الرواية لمجرد ان قرأت هذا الاسم على هذا النحو الخاطئ الذي ساقه لنا
بهاء طاهر ولأكثر من ثمانية مرات حيث وجدت بعد البحث والجهد أنه اسم مركب من ثلاثة
اجزاء هي صادق ملك سالم و المقصود بسالم مدينه القدس، نعم القدس ، فورد ذكرها في
رسائل تل العمارنه في القرن الرابع عشر ق . م " يورو سالم " وفي النقوش الاشورية
باسم " اؤروسليمو " واقدم اسم لها في العهد القديم هو " شاليم " وقد ورد في سفر
التكوين بمناسبه قدوم ابرام ( ابراهيم عليه السلام ) الي ارض الكنعانيين اذ خرج
الملوك لاستقباله ومنهم ملكي صادق ملك شاليم .. وسيلاحظ القاريء ان المقصود بـ : "
ميلتشيسيديك" أو صادق ملك سالم هو ذلك الملك المبارك كاهن الرب العلي ( واسمه يعني
" ملك البر او السلام " . كما وصف في الاصحاح الرابع عشر من سفرالتكوين في العهد
القديم ( التوراه ) !
وهنا نصل الي المغزي الديني الواضح للرواية والذي يتميز بصبغتة المسيحية لكون
اديبنا صاحب الرواية مسيحي شديد الإيمان، ولرحلة ابراهيم عليه السلام لمدينه القدس
( ساليم او شاليم ) واستقبال مالكي صادق له لها تصور خاص في تفسيرها المسيحي كما
يفسرها احد رجال الدين المسيحيين : ( ابراهيم ابو المؤمنين حينما " جر غلمانه
المتمرنين ولدان بيته ثلث مئة وثمانيه عشر " وانتصر علي اربع ملوك متحدين " واسترجع
لوطا اخاه " نري ملكين قد خرجا لاستقباله بعد عودته منتصرا ، ملك سدوم ويرمز للعالم
، وملكي صادق ويرمز للمسيح ، ماذا عمل ابراهيم ؟ رفض عطاء ملك سدوم واستمتع ببركه
ملكي صادق كما هو مكتوب " ملكي صادق ملك شاليم اخرج خبزا وخمرا ، وكان كاهنا لله
العلي وباركه وقال مبارك ابرام من الله مالك السموات والارض ومبارك الله العلي الذي
اسلم اعداءك في يديك فاعطاه – ابراهيم – عشرا من كل شيء : وقال سدوم لابرام اعطني
النفوس واما الاملاك فخذها لنفسك ، فقال ابرام لملك سدوم رعت يدي الي الرب الاله
العلي مالك السماء والارض لا اخذن لا خيطا ولا شراك نعل ولا من كل ما هو لك , فلا
تقول انا اغنيت ابرام " .
وهنا نري ان الغني الحقيقي لابراهيم ابو المؤمنين هو في استمتاعه بالشركة مع المسيح
كخادم له ، وفي نفس الوقت رفض اي عطية من العالم له كما علمنا المسيح له المجد " لا
يقدر احد ان يخدم سيدين لانه اما ان يبغض الواحد ويحب الاخر او يلازم الواحد ويحتقر
الاخر " .
ولكي يؤكد الاديب المتميز " باولو كويليو " علي قصديته لهذا الرمز المفتاح طلب
مالكي صادق عاشور ما يملكه الشاب ( بطل الرواية الراعي من اغنام كما طلب من ابراهيم
عليه السلام فيقول علي لسانه في الرواية صفحة 45 :
( اعطني واحدا من كل عشرة – يعني من الغنم – وساعلمك ما ينبغي ان تفعله لكي تصل الي
الكنز المخبوء .. )
والجدير بالملاحظة والذكر ان هناك طريق لرحلة دينية في اسبانيا ( حج ) اسمه "
كامينو دي سانتيجو هو طريق الحجاج الشهير الذي يبدا من نافارا – فهل لاختيار اسم
البطل تكريس لهذا الهدف الديني ربما … !
والجميل في هذه الرواية الدينيه انها لا تؤسس للتدين الاعمي ، لكنها تعلي من قيمة
الايمان في فهم الحياه والعثور علي الهدف من وجودنا فيها .. بل نراه في بعض الاجزاء
يذكر فضائلا للاسلام ، بشكل تلقائي : ( لم يكن هناك داعي لان تنظف اي شيء فشريعة
القران تقضي لتقديم الطعام لاي جائع .. ) ص 72 .
ولكن بالرغم من نظرته الحياديه وفرحته بالقيم الايمانيه عامة كما فهمته من قراءتي
للنص وخلفيتي عن كاتب الرواية " باولو كويليو " انه يري ان نبع الايمان واحد ( كان
هناك فكره تتكرر باستمرار في الكتب جميعا فكره ان كل الاشياء هي تجليات لشيء واحد
.. ) ص 104 .
نراه لا يتخلي عن ان مكان الله الطبيعي في وجهه نظره هو الكنيسة ..!
فبعد ان يتكبد عناء الرحلة الساحرة في الصحراء العربية ويصل الي مكان الكنز الموعود
( الحقيقة المطلقة ) عند سفح الهرم تصله الرسالة او العلامة وهو انه " الكنز "
موجود بالكنيسة عن طريق زعيم عصابة كادت ان تفتك به .. وعندما انصرفوا وتركوه رجع
هذ اللص اليه وقال له: ( لن تموت وتعيش وتتعلم ان الانسان يجب الا يكون غبيا الي
هذا الحد فمنذ قرابة عامين وهنا بالضبط حيث ترقد انت الان حلمت حلما وتكرر رايت
انني يجب ان اذهب الي اسبانيا وان افتش بالريف عن كنيسة محطمة ، كثيرا ما يذهب
الرعاه للمبيت فيها مع اغنامهم وتنموا في موضع هيكلها شجرة جميز وهناك ساجد كنزا
مطمورا .. ) ص 178 .
وبرغم كل شيء ، فسحر الرواية وروعة اسلوب هذا البرازيلي الحالم لا تغيب ، اليس ذلك
بالفعل هو شان كل ادب جديد بصفته ؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق