الثلاثاء، 22 يونيو 2010

مذكرات نوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر

 بتاريخ الثلاثاء 22 يونيو 2010

بقلم: محمد رجب - مصر
medtork@yahoo.com

تجذبك صفحاتها.. وتثير شغفك.. تجعلك تتلهف لمعرفة المزيد، فتسارع لتقليب الصفحات لتعرف ما قاله صاحب المذكرات نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر نوبار القادم من أصول أرمنية الذى أصبح الموظف المرموق، وداهية السياسة المصرية، إذ تولى منصب رئاسة النظارة أو الوزارة ثلاث مرات وقبلها كان يشغل العديد من المناصب إذ عمل وزيرا للنقل والأشغال والداخلية والخارجية مذكراته التى تقع فى 675 صفحة من القطع الكبير ما بين نوفمبر 1890 ومايو 1894، أى بدأ فيها وهو فى عمر يناهز الخامسة والستين ــ ولم يكن قد اعتزل العمل السياسى بعد ــ واشتملت على الفترة الممتدة منذ عام 1842 وحتى عام 1879 أى سبعة وثلاثين عاما، تغطى المدة من قدومه لمصر إلى عزل الخديو إسماعيل.

كتب يقول :
«إن من يرى مصر منذ أربعين عاما لا يسعه إلا أن يندهش من التحولات والإصلاحات التى حدثت بها. إنه عالم جديد هذا الذى يظهر.. إلى من يرجع؟ وما السبب فى هذا التحول؟ وكيف حدث؟. ما أن يتعلق الأمر بمصر الحديثة، فإنه دائما يجب الرجوع إلى محمد على الكبير.. إنه هو الذى حولها وفتح لها أبواب المدنية الحديثة والمنافسة مع أوروبا، ومن خلال الأبواب التى فتحها محمد على جرت الأحداث ودخلت الأفكار التى أكملت العمل الذى بدأه. وقد وجدت نفسى مدعوا لأداء دور فى هذه الأحداث، بل ووجدت نفسى واحدا من الذين ابتكروا كثيرا من هذه الأفكار. والآن وقد وصلت إلى عمر لا يعنى معه المستقبل شيئا كثيرا بالنسبة لى، سوف أعيش وأعايش هذه الذكريات والأحداث التى كنت أنا نفسى شاهدا عليها، وسوف أترك لنفسى العنان كى أبحر معها وسط تيار أفكارى». كلمات ذكرها نوبار باشا أول رئيس لوزراء مصر كمدخل لمذكراته التى كتبها فى مدينة كان الفرنسية فى نوفمبر 1890. ليبدأ تدفق الذكريات أو المذكرات. قبل القراءة وقبل الدخول الحقيقى فى عالم المذكرات لابد لنا أن نذكر هنا كلمات الدكتورة لطيفة سالم وهى مهمة إذ تقول: «ومن المؤكد أن للمذكرات أهميتها العلمية، فلها المكانة بين المصادر التى يعتمد عليها فى الكتابة التاريخية، ولكن لابد من أن تخضع لمنهج البحث التاريخى.. ولا نريد أن نسترسل فى بيان كيفية استخدامها، وإنما لابد من الإشارة إلى أن قراءتها يجب أن تكون فى حدود الزمن الذى عايشته حتى لا نصدر الأحكام التى تدين أو تبرئ أصحابها». ومن ناحيتنا نزيد على ذلك فنقول إنه يجب أن نقرأ المذكرات ونحن مدركون أنها مجرد استدعاء للأحداث والشخصيات ووقائع مضى عليها الكثير، لا تسجيلا يوميا، فضلا عن أن مذكرات نوبار باشا تتوقف عند عام 1879 أى لم يذكر فترة توليه النظارتين الثانية والثالثة، والتى كان بتسجيلها تكتمل المذكرات. وهذا لا يقلل من جمال المذكرات وأهميتها فهى ترسم جزءا من صورة مصر أيام من أرادوا إصلاحها وتطورها.

مضمون المذكرات:
خدم نوبار باشا فى عهد ستة من ولاة مصر، محمد على باشا وإبراهيم باشا ثم عباس حلمى الأول ثم سعيد ثم إسماعيل ثم توفيق وأخيرا عباس حلمى الثانى، لذلك تشهد مذكراته على الكثير من تاريخ مصر فى عهد هؤلاء الولاة، وتكشف عن الوجه الآخر لنوبار باشا الذى كثيرا ما تعرض للاتهام بموالاته للأجانب على حساب المصريين. ورغم ذلك يقدم فى مذكراته بشكل عام ضيقه بسيطرة الأجانب على الوضع العام فى مصر، وسعيه لتأسيس المحاكم المختلطة للحد من هذه السيطرة. وتنقسم مذكرات نوبار إلى أربعة أقسام تضم واحدا وأربعين فصلا، بالإضافة إلى مقدمة وملاحظات لميريت بطرس غالى، وبعض الملاحق وأقسام المذكرات غير متوازية، فبينما يخصص صاحب المذكرات ستة فصول لمحمد على وإبراهيم وأربعة لعباس وستة لسعيد، فإن إسماعيل يستحوذ على خمسة وعشرين فصلا. وبديهى أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، ذكرتها د.لطيفة ( رئيسة مركز الدراسات التاريخية بدار الشروق الذي اصدر هذة المذكرات ) فى دراستها عن نوبار باشا، منها أن تلك الفترة قد تم فيها صياغة المشروع التحديثى، وأن نوبار قد بلغ مرحلة من النضج والخبرة مما كان له الأثر فى إسهامه بدور فعال فى توجيه الأحداث. وفى السطور الآتية نعرض فى الحلقة الأولى من قراءة المذكرات للستة فصول الأولى المخصصة لمحمد على وإبراهيم باشا، على أن تشمل الحلقة الثانية الفصول العشرة لعباس وسعيد، وننهى القراءة بعرض الفصول الخمسة والعشرين المخصصة للخديو إسماعيل الذى تنتهى المذكرات بتاريخ عزل الخديو إسماعيل.

بداية المذكرات:
«وعندما اقتربت السفينة من مصر أيقنت أننى على وشك الدخول إلى عالم جديد».. عبارة قالها نوبار باشا فى فصله الأول (1842 ــ 1844)، وذلك بعد أن تم الاتفاق بين محمد على وبوغوص خال نوبار بأن يتم إرسال نوبار إلى مرسيليا للمطالبة بأوراق والده الشخصية. ومعروف أن نوبار ينتمى إلى الأرمن الذين أصبح لهم وضع خاص فى دولة محمد على، إذ اعتمد عليهم فى تنفيذ سياسته، بعد أن أيقن أمانتهم وثقافتهم ومهارتهم. ويحكى نوبار فى الأوراق الأولى من مذكراته انطباعاته عن مصر وحكم محمد على، وتوقف قليلا عند حادثة لا تزال ــ وقت كتابة المذكرات ــ تؤثر عليه وهى تجربة خاله بوغوص مع الوالى محمد على. يقول نوبار عنها: «ولا أزال حتى هذه اللحظة أرى تجربة خالى ماثلة أمامى وهو يعيش منطويا ومنزويا فى صالون صغير لا يستقبل أحدا ولا يذهب إلى الوالى قبل أن يصلى صلاة قصيرة وكأنه يدخل إلى قفص الأسد، وذلك بسبب تأثير الأحداث التى مر بها والمواقف الدموية التى كان شاهدا عليها وتركت آثارها فى نفسيته، بل إنه هو نفسه كاد أن يصبح ضحية غضب الوالى فى يوم من الأيام. حدثت الواقعة بعد فترة قليلة من تنصيب محمد على واليا على حكم مصر وكان بوغوص أو الخواجة «وهى كلمة تعنى سيد العمل» رئيسا لخزانة جمارك دمياط، وعلى أثر مناقشة بينه وبين محمد على فى بعض الأمور المالية استشاط الأخير غضبا وصاح قائلا : «فليسق من قدميه». وكانت هذه عبارة تعنى اعتقال شخص لإعدامه، فتقدم أحد القواسة بسرعة لتنفيذ الأوامر، وسيق بوغوص إلى خارج الغرفة، ولكن القواس كان تركيا وكان مدينا بمعروف له فتظاهر بأنه يقوده إلى شاطئ النيل لإلقاء جثته فيه بعد تنفيذ حكم الإعدام فيه وأخذه إلى منزل مهجور حيث اختبأ وعاد القواس ليخبر محمد على بأن أوامره نفذت. وأضاف نوبار باشا أنه بعد فترة قصيرة مر محمد على بضائقة مالية فى رشيد واحتاج بشدة إلى النصيحة، فلم يستطع أن يمنع نفسه من الصياح قائلا: «رباه، لو كان بوغوص هنا لأنقذنى من هذه المحنة». واعترف بعد ذلك القواس بأنه لم ينفذ الأوامر، فصاح محمد على: «بوغوص حى؟! اذهب وأحضره حالا، وإلا دفعت رأسك ثمنا عن رأسه».

أحوال الرعية:
بعد ذلك أوضح نوبار باشا إنجازات محمد على وأحوال الرعية «المسيحيين»، والذى يعد نوبار باشا واحدا منهم، مؤكدا أن محمد على فتح أمام مصر التقدم الصناعى الأوروبى، بل استدعى الطبيب والمهندس والبحار واحترم كل هؤلاء حتى يتعلم الناس بدورهم احترامهم. وليقرب نوبار باشا الصورة قال: «فقد كان هذا شيئا هينا؛ لأنهم كانوا ــ يقصد الطبيب والمهندس والبحار ــ من الأجانب والضيوف والسادة. لكن أن يتم رفع شأن المسيحى «الرعية» وأن يحترم من المسلم وأن يسير جنبا إلى جنب مع البك والباشا التركى أو الشركسى وأن تتم مساواته بالمسلم ويحظى بنفس الاهتمام والتكريم ــ هنا بالفعل كانت صعوبة العمل، الذى مثل انقلابا لكل المعتقدات والأفكار المتجمدة فى البلاد. وليدلل نوبار على كلامه حاول بكل الطرق أن يمتدح رؤية محمد على وإبراهيم ابنه لتقدم وتطور مصر، وحاول أن يتذكر كل الحوادث على تدل على ذلك منها، ففى فصله الثانى قال نوبار عن محمد على: «أقول إن هذا العادل الكبير، هذا المصلح للعادات وللأفكار المظلمة، كان محل تقدير الشعوب الكردية والتركية فى آسيا الوسطى، واعتبروه ممثل الإسلام بحق ومدافعا صلدا عن العقيدة فى مواجهة المسلمين غير الأوفياء فى القسطنطينية، الذين تأثروا بالتقاليد الأوروبية ويتلقون أوامرهم من موسكو». وفى منطقة أخرى من المذكرات يذكر نوبار باشا أن محمد على هو الذى غير فى مصر كل الأفكار السائدة فى الشرق، كل هذه الأفكار المتخلفة عن أوروبا.. إنه هو الذى كسر واخترق الحاجز الذى كان الشرق قد غلف نفسه به باستدعاء العنصر الأوروبى وتشجيعه على الإقامة فى البلاد والاستقرار بها عن طريق تملكه الأرض للبناء والاستكشاف. فى كلمة واحدة: لقد جعل مصر البلد المنعزل فى اتصال مع التقدم الذى تمثله أوروبا.

الإنجليزية هى السبب:
ولم يغفل نوبار باشا فى مذاكرته ذكر سبب إسناد المناصب إليه والرتب الكثيرة التى منحت له. وكان السبب بسيطا جدا وهو معرفته القليلة بالإنجليزية اللغة التى لم يكن أحد من معية محمد على يعرفها فضلا عن أنه سبقته سمعة أنه رجل مثقف وعالم، وبلغة الواثق من نفسه يقول نوبار: «لقد كان لاهتمامهم بى عند دخولى فى معية محمد على فائدة كبيرة على، لكن ألم أكن أستحق بالفعل هذا الاهتمام.. ألم أكن كاتبا وموظفا مثقفا.. ألم أكن أنا من فك لهم طلاسم خطاب دوق دى راجيز؟!». وللحقيقة كلمات الثقة النوبارية قريبة من الحقيقة، فمن يقرأ المذكرات يندهش من جمال أسلوبها، ولعل هذا جعل الدراسة السابقة للمذكرات تؤكد أن الأسلوب، الذى اتبعه نوبار باشا فى المذكرات السهل الممتنع، والثرى الشائق، وأنه اختار التعبير القصصى، وذلك باستحضار الأمثلة ونقل الحوارات.

التقرب من الوالى:
فى فصله الثالث قال نوبار: «إنه بعد شهرين أو ثلاثة من دخولى فى ديوان محمد على، جاء إبراهيم باشا إلى الإسكندرية لقضاء الوقت وطلب من والده إلحاقى بخاصته». وتساءل نوبار: «لماذا إذن لم يصطحب إبراهيم باشا سكرتيره معه.. ولماذا طلبنى من والده؟ أعتقد أن إبراهيم علم بشكوك والده نحوه فأراد أن يزيح هذه الشكوك باستعارة رجل من خاصة والده وديوانه ليصبح شاهدا ومترجما لمحادثاته مع القناصل العموميين». وبذلك أصبح نوبار باشا قريبا من السلطة ليسجل لنا رأيه فى حادثة مشهورة فى تاريخ مصر، وهى توتر العلاقات بين محمد على وإبراهيم باشا، وتهديد محمد على بترك مصر والاعتكاف بالحجاز. وعن انطباعه نقرأ: «وفى الطريق قال لى دون أن أستطيع قراءة أى تعبيرات على وجهه وملامحه: إن والده اعتكف فى سراى محرم بك، ويهدد بترك مصر والذهاب إلى الحجاز.. وعند وصولنا إلى محرم بك رفض محمد على استقبال ابنه، فاتجهنا مباشرة إلى سراى رأس التين، حيث كان الوجهاء الذين يشاركون فى أعمال الاجتماع قد تجمعوا. وفى هذه الاثناء، علمت أن المجلس شعر بأنه قدم توصيات بخصوص الضرائب والإصلاح الإدارى أغضبت محمد على إلى أقصى درجة. وكان الحضور يتهامسون أن ابنته نازلى جلبت له بالأمس جارية من قصر الحريم ونظرا لصغر سنها أعطوا محمد على بعض المقويات كى يسترد صحته وشبابه.. وأخيرا قيل همسا بأنه ذهب للصيد وهو فى كامل نشاطه. وبكلام أكثر فصاحة تساءل نوبار: «هل كانت نية محمد على التى أعلنها بالاعتكاف فى الحجاز خدعة.. أم كانت حقيقة؟ ماذا يمكن أن يخفى هذا الإصرار من جانب رجل يحسب دائما حسابا لكل ما يفعله ويعرف دائما ماذا يريد؟ انعقدت الجلسة وكتب خطاب لمحمد على يحوى تساؤلا عما إذا كان يمكنه أن يفصح عن رغباته التى لن تجد سوى العبيد المطيعين لها.. لكن بعد قليل من الوقت عاد صبحى بالخطاب فلقد عرفت الرسالة وحاملها وعلق الوالى على هذا الخطاب بأن هناك فى هذا المجلس شخصا غادرا وآخر طامعا، وأراد من المجلس تسليمهما له». وبمزيد من الأسئلة يسأل: «... من كان يقصد بهذا القول؟ كل فرد فى هذا المجلس كان يعرف من هما المقصودان، ولكنه لم يكن يجرؤ على القول بأن الغدار كان إبراهيم، أما الطماع فكان شريف باشا. لكن لماذا لا يتم الإعلان عنهما لماذا أراد محمد على أن يقوم المجلس بتسليمهما له؟ أليس هو الحاكم.. أليس النفوذ كله له؟». بعد ذلك ترك أعضاء المجلس الإسكندرية واحدا تلو الآخر. وبعد عدة أيام علم نوبار أن محمد على استقبل أعضاء المجلس كلا على حدة وأن الأمور عادت إلى طبيعتها. ولكن لم يسكت نوبار باشا فهو كشخص يحب الفضول سأل قبطان بك مملوك إبراهيم وقائد السفن الحربية فى أثناء الحملة على الشام كيف سارت المقابلة الأولى بين محمد على وابنه بعد هذه الأحداث. وكان سؤال نوبار باشا بعد مرور ثلاث سنوات. وقص عليه قبطان بك أنه عند العودة إلى القاهرة تلقى إبراهيم خطابا من محمد على مليئا بالعتاب، وأنه أمضى اليوم كله نائما واضعا الخطاب على بطنه، قائلا: «أريد أن يُدفن هذا الخطاب معى، وذلك من شدة الاتهامات وقسوة العتاب الظالم الذى لا أساس له. إنه يحمل لى اتهامات أريد أن أحملها معى إلى القبر».

إبراهيم باشا العبقرى:
كان نوبار باشا معجبا بشدة بإبراهيم باشا فهو يراه مثال الرزانة والانسجام فى الملكات والقدرات، وبتعبير أقوى وأدق: كان إبراهيم يصل إلى حدود العبقرية. يذكر نوبار: «كان يهتم بكل شىء، كان مغرما بأرضه وكان بحق فخورا بالإصلاحات الملموسة والمهمة التى أدخلها ــ ويجب أن نرد له هذا الحق ــ فى أبعادياته التى كانت تقع معظم أراضيها فى مناطق زراعة الأرز. ورأيت يوما خطابا يثير الفضول فى أثناء إقامتنا فى إيطاليا كان إبراهيم يرسله إلى ناظر دائرته.. خطابا ظلت سطوره محفورة فى ذاكرتى إلى الآن يقول فيه: «كتب لى أحمد القاضى ناظر زراعة شباسات بأنه فى هذا العام زرع الأرز فى مساحة تزيد 800 فدان عن المساحة التى زرعها المرحوم حسن أفندى «الناظر السابق للزراعة هناك»، ولذلك فإننى أنوى كتابة نسخة أخرى من هذا الخطاب لأعلقها على صدرك كى تفضح كرامتك أمام زملائك بسبب إهمالك، وهذا من شأنه أن يعلمك فى المرة القادمة مراقبة وإدارة الأنفار، الذين تحت يديك بشكل أفضل. أما الخطاب الأصلى فإنى أنوى أن أعلقه على شاهد ضريح المرحوم حسن قائلا له: «أترى ماذا يفعل خلفك أحمد القاضى.. وسوف أترك هذا الخطاب معلقا على قبره حتى يحمل معه عاره إلى العالم الآخر كما حمله فى هذا العالم». وتساءل نوبار: «أكان فرعون يستطيع فى مثل هذه الظروف أن يعبر عن نفسه بشكل أفضل من هذا؟» فيجيب: لكن إبراهيم كان يعرف كيف يتحدث إلى كل شخص بلغته. فقد كان هو ووالده من العارفين بالرجال. ويكشف لنا نوبار فى نهاية مذكراته عن حكم محمد على وإبراهيم باشا لحظات محمد على الأخيرة ووفاة ابنه إبراهيم باشا: فى أثناء اللامبالاة، التى لازمت إبراهيم إلى قبره، كان أبوه كلما أفاق للحظات من غفلته الذهنية المستمرة يطوف شوارع القاهرة فى حراسة مماليكه وسط جموع الناس، التى كانت تنظر إليه باحترام ويرون فيه أحد المجاذيب «ويعنى الشخص الملهم من عند الله». وعندما أخبر بوفاة ابنه رد قائلا: «كنت أعرف لقد حبسنى.. كان قاسيا معى كما كان مع الجميع.. لقد عاقبه الله وأماته، لكنى أجد نفسى لكونى أباه من الواجب أن أترحم عليه وأدعو له الله». وعاش محمد بعد هذه الكلمات لعد أشهر تطارده دون هوادة فكرة أنه ما زال محبوسا. ويعود نوبار فيقول: «كان خوفو قد سبق ولجأ للعمل الإجبارى من أجل بناء الهرم الأكبر، الذى يحمل اسمه، وكان مقررا أن يكون قبرا له، لكن هيرودوت ذكر أن الأجيال، التى جاءت بعده لعنت ذكراه وأن أصداء أعماله البائسة كانت تتردد إلى الوقت الذى زار فيه مصر. بينما ستظل ذكرى محمد على خالدة ومقدسة متساوية بذلك فى وجدان الناس بذكرى الأولياء الصالحين. صحيح أن هذا التخليد لذكراه شىء عادل، لأن هذا الوالى الكبير سيطر على النيل الجامح، وأعطى للناس أسباب غناها، فحول مصر من بلد زراعى فقير إلى بلد يمتلك زراعة غنية، وإن كان مع كل هذه الوفرة ظل الفلاح بائسا، فإن الفلاح نفسه يعرف أن كل هذا سببه تناسى البعض لتقاليد الفلاح وأسلوب حياته البائسة، التى كان عليها أيضا فى العهد السابق».

انتهي الجزء الاول .....ويتبع الجزء الثاني ....

فى الحلقة الأولى لمذكرات نوبار باشا، أول رئيس لوزراء مصر، عرضنا ما يخص محمد على وإبراهيم باشا، وقد مدح نوبار محمد على، بقوله: إن ذكراه خالدة ومقدسة متساوية بذلك فى وجدان الناس بذكرى الأولياء الصالحين، ولخص رأيه فى إبراهيم بأنه مثال الرزانة والانسجام فى الملكات والقدرات، وبتعبير أقوى وأدق: كان إبراهيم يصل إلى حدود العبقرية، حسب رأى نوبار باشا.

واليوم، نعرض الحلقة الثانية التى تدور حول عباس وسعيد، على أن نقدم فى الحلقة الثالثة والأخيرة مذكرات نوبار باشا عن الخديو إسماعيل مع طرح سؤال مهم جاء فى الدراسة التى سبقت المذكرات: هل كان نوبار ذلك الرجل الذى أحب مصر وكان يعمل على مصلحتها؟، وهل هذه الصورة الوردية عنه التى رسمتها مذكراته قد اسُتخدمت فيها اللمسات الناعمة؟

بدأ نوبار باشا قسمه الثانى بالحديث عن عباس، ولكن قبل أن نعرف رأى نوبار فى عباس أقتطف رأى الدكتورة لطيفة سالم المذكور ضمن دراستها عن المذكرات، حيث تقول: «ومنذ البداية، فإنه يمكن الحكم على صاحب المذكرات من خلال ذلك الخط الذى التزم به فى أسلوب تعامله مع الولاة بما ينم عن فطنة ملحوظة؛ فهو يعى تماما متى يكون قريبا ومتى يبعد، وكيف يكتسب ثقة المتضادين، وقد جرى العرف على أن الحاكم الشرقى غالبا ما يستغنى عن مجموعة العاملين مع سلفه، وخصوصا إذا كان العداء يجمعه به؛ وهذا ما حدث مع عباس الأول «1848-1854». ولكن الأمر اختلف مع نوبار الذى تمكن من إبهار هذا الوالى برغم يقينه من أنه رجل عمه». وتضيف: «ومما يُسجل أن نوبار من القليلين الذين سجلوا إيجابيات هذا الوالى».

الوالى المنعزل:
ونجىء لمذكرات نوبار ــ التى تشمل 675 صفحة فضلا عن أكثر من 60 صفحة تحتوى على دراسات وملاحظات وملاحق للمذكرات ــ عن عباس ثم نختتم الحلقة بمذاكرته عن سعيد. بدأ نوبار قائلا: «بعد عدة أيام من وفاة إبراهيم عاد عباس من مكة، فى يوم الوفاة اجتمع كبار موظفى الدولة فى حجرتى وكلفوا مارى بك «Marie» قارع الطبول فى الجيش الفرنسى سابقا وأصبح فيما بعد قائمقام فى أثناء حروب الحجاز بأن يحمل إليه الخبر. رحل عباس من مكة فى الحال بينما تضاربت الآراء حوله فى مصر. كان الأوروبيون يعتبرونه رجلا متعصبا ورجعيا، وأستطيع القول بأن المصطلحين اليوم كما فى ذلك الحين معناهما واحد عند الأوروبيين. أما فى أوساط الموظفين فكان خليفة إبراهيم بالنسبة لهم شخصا لا يجيد فن التعامل مع الأزمات، وشبهوه بشخص لا يعرف كيف يتراجع فى الوقت المناسب عن ارتكاب جريمة.

وقد كانوا يعرفون أنه ينهمك جدا فى الأمور الإدارية، لكنه يحب العزلة ولا يشعر بالسرور إلا فى محيط أسرته. كان معروفا بين الكبار بأنه كسول. ولذلك كانوا يجدون صعوبة فى التأقلم مع فكرة أنه أصبح سيدا عليهم بعد أن عرفوه طفلا ثم مراهقا.

ويحلل نوبار الموقف، إذ رأى أنه فى ظل هذه الظروف كان من الطبيعى أن تصبح فكرة الطاعة العمياء فى نظرهم على الأقل غريبة. ويضيف فى هذه النقطة قائلا: «إنى مقتنع بأنهم إذا وجدوا من بينهم رجلا أو رجلين من ذوى الشخصية الذين لديهم القدرة على أخذ المبادرة فإنى مقتنع بأنهم سوف يحاولون السيطرة على الوالى الجديد أو توجيه وإيجاد قوة تكون بمثابة رد فعل لقوة السلطة المطلقة التى يتمتع بها الحاكم. لكنهم كانوا جميعا من حيث القدرة على اتخاذ المبادرة وقوة الشخصية أصفارا وعاجزين تماما. لكن، هل يمكن أن يكون الوضع غير ذلك؟ ففى خلال فترة عملهم الطويلة: هل كان لديهم فكرة واحدة عبروا بها عن شخصيتهم؟ ألم يظلوا دائما الأدوات القادرة فقط، إلى حد ما، على تنفيذ وأداء مهام الوظيفة؟ دائما منكسرون فى يدى سيد كان يفكر ويتصرف بالنيابة عنهم؟».

والسؤال الذى يطرح نفسه بعد قراءة تلك الفقرة من المذكرات: وهل كان نوبار باشا مختلفا عن هؤلاء غير القادرين أن يعبروا عن شخصيتهم؟ الإجابة تجىء على لسان الدكتورة لطيفة سالم التى أكدت أنه كان لوجود نوبار بالمعية أهمية بالغة، بالإضافة إلى شخصيته القوية، إذ تمتع بقدرة فائقة فى الإصرار على قضية يكون متحمسا لها، لا يتراجع إلا نادرا وأمام ظروف صعبة، حيث إن التصميم من صفاته. وتوضح أن ذلك كان قاسما مشتركا فى مشروعات كبيرة نفذت فى مصر مثل مشروع سكة الحديد الذى أيده وشجع عباس الأول على قبوله. وتدلل د. لطيفة على كلامها فتقول: «وفى عهد الأخير ــ أى عباس الأول ــ صعد نجم نوبار فى سماء العلاقات الخارجية سواء مع الدولة العثمانية صاحبة الموقف المضاد من الأرمن، أو الدول الأوروبية وبخاصة بريطانيا. وعندما اختلف مع الوالى انسحب من خدمته، وكان ذلك فى حد ذاته تحديا كبيرا منه، لأن الجميع يعتبرون أنفسهم «عبيد أفندينا».. ومع هذا فقد استدعاه عباس وولاه مركزا ــ وكيلا ــ فى فيينا»

مؤامرة على الوالى:
ونرجع مرة أخرى إلى المذكرات ونقول: لعل طرح نوبار الواضح فى المذكرات لمن هم حول عباس جعل الوالى مقتنعا بوجود مؤامرة، أو على الأقل اتفاق فيما بين كبار رجال الدولة على وضعه تحت السيطرة. وعن هذه المؤامرة يقول نوبار: «وفى رأيى الشخصى لم أصدق مثل هذا الكلام. من الممكن أنهم تبادلوا الآراء والمخاوف أو الآمال.. هذا ممكن، وفكروا فى تطبيق نظام للأمور مشابه لما هو قائم فى القسطنطينية، حيث كانت السلطة المطلقة للسلطان لا تمنع من مناقشة كل أمور الدولة واتخاذ القرار بشأنها من خلال الباب العالى. أستطيع أن أتقبل مثل هذا التفكير والتحليل للأمور لكن مع التحفظ على أن هذه الأفكار ظلت فى مرحلة التكون. وباختصار: أنا مقتنع بأنه من جانبهم كانت هناك نية للاستقلال، لكن وبسبب شخصياتهم الضعيفة فإنى أرفض تماما أن أصدق بوجود خطة حقيقية أو مؤامرة تم إيقافها».

ويزيد نوبار فى شرح تلك النقطة ويوضح أن عباس كان بطبيعته لا يثق بأحد، شكاكا بطبعه، متسائلا: «ومنْ لم يكن هكذا؟! ألم يكن إبراهيم يعيش على الشك دائما وأبدا؟ ألم يظل محمد على نفسه الذى سيطر على الجميع بذكائه أسير هذا الإحساس لآخر يوم فى حياته؟ وهل كان يستطيع حتى وهو فى حالة نصف الجنون التى كانت تنتابه البقاء ولو للحظة دون سيفه وحاجبه؟!».

ويبدو أن ذاكرة نوبار باشا كانت قوية وشبابية بشأن كل ما يخص ميول وأفكار وتحركات عباس إذ يصف ميوله قائلا: «بالإضافة إلى هذا الاتجاه الفطرى والطبيعى للشك كانت ميول عباس إلى التسلط عظيمة إلى أقصى حد، ولديه إحساس غريزى يلزمه بالارتباط برجاله المقربين الذين اعتبرهم كذلك من ذويه.. هكذا يمكننا أن نتبين وبكل سهولة أن زمن استخدام العنف بشكل جلى وواضح قد ولى، لكن مع الأخذ فى الحسبان رغبة عباس المطلقة فى إبعاد رجال الحكم السابق عن البلاد مهما كان الثمن».

أمران فى تحول مصر:
ويشير نوبار إلى أنه فى الوقت الذى كوّن فيه الأوروبيون آراءهم من ناحية ومشاعر كبار رجال الدولة من ناحية أخرى تجاه عباس، حدث أمران كان لهما الأثر فى تحول مصر: الأول وهو إنشاء خط السكك الحديدية، والثانى هو توزيع الأراضى على الفلاحين، تلك الأراضى التى هجروها لسبب أو لآخر أو تم ترحيلهم منها لإقامة إقطاعيات يملكها رجال الدولة.

ثم تحدث نوبار فى مذكراته عن أمر لا يقل أهمية عن الأمرين اللذين كان لهما الأثر فى تحول مصر، وهو موضوع الاتصالات بين أوروبا والشرق، حيث لا أحد يجهل ــ كما يقول نوبار باشا ــ أنه إلى عام 1834 كانت الاتصالات بين أوروبا والشرق الأقصى تتم عن طريق رأس الرجاء الصالح فقط، وفى هذه الفترة قام النقيب واجهون وهو أحد الضباط العاملين فى جيش الهند بقطع المسافة ما بين السويس والإسكندرية عدة مرات بالمراكب وعلى ظهر الجمال، كما سافر بين عدن والسويس على متن السفن العربية فى البحر الأحمر واقتنع بضرور تأسيس خدمة بريدية عبر مصر تضمن الاتصال المباشر بين بريطانيا والهند.

وكانت النتيجة قيام شركة إنجليزية باسم شركة «بينينسولير» التى أنشأت خطا ملاحيا بين ميناءى ساوثها مبون الإنجليزية والإسكندرية بالتنسيق مع سفن تقوم بالرحلة ما بين السويس وبومباى. وقد كانت لهذه الشركة الفضل فى عودة التجارة إلى الطريق القديمة المستخدمة منذ عهد البطالمة والرومان.

الخوف من السكك الحديدية:
وعن السكك الحديدية يذكر نوبار أن أوروبا فى عام 1849 قد أصيبت بحمى السكك الحديدية. وكان من الطبيعى إذن لتسهيل نقل البضائع عن طريق مصر أن تنشأ فكرة الربط بين السويس والإسكندرية عن طريق خط سكك حديدية وتتبلور فى عقول البعض. أما لبقية الأحداث، فلم تكن الفكرة جديدة. ففى أواخر عهد محمد على كان قد بدأ بالفعل الحديث بقوة عن مشروع للسكك الحديدية، بل أيضا كان الكلام قد بدأ عن قناة السويس. ويشرح نوبار أكثر أنه تذكر بهذا الخصوص أن مديرى الشركة الشرقية تقدموا بعد استشارة محمد على أو بعد تفاهم فيما بينهم: بمذكرة تولى نوبار ترجمتها كانت عن قناة السويس والمزايا المنتظرة عند افتتاحها التى تعود على التجارة بين أوروبا والشرق الأقصى، ويوضح: «لكن بعد ذلك قالوا لى، بل وقرأت فى مكان ما أن محمد على رفض فكرة القناة، لأنها ستكون مصدرا للخطر على أمن مصر وبقائها.

ويكمل نوبار: «وفى أثناء إقامتنا فى القسطنطينية مع عباس عام 1848 اتجهت النوايا إلى تأسيس خط للسكك الحديدية فى مصر، وكانت هذه إحدى النقاط التى أصبحت موضوع مشاورات بين رئيس وزراء تركيا وعباس. وحذر الصدر الأعظم عباس من أى تفكير فى خط حديدى. وأجهل بناء على أى استنتاج توصل الصدر الأعظم إلى أن أن وجود سكك الحديد معناه تسليم مصر إلى الاحتلال البريطانى.

أستطيع أن أفهم تحذير رشيد باشا له من إنشاء السكك الحديدية؛ لأنه كان يرى أن نمو حجم الترانزيت والعلاقات المصرية الأوروبية هى بداية لدخول أفكار جديدة إلى البلاد.. من ناحية أخرى فهى مجال لتدخل القوى العظمى فى شئون تركيا وهو التدخل الذى ازداد يوما بعد يوم بعد حروب محمد على وإعلان خط كلخانة فبدأ يُخيف الباب العالى بشكل جدى. كان رشيد إذن يمكن أن يكون على حق لأن أفكار ومعتقداته الإسلامية حول العزلة عن الغرب تجعله بالتأكيد على حق فى مثل هذا التفكير.

ثم يتطرق نوبار إلى تلخيص الموقف عند رحيله من القسطنطينية كالتالى: تقارب بين عباس والوزراء الأتراك مهد ليكونوا وسيلته للتخلص من أى شخص يُسبب له المتاعب. كانت الفكرة التى تدور فى ذهن عباس هى استغلال هذا التقارب ستارا يتخلص من ورائه من أشخاص آخرين غير سامى باشا ومن كل الذين كان يعتقد عداءهم سواء كان محقا أو مخطئا. وضع عباس داخل هذا التصنيف أعضاء عائلته الخاصة لا سيما من لا يُظهر منهم فروض الولاء والطاعة بشكل كامل كما كان يفعل مماليكه «الخاصة»، فى حين لم يكن هذا موقفه من أسرته هو.

غريزة السيد الكبير:
من يقرأ المذكرات يجد أن صاحبها كان هدفه إظهار الوجه الآخر لولاة مصر، فهو يكرر أكثر من مرة أن عباس كانت لديه غريزة السيد الكبير حيث يقول: «إن الاحتكار الذى أوجده محمد على أنهار بسبب هذه الاتفاقيات التجارية، لكنها ظلت لفترة تقاوم حتى بدأت بالتدريج فى الاندثار. فى المقابل، ترك عباس الفلاح حرا يبيع منتجات أرضه كما يحلو له، وكانت هذه هى نقطة الانطلاق لنهاية النظام الاقتصادى الذى كان قائما فى مصر على أن تجمع الحكومة فى يدها كل الأمور التى تخص التجارة والصناعة فى البلاد. لقد استطاع عباس بما لديه من غريزة السيد الكبير أن يُكوّن لنفسه رؤية صائبة ومعرفة تامة بتاريخ حكم جده وتبين مساوئ النظام الذى كان يسير عليه، لكن لم يكن مقدرا لهذا النظام أن ينتهى بشكل كامل إلا تحت حكم سعيد باشا خليفة عباس. لقد تنبهت إلى أننى عدت إلى الوراء وأننى أسُتدرجت إلى الحديث من جديد عن محمد على وأفكاره بخصوص التجارة والصناعة، وهى أفكار كانت تنتهجها عقلية غير مثقفة أوجدت الاحتكار والسيطرة على كل قطعة من قطع المصانع فى مصر. وفى الحقيقة لم تكن هذه الأفكار نتاج طريقة تفكير محمد على وحدها وإنما أيضا نتيجة الوسط الذى نشأ وعاش فيه حيث كان نظام الاحتكار هو السائد والمعمول به فى كل أنحاء الإمبراطورية العثمانية.

وخلال المذكرات نعرف أن الباب العالى لم يترك المساحة الكافية لعباس بل كان يريد التدخل المستمر بداعٍ أو بدون، خاصة فى محاولة إنشاء السكك الحديدية فضلا عن عداء فرنسا لعباس ولمشروع خط سكة الحديد الذى لم يعجبها إلى حد كبير مما جعل السيد «باروش» أحد وزراء الأمير الحاكم يقول: «إن خطكم الحديدى حربة موجهة لترشق بقسوة فى صدر فرنسا»، بل زاد الأمر: «سوف تتبدل كل محطة للقطارات شيئا فشيئا لتصبح مستعمرة إنجليزية».

ويختم نوبار باشا مذكراته حول عباس فيقول: «إن ذكريات عصر عباس دفعتنى إلى أن أتخطى حدودى التى حددتها لنفسى؛ لأن حكمه كان مأساويا، ولم يكن يمثل بالفعل واحدة من الخطوات الرئيسية فى تاريخ البلاد وتحول مصر فحسب، وإنما عرف أيضا بشكل سيئ أو ضئيل. وفُهمت شخصية عباس بشكل خاطئ لدى الأجيال الحالية. لقد تخلى التاريخ عن عباس تاركا فى الظل الحديث عن قدراته ومميزاته الرفيعة كإدارى له مبادئ ونظام فى الحكم والاقتصاد.. وفى غمار ذكرياتى أننى سعيد بأننى أرد لذكراه هذه الشهادة العادلة التى يستحقها وإن كانت متأخرة.. فقد كان عباس بحق يمثل آخر الولاة حسب مفهوم السلطة المطلقة».

سعيد العاطفى:
بعد ذلك بدأت ذاكرة نوبار باشا فى تسطير عهد سعيد الذى كان لا يرتاح له نوبار ويحاول مقارنته دائما بمن سبقوه، حيث يقول: «كانت مهمتى سهلة نسبيا عندما كنت أُخط انطباعاتى عن زمن الولاة الأوائل، لأن عملهم القوى والذكى لتطوير مصر تمت إدارته بالفعل بطريقة متطورة ومستمرة، لكن كل شىء اتخذ شكلا جديدا منذ الأيام الأولى لتولى سعيد الحكم، كل شىء سار سريعا وبشكل مفاجئ وكأننا نجلس فى مسرح نشاهد مشهدا يتغير داخل رواية خالية. كان الولاة يستلهمون ما هو مفيد من العنصر الأوروبى ولكنهم فى الوقت نفسه سيطروا عليه وأخضعوه لإرادتهم وظل الوالى هو السيد المطاع. لكن مع مرور الوقت غزت أوروبا مصر، وكان هذا الغزو يستمد قوته أحيانا من أذناب الحاشية الملتفة حول أمير شاب مفتون بالسلطة عاطفى غير مدرك، ولا يعى أن هذه الحاشية تدفعه وتُسيره وتُسيطر عليه، وقد اعتقد فى البداية أنه هو الذى يقودها ويسيطر عليها. وهكذا بدأت فصول الرواية الفوضوية أولا فى بلاط الوالى، ثم امتدت بقوة إلى إدارات الحكومة حتى وصلت بشكل أقل قوة لتنتشر بين صفوف الشعب. ومن الصعب أن أصف مدى ما حدث من تضارب فى الأفكار نتيجة هذه الفوضى، لكننى ربما أستطيع أن أبين لكم الأسباب التى أدت إلى هذا الوضع الذى كان أساسه شخصية الوالى الجديد وإن لم يكن هذا هو السبب الوحيد، لكنه كان شديد السطحية ويفتقر تماما إلى احترام الذات كليا محبا للمظاهر البراقة».
إذن نعرف أن نوبار باشا لم يكن يحترم سعيد بل رأه «شابا مفتونا بالسلطة عاطفيا غير مدرك». بل زاد فى القول: «مسكين سعيد؛ لولا المكابرة وافتقاده للحكمة، ولولا استدراجه إلى تغيير كل شىء والسير عكس الطريق الذى كان يسير فيه عباس ولو كان بكل ما أوتى من روح ونبل وتسامح قد احترم نفسه قليلا، لكانت فترة حكمه ستكون فى كل الأحوال خصبة لمصر تماما مثل خصوبة طمى النيل المبارك. لكننى وأنا أكتب هذه السطور أرى أمامى نهايته البائسة وقلبى يعتصر ألما لهذه الذكرى»
اكتتاب قناة السويس

وحسب كلمات نوبار لا نستغرب ونحن نقرأ فترة حكم سعيد التى شهدت تطورا هائلا لأحوال مصر والمصريين، ومنها يذكر نوبار اكتتاب قناة السويس: «مثل المسيو دى ليسبس عنصرا للقلق دفعته مصلحته بصفة عامة للسير فى هذا الطريق. فشركة قناة السويس لم تكن قد تكونت بعد، وكان لابد من توفير المال للقيام بالدراسات الأولية، كذلك القيام بالدعاية اللازمة لاجتذاب رأس المال اللازم لتنفيذ المشروع. تبرع سعيد بهذا المبلغ كما تبرع أيضا بالمبلغ اللازم ليكون رأسمال لتأسيس المشروع.. ولأن الصيد لا يكون ممكنا إلا فى المياه العكرة، فكان لابد من أن تقوم بعض الأيدى الخفية بالمساعدة على تعكير الماء بطريقة غير مباشرة ولكن فعالة، ولن أذكر سوى حدث واحد يبرهن على هذا، روى لى أحداثه القنصل العام الفرنسى بنفسه بعد مضى كثير من الأعوام، وهو كالآتى: طرح المسيو دى ليسبس أسهما للاكتتاب فى لندن وباريس وبرلين وفينا وفى بقية عواصم العالم، ولأن القناة مشروع عالمى فكان لابد من أن يكون الاكتتاب كذلك أيضا.

ومن مجموع مائتى مليون فرنك كانت مطلوبة لتنفيذ المشروع تم الحصول على مائة واثنى عشر مليون فرنك فقط وفشلت حملة الاكتتاب، لكن المسيو دى ليسبس أكد أنها تسير بشكل رائع وأعلن عن مسئوليته، وبمبادرة شخصية منه ودون استشارة الوالى أنه اكتتب مبلع الثمانية والثمانين مليون فرنك الباقية باسم سعيد ثم عاد إلى مصر سعيدا ومبتسما بما فعل،لأنه كما ذكر يتصرف بصفته وكيلا للوالى.

ويكمل نوبار قوله عن قناة السويس فيقول: «تم بذلك التوصل إلى تأسيس الشركة، لكن هل كان تأسيس الشركة قانونيا؟، بالتأكيد لا؛ لأن المسيو دى ليسبس بوصفه رئيسا لمجلس الإدارة والوالى بوصفه مساهما، لم يكن لهما حق التوقيع على اتفاقية تجعل من الحكومة المصرية مساهما بشكل لا يتفق مع اللوائح والقوانين والشرعية الدولية من أجل أن تدفع ثمن الأسهم. لكن منْ كان يهتم؟ فالوالى لم يكن يبحث إلا عن التخلص من مأزق دى ليسبس الذى لم يكن يبغى سوى المال لكى يمضى قدما فى المشروع.

الكل رئيس إلا أنا:
وبذلك لم يؤيد نوبار باشا مشروع القناة ولا القائمين عليه وبالذات دى ليسبس، وعاب على سعيد اهتمامه بالجيش فقط. وفى الوقت نفسه انتقد سطوة الأجانب فى عهده. كما رصد نوبار مساوئ الامتيازات الاجنبية، خاصة الشق المتعلق بالقضاء القنصلى، وتلك الأحكام التى صدرت ضد الأهالى وكذلك الحكومة.

ويتضح من المذكرات أن نوبار باشا كان ضد السخرة ويعتبرها أمرا رهيبا، لذلك كان يرفضها بشدة، وهذا يظهر من خطابه إلى السيد روس كبير المهندسين الذى طلب من نوبار عمال السخرة لإصلاح عطل خط مزدوج أنشئ حديثا بين دمنهور وكفر الزيات، وجاء فى الخطاب: «لقد طلبتم منى أربعة ألاف رجل سخرة من أجل إصلاح الخط، وأنتم تعلمون تماما مشاعرى حيال طبيعة هذا النوع من العمل، لقد أصلح كل من السيد مايش والسيد جازاجاس الخط بمجرد الاستعانة بعمال الصيانة العاديين؛ لذا أرجو أن تعتبروا أنفسكم ليس أهلا للبقاء بعد ذلك فى خدمة الإدارة».

وعن ذات فترة توليه إدارة السكك الحديدية يوضح نوبار باشا: «كان كل واحد منهم يحسب نفسه الرئيس ويتصرف على هواه. كما أن الجالية الأوروبية المتشبعة بهذه المشاعر كانت تتخيل أن سكك الحديد مؤسسة تم إنشاؤها من أجلهم ومن أجل مصالحهم فقط. كان القليل منهم فقط يدفع ثمن كرسيه بل إن القناصل كانوا هم أول من لا يدفعون، وصاروا مثلا يحتذى به. وعلى رغم قلة الموارد حجزت لهم دواوين «كبائن القطارات» بأسمائهم. باختصار وكما كان الوالى يقول:«الكل فى سكك الحديد يأمر، الكل رئيس إلا أنا». وكان فى ذلك القول أمر إيجابى، على أى حال، حيث توصل على الأقل لمعرفة الموقف. لكن منْ المخطئ؟».

من يقرأ المذكرات يعرف أن المخطئ كان هو الوالى سعيد الذى توفى ودفن بطريقة لا تليق، يصف ذلك نوبار: «فى المساء قال لى الأطباء: إنه لم يعد هناك أى أمل.. وصعد أحد الأطباء إلى الوالى ثم نزل ليخبر زملاءه بحالة المريض التى كانت سكرات الموت قد بدأت تنتابه.. وبعد قليل أخبرونا أن سعيد لفظ أنفاسه الأخيرة فى يناير 1863. تجمع كل الموظفين وكتبوا تلغرافا لإسماعيل الذى كان حينذاك فى القاهرة يسألونه التعليمات ويخبرونه بالحدث. أجاب الوالى الجديد بدعوتهم جميعا للحضور إلى القاهرة. تهافت الجميع على أول قطار يغادر إلى القاهرة وهرعوا للذهاب دون ترك أى أوامر أو اتخاذ أى إجراءات بخصوص مراسم الدفن. ولا أعلم كيف تم الدفن؛ لأن الجميع سافر إلى القاهرة، وعلمت بعد ذلك من محافظ الإسكندرية أنه كان على رأس الجنازة التى لم يشترك فيها أحد الموظفين. لقد صاحب النسيان واللامبالاة الكاملة سعيدا إلى القبر، وعلمت أيضا فيما بعد أن جثمانه دفن فى مسجد النبى دانيال».

وبذلك يختتم نوبار حديثه عن سعيد ليبدأ مذكراته عن الخديو إسماعيل

يتبع الجزء الثالث والأخير ...

بعد أن عرضنا فى الحلقتين السابقتين مذكرات نوبار باشا أول رئيس وزراء لمصر عن محمد على وإبراهيم باشا وعباس وسعيد، وأصابنا الانبهار والدهشة من مستوى تلك المذكرات ــ خاصة الترجمة العربية الكاملة للمذكرات الصادرة حديثا عن دار الشروق ــ التى سطرها رجل سياسى وثقافى من الدرجة الأولى، نجىء اليوم لعرض مذكراته عن الخديو إسماعيل الذى أخذ النصيب الأكبر من المذكرات، ففترة إسماعيل هى الجزء الحقيقى والأهم من المذكرات، وهو ما أكده المفكر الكبير ميريت بطرس غالى فى ملاحظاته على المذكرات، وهو ما أكدته أيضا الدكتورة لطيفة سالم فى دراستها «استدعاء الماضى»، إذ تقول: «إن إسماعيل يستحوذ على خمسة وعشرين فصلا.. وبديهى أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها أن تلك الفترة قد تم فيها صياغة المشروع التحديثى، وأن نوبار قد بلغ مرحلة من النضج والخبرة مما كان له الأثر فى إسهامه بدور فعال فى توجيه الأحداث».

ولابد لنا أن نعرف أن وضع نوبار مع إسماعيل (1863ــ 1879) لم يختل؛ فمنذ البداية راح الوالى يستشيره، ليس هذا فقط، وإنما رأى فيه المعبر عن أفكاره، والأداة المنفذة لها. ومن هنا وجد صاحب المذكرات ــ حسب دراسة «استدعاء الماضى» ــ أن الفرصة قد حانت ليترجم الإصلاح المنشود كما يراه. ومضت مهامه الصعبة تأخذ سبلها. فعندما تعقدت مسألة قناة السويس، حاول معالجتها، لكنه لم يحصد النقاط لصالحه كما أراد، وحين صدر التحكيم وجده ظالما وانتقده. وسعى فى الحصول على المميزات التى ترفع من شأن مصر، وتمثلت فى الفرمانات المتتالية لإسماعيل. وأقلقته مسألة السخرة، وتأزم من استخدامها فى كثير من الأعمال، ولمسها عن قرب عندما تولى إدارة سكة الحديد، حيث عايش بؤس الفلاحين الذى سُخروا وتركوا زراعاتهم وهجروها، وكانوا فى الوقت نفسه مطالبين بدفع الضرائب. وأترك الآن المساحة لنوبار باشا ليحدثنا عن الخديو إسماعيل المثير للجدل والحيرة، على أن نطرح بعض الأسئلة الملحة حول نوبار باشا ومذكراته فى نهاية هذه الحلقة.

إسماعيل البقال:
بدأ نوبار مذكراته عن الخديو إسماعيل بقوله: «كنت بالكاد أعرف الوالى الجديد لأن العلاقة كانت نادرة بين الأمراء والموظفين، حيث كان هناك كثير من التحفظ فى العلاقات ما بين الطرفين. ويمكننى القول: إنه كان من الضرورى أن يكون الأمر كذلك. كنا نعرف فقط أن إسماعيل يقتصر اهتمامه الجاد على أراضيه ومزارعه التى اتسعت مساحتها وامتدت. كما اقتصرت علاقاته مع الأوروبيين على بيع منتجات أراضيه لهم وتبادل بعض الأعمال معهم، وكان الجميع يتحدثون عما يسود دائرته من نظام. صحيح أن «سعيد» كان يعامل إسماعيل كأنه بقال وكان يقول دائما: «سوف تفتقدوننى عندما يصبح واليا عليكم». لكن «سعيد» أيضا كانت له طرائف كثيرة منها أنه كان لا يبالى بالمالية أو الاقتصاد فى الدولة ويرى أنها عمل لا يليق بأمير بل عمل يصلح فقط من أجل الموظفين. كان من الطبيعى إذن أن يتفوه بمثل هذه الكلمات التى تعبر عن الازدراء عندما يتحدث عن هؤلاء الذين كان من الممكن أن تكون لديهم مثل هذه الاهتمامات التى كانت مصر بالتحديد فى حاجة إليها.

عندما سافرت إلى القاهرة لتقديم فروض الولاء والطاعة للوالى الجديد مساء نفس اليوم الذى تسلم فيه السلطة، صرح لى إسماعيل عن فكرة كانت تراوده منذ عهد سعيد ألا وهى تقسيم الأزبكية وبيعها. كانت الأزبكية حديقة كبيرة فى القاهرة أصلها بحيرة قديمة تم تجفيفها وحمايتها من مياه الفيضان، وكان تصطف على جانبيها الأشجار الرائعة التى زرعها محمد على. كانت جموع غفيرة من الشعب تتجمع فى هذه الحديقة مساء كل يوم لتتنزه وتشرب القهوة أو البوظة على أنغام الموسيقى الشرقية التى قد تكون بالنسبة للأذن الأوروبية نشازا لكنها مع تأثير القهوة والبوظة والأشجار تحت سماء القاهرة بنجومها كانت تعكس دائما الجو الشرقى فى مشهد حالم يأخذ بالألباب بعيدا عن الواقع، وكلها أمور لا يستطيع أن يفهمها سوى هؤلاء الذين يحسون مثل هذا البهاء والسحر.

أمر غريب:
ولأن نوبار ــ الذى بدا واضحا ثقل خبرته ونضجه السياسى أيام إسماعيل ــ كان يضع أمنيات وتصرفات إسماعيل تحت المنظار دائما، لذلك نلاحظ قوة التعليقات ودوام التساؤل حول الخديو، وهذا يتضح فى تعليقات نوبار على اقتراح إسماعيل بيع حديقة الأزبكية، إذ يقول: «بدت لى فكرة قطع الأشجار التى زرعها محمد على وراقب نموها بكل حب لتحل محلها العمائر والمنازل القبيحة من أجل جمع المال وهذا كان أمرا غريبا لم يكن من الممكن توقعه. لم أرد على إسماعيل بشىء، لكننى لم أستطع أن أمنع نفسى من التساؤل: هل كان من حقه أن يقسم ويعرض للبيع حديقة عامة ومكانا للترويح عن شعب بأكمله؟ حقيقى لم يكن فى نفسى شىء أقوله، لكن أصحاب المنازل التى كانت تحيط بالحديقة ألم يكن من حقهم فى هذه الحالة أن يشكوا ويطالبوا بالتعويضات ضد هذا الإجراء الذى من شأنه أن يضيع قيمة منازلهم التى تطل على الحديقة؟ وعلى الرغم من أنه لم يكن قد مضى على وصول إسماعيل إلى الحكم عدة ساعات فقط، فإنه بدا لى أنه كان مشغولا بعدة أمور أخرى».

الوظيفة أفضل من الأرض:
عن تلك الأمور الأخرى يذكر نوبار أن هذه الأمور التى شغلت إسماعيل كانت تتعلق بحالة الموظفين الذين نالوا مخصصات من الأراضى بدلا من المعاش. ويستفيض نوبار حول هذه النقطة فيؤكد: «كان إسماعيل يجهل أننى كنت من أشار بهذه الفكرة على سعيد. كان معظم الموظفين سعداء بوضعهم الجديد، فبدلا من معاش كان يصرف لهم بصفة غير منتظمة، أصبحت لديهم أراضٍ بإمكانهم التعيش منها. صحيح أن بعضا منهم كان غير مستريح لهذا القرار؛ لأن الأرض التى خُصصت له بعد التقسيم لم تكن تربتها جيدة، إلا أن هذا الأمر كان ينطبق على قلة منهم. تحدث إسماعيل معى عن الموظفين جميعا بوصفهم ضحايا قرار فردى، وقال لى إنه ينوى تصحيح هذا الظلم الواقع عليهم بشكل نهائى بقرار إعادتهم جميعا إلى الخدمة وإعطائهم وظائف فى الإدارات، وبالتالى وفى ظل هذه القرارات، كان يجب إعادة الأراضى التى تملكوها إلى الحكومة. اعتقدت فى البداية ومن الطريقة التى عرض بها المسألة أنه مهتم بالموظفين بحق لأننى كنت قد عرفت المصريين بما فيه الكفاية كى أعلم أن جميع الموظفين ستكون فرحتهم كبيرة بعودتهم إلى الخدمة حتى لو كان هذا معناه ترك أراضيهم.

إن المصرى بطبعه موظفا، بل إن الوظيفة تمثل بالنسبة له السلطة، وكنت فى ذلك الوقت أعرف عضوا فى أسرة أحد العمد كان مستعدا أن يقبل بكل ترحاب أن يبادل مركزه كعمدة منتظر ويضحى بجزء من ثروته كى يشتغل فى خدمة الحكومة ويحصل على وظيفة حتى لو كانت صغيرة، لكنها ستسمح له بتوسيع نفوذه وتأثيره بشكل أوسع عما كانت عليه فى قريته الصغيرة. كنت حينذاك بعيدا جدا عن توقع ما كان إسماعيل يخفى من وراء هذا القرار. وسرعان ما تبينت كل شىء عندما بدأ التنفيذ بعد عودتنا من القسطنطينية حيث أعيد بعض الذين كانوا قد أحيلوا إلى المعاش أو على الأقل هؤلاء الذين كانوا يتمتعون برضاه وحمايته. أما باقى الموظفين فلم يتكلم أحد عنهم، وأعيدت الأراضى السيئة إلى الحكومة أما الجيد منها فتم ضمها إلى خاصة الوالى الذى وسع بذلك من ممتلكاته على حساب الموظفين.

تفاصيل مهمة:
وحتى يوضح نوبار للقارئ السبب فى سرد كل هذه التفاصيل، يقول: «هذه التفاصيل لها أهميتها لمعرفة من الذى فى النهاية كان سببا فى تحول مصر، هل تصرفات محمد على وطريقته فى التفكير هما اللتان جلبتا على مصر هذا الخلط فى الأفكار ووضعتنا فى موقف نعانى الآن من أجل الخروج منه؟ أم شخصية سعيد وأسلوبه هما اللذان قلبا الأوضاع فى مصر رأسا على عقب؟ أم شخصية إسماعيل ونهجه فى الإدارة؟ إن هذه التفاصيل الصغيرة والأحداث التى بالنسبة لكثيرين تُعدّ لا أهمية لها مثلت بالنسبة لى المؤشر الذى يمزج بين الرجال وشخصياتهم وتساعد على فهم تكوينهم. لذا فإن مثل هذه الأحداث ظلت محفورة فى ذاكرتى بشكل أعمق من غيرها التى من الممكن أن تمثل أهمية أكبر نسبيا.

وفى سياق نفس هذا الترتيب فى الأفكار، تذكر نوبار حدثا خطر على باله، ففى اليوم التالى لولايته، أرسل إسماعيل فى طلبه، وكانت الساعة العاشرة والنصف صباحا وقال له: «فى خلال نصف ساعة، سوف أستقبل أعضاء الهيئة الدبلوماسية. أعد لى خطبة قصيرة. قال هذا وأخذنى من يدى بمودة زائدة وذهب بى إلى صالون صغير يمكن القول إنه كان حجرة للعمل لأن المكتب كان عليه حبار جف الحبر الذى بداخله. لم أكن قد تمكنت بعد من إدراك الموقف، حفل استقبال قنصلى؟ لم يكن هذا أبدا من تقاليدنا ولا عاداتنا. كان القناصل حتى فى عهد سعيد لا تتم دعوتهم فى شكل هيئة، بل كان قنصل يذهب إلى القصر بصفته الشخصية من أجل تقديم التهنئة للوالى».

ويضيف نوبار: «يبدو أن الأبهة وتقاليد المراسم المتبعة فى قصور أوروبا استهوت إسماعيل، كنت وسط كل هذه التساؤلات أنتظر منه أن يعطنى فكرة من أجل الخطبة أو حتى يشير إليها بوجه عام. ولا كلمة قالها لى ويبدو أنه كان بهذا يعنى أنه علىّ أنا كتابة الأفكار وصياغتها. فلم يكن يعرف إلا أن فى مثل هذه المناسبات كان حكام أوروبا يلقون بكلمة أمام الهيئات القنصلية وكان يريد أن يلقى هو أيضا خطبة خاصة به. كتبت ما خطر على بالى ولم تكن سوى تعبير عما يدور فى ذهنى دون أن أشعر تكلمت عن رغبته الأكيدة فى القضاء على السخرة وإعطاء العلاقات بين الأهالى والأجانب الأولوية وتوفير أرضية أكثر جاذبية لها. وإلى جانب هاتين الفكرتين كتبت بعض العبارات المعتادة عن الاقتصاد ونظام المصروفات، وكتبت عن فكرة جديدة كانت تتردد فى تلك الأيام بشأن إصدار قانون مدنى جديد، ثم كتبت عن تطوير التعليم. كنت أنتظر منه أن يستوضح عن بعض النقاط أو يسألنى أن أشرح له نقطة ما لكن لم يحدث شىء من هذا»

طريقة فى الإقناع:
بعد ذلك ينتقل نوبار إلى نقاط أكثر سخونة ــ يكون فيها نوبار صانع الأحداث وليس مجرد سامع أو رائى ــ وهى التى تتعلق بتوجه إسماعيل من أجل الحصول على فرمان الوراثة على الولاية إلى القسطنطينية وذهاب نوبار لفرنسا لمنع اعتراضها على ذلك وبالفعل صدر الفرمان، فضلا عن مجهودات نوبار لموافقة الدول صاحبة الامتيازات على إقامة نظام قضائى مختلط، يقتصر نظره على القضايا المدنية والتجارية بين المصريين والأجانب وبين الأجانب المختلفى الجنسية، وتحدّدت نسبة القضاة الأجانب فى المحاكم. وحاول وقتها الخديو عرقلة المشروع، لكن نوبار أحبط تخطيطه، ومن الملفت للنظر ــ كما تذكر د.لطيفة سالم ــ أنه بعد أن كان يتخذ أى إجراء يخبر الخديو حتى يضعه أمام الأمر الواقع.

ثم تتحول الأحداث حتى يبعد الخديو إسماعيل نوبار عن مصر لأنه أصبح يشكل عقبة أمام الخديو، وطلب منه مغادرة مصر وألا يعود إليها، فسافر إلى فرنسا ومكث بها فترة، تضخمت خلالها الأزمة المالية ــ يذكر أنه تم بيع أسهم الخديو إسماعيل فى القناة للحكومة البريطانية ــ وتتابعت شدة الإجراءات الأجنبية، وعندئذ احتاج إسماعيل إلى نوبار، فطلب منع العودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتبنى صاحب المذكرات اقتراح تأسيس نظارة مسئولة، ولم يجد مانعا، كما تؤكد سالم، من أن ينضم إليها خبيران إنجليزى وفرنسى، وضغط على الخديو ليوافق؛ لأن معنى وجود مجلس نظار له اختصاصاته هو سحب سلطات منه. وكانت لنوبار طريقة إقناع فى تعامله مع الدولة العثمانية وولاة مصر، ارتكزت فى أحيان كثيرة على مس الوتر الإسلامى.. فمثلا يتحدث مع إسماعيل عن الشورى فى الإسلام، وأنه سوف يحكم مع مجلس النظار ومن خلاله، والنتيجة أنه شكّله فى 28 أغسطس 1878.

كانت دائما الرقابة:
وفى سطور المذكرات الأخيرة يؤكد نوبار: «كنت أريد تغيير الرقابة الأجنبية التى فرضتها علينا القوى العظمى بإدارة أخرى نخضع لها بأنفسنا، جعلت المراقبين وزيرين، كنت أريد وزراء مصريين ولكنهم فرضوا علىّ الأجانب. كانت دائما الرقابة، دائما حكومتان تحكمان حكومة ثالثة وهذه ليست فكرتى التى فشلت وإنما هى فكرة الحكومة الفرنسية. أعتقد أننى انتهيت هكذا من مسألة كتابة ما يتعلق بحياتى العملية ويتبقى لى بعد ذلك أن أكتب بعض الأشياء؛ ردا على تلغراف أرسله ولسون، أصرت الحكومة البريطانية وتبعتها الحكومة الفرنسية إلى إعادتى لمنصب رئيس مجلس النظار، وفهم ولسون وبخاصة دى بلينيير أخيرا أننى أنا من كنت أقف حائلا بينهم وبين الوالى وبرحيلى كانوا سيجدون أنفسهم وجها لوجه مع سموه، لكن هذا الأمر لم يعنهم. رفض الخديو بشكل قاطع إعادتى وينحاز فيفيان وجودو إلى صفه وحدث تغيير إدارى، ولم يحصل الوالى على الرئاسة التى كان يزعم أنه يريد ممارستها؛ لأنها أعطيت إلى ابنه الكبير ولى العهد الأمير توفيق».

ويكمل نوبار: «كنت دائما أبحث عن معرفة علاقة الوالى بالضباط والمشاعر التى أثارت حفيظتهم ــ يقصد قرار تسريح أعداد من ضباط الجيش بلغت 2500 ضابط لضغط المصروفات ــ لم أستطع التوصل أبدا إلى معرفة الأمر تماما. عموما أعتقد أن المشاعر كانت دائما أقوى ضد الوزيرين الأجنبيين اللذين استفادا من الدائنين الأوروبيين وحرما الضباط وأسرهم من القليل من الموارد التى كانت تسد رمقهم، لكننى لاحظت أيضا أن من بينهم مجموعة بل أستطيع القول جماعة كانت تتهم الوالى بصفته السبب الأول والرئيسى لما يحدث من سوء. ويهيأ لى أن الوالى كان يشعر بهذه الأحاسيس المناهضة له، لكنه كان يحتفظ بكبريائه».

ويأتى قلم نوبار ليسجل الختام الذى يعكس قلقه على مستقبل مصر السياسى، طارحا عدة أسئلة: هل ستظل الحالة الراهنة إلى الأبد؟ أم أنها ستكون مجرد حالة مؤقتة؟

هل ستخضع مصر أو تُحتل كما فى الماضى بواسطة قوى أجنبية وسلالات أجنبية دائما ما انتهى بها الحال بأن تحتويها مصر؟. ويجيب نوبار قائلا: «لا أعلم.. لكن ما أعرفه هو أن مصر أصبحت أكثر من أى وقت مضى ضمن هذه المجموعة من الأمور التى اتفق الجميع على تسميتها «المسألة الشرقية»، كما رأى نوبار أن مصر مغلوبة على أمرها، ويشيد بشعبها، لكنه يشبهه بالطفل الوديع الذى يتحول فى لحظة إلى طفل مشاغب، ويُبين كيف استغل الغزاة هذا الشعب منذ القدم، ويُلوّح بما يفهم منه بأن الله على كل شىء قدير، أى بيده الخلاص. وهنا لاحظت الدكتورة لطيفة أن هناك لمسات دينية أسبغها نوبار على ما كتبه بين الحين والآخر، بما يعنى أن الله يلهمه الصواب ويسدد خطاه ويجعل له مخرجا

أسئلة بعد القراءة:
والآن وبعد هذه القراءات من صفحات المذكرات هناك علامات استفهام تفرض نفسها مثل: هل كان نوبار ذلك الرجل الذى أحب مصر وكان يعمل على مصلحتها؟ وهل هذه الصورة الوردية عنه والتى رسمتها مذكراته قد اسُتخدمت فيها اللمسات الناعمة؟

تقول د. لطيفة سالم: «من خلال قراءات تاريخ العصر، نخرج منها بأن شخصية نوبار التصقت بها السلبيات، بخاصة أن فترة إسهاماته فى الحياة السياسية تُمثل ذروة التدخل الأجنبى فى شئون مصر، وكما هو معلوم انتهى بالاحتلال البريطانى لها الذى عمل معه نوبار نحو خمس سنوات. والواقع أن شخصيته ارتبطت فى الخطاب الوطنى بأنه المعبر عن المصالح الإنجليزية، وعندما قامت الثورة الوطنية المعروفة بالعرابية (1881ــ 1882) أسقطته من حساباتها تماما، واختارت شريف على أساس أنه من الأتراك الدستوريين. ولكن يجب أن يوضع فى الاعتبار أثناء محاولة الكشف عن الجانب الآخر من الشخصية ضرورة المعايشة الكاملة لها فى ضوء الظروف المحيطة بها وفى ظل ملابسات الفترة الزمنية». وذكرت الدكتورة القديرة لطيفة سالم ملاحظات مهمة حول نوبار نورد هنا بعضها مما تسمح له المساحة:
ــ على رغم مما أقدم عليه محمد على بشأن جعل مصر دولة مدنية، مما انعكس على مسيحيى مصر، فإن الاتجاه الإسلامى الذى كاد يسود المجتمع جعل ظهور شخصية نوبار المسيحى والأرمنى لا تلقى القبول، مع أنه قد أطلق عليه لقب «أبوالفلاح» نظرا لتعاطفه معه إزاء ما كان يعانيه من الضرائب والسخرة، وذلك الغبن الذى وقع عليه نتيجة أحكام المحاكم القنصلية الجائرة. وهنا من الضرورى مراعاة شعور الانتماء للدولة العثمانية فيما يتعلق بمسألة الخلافة الإسلامية من ناحية، وعلاقتها السيئة بالأرمن من ناحية أخرى، وقد انعكس ذلك على المصريين عندما أمسك نوبار بزمام مناصب مهمة. حقيقة إن مصر مثلت بوتقة انصهرت فيها العناصر المختلفة، ولكن لابد من الإشارة إلى أن هناك استثناء تمثّل فى أولئك الذين شكلوا قوة اجتماعية تربعت على قمة السلم الاجتماعى وأغلقت على نفسها، وعملت من أجل مصالحها؛ وذلك لا ينطبق على من هم أدنى منهم الذين امتزجوا بالمجتمع.

ــ لقد كان لنوبار رؤية نبعت من تكوينه وثقافته ومهامه داخل مصر وخارجها مما أكسبه الخبرات، ومن أحوال المجتمع التى درسها جيدا، وتوصل إلى أن مصر لم تزل فى مرحلة الطفولة التى لا تستطيع معها أن تكون دولة مستقلة.. وهو لا يعارض السيادة العثمانية عليها، وفى الوقت ذاته فقد رغب فى أن يتم ذلك دون تبعات مالية باهظة. ونظرا لمعارضته سلطة الحاكم الأوتقراطية التى عدها بيت الداء، رأى العلاج فى سلطة أجنبية تسقط الاستبدادية وتضبط الحكم، وتوّسم فيها خيرا، لكنه أدرك أخيرا أنها لم تكن كذلك.

ــ عندما قبل نوبار التعاون مع سلطات الاحتلال، وأصبح رئيسا لمجلس النظار، أصر على ألا تكون هناك عناصر أجنبية فى نظارته، حيث استرجع ما سبق أن حدث له، كما أنه دخل فى مصادمات مع المسئولين الإنجليز لرغبته فى الحد من توغلهم فى الإدارة، مما تسبب فى الاستغناء عنه.. معنى هذا أنه لم يعارض الاحتلال، ولكنه أراد أن تكون له حرية التصرف فى إدارة نظارته، ولم تكن مسألة الاعتماد على المصريين بجديدة عليه، إذ آمن بضرورة تدريبهم على مختلف الأعمال التى يشغلها الأجانب.

أسباب وختام:
وفى الختام يجب أن نذكر أن مذكرات نوبار باشا رغم أهميتها البالغة لم تترجم كاملة إلى العربية وإن كان قد تعرض لها بشكل مختصر د. أحمد عبدالرحيم مصطفى فى كتابه «عصر حككيان»، وكتاب «نوبار فى مصر» لنبيل زكى الذى قام بعرض المذكرات مستخدما طريقة الاختزال واللقطات السريعة على حد وصف د.لطيفة سالم.

ويجب الإشارة إلى أن مكتبة لبنان فى بيروت نشرت المذكرات عام 1983 ولكن باللغة الفرنسية التى كتب بها نوبار باشا وأرفقت معها مقدمة طويلة للمفكر ميريت بطرس غالى أوضح فيها أسباب تأخير نشر المذكرات بلغتها الأصلية كل هذه المدة منها أن نوبار كان يرغب فى نشر ما يرتبط منها بمحمد على وعباس الأول وسعيد، لكن الجزء الخاص بالخديو إسماعيل كان من الصعب نشره، فضلا عن أنه لم يرغب فى أن تُجزأ الخطابات والمذكرات، وانتهى الأمر بأنه وكل مهمة نشرها إلى ورثته، وبعد ربع قرن من كتابتها رأى الملك فؤاد أن الوقت لم يحن بعد لنشر هذه المذكرات، وكانت رغبة عدم النشر محل احترام أبناء وأحفاد نوبار. وأشار ميريت غالى إلى أنه بعد ثورة 1952 رأى أحفاد نوبار أن من السابق لأوانه الإسراع فى نشر هذه المذكرات، فمثل هذا الأمر سوف يعطى انطباعا بأن عائلة نوبار انضمت إلى قلب الانتقادات الموجهة إلى الأسرة الحاكمة المخلوعة.

ولكن اليوم المذكرات بين أيدينا مترجمة إلى العربية بالكامل لنتعلم منها ونعرف انطباعات أول رئيس وزراء لمصر عن ولاة مصر والمصريين.

الأربعاء، 3 مارس 2010

في حضرة نجيب محفوظ .. فول وطعمية وبصارة - بقلم: محيي الدين إبراهيم

في عام 2005 كنا نحتفل بعيد ميلاد نجيب محفوظ وكنت وقتها من احدث الاعضاء الذين يجلسون في صالونه الذي ربطني به الاستاذ توفيق حنا أحد أهم أصدقاء نجيب محفوظ. يبتسم نجيب محفوظ وهو يقول: لو كانت جائزة نوبل في حياة طه حسين ما كنت خرجت من بيتي ولا كنت تسلمتها، ثم يتذكر مداعباً: حين تقدمت في عام 1930م للدراسة في كلية الآداب، اخترت قسم الفلسفة، كان الدكتور طه حسين هو عميد الكلية، كان يستقبل الطلاب الجدد بنفسه، ليتأكد هل أحسنوا الاختيار بدخولهم الأقسام التي اختاروها في الكلية أم لا ؟ وجاء دوري وسألني طه حسين عن سبب اختياري لقسم الفلسفة ، فأخذت أعبر له عن رأيي في أسباب اختياري لقسم الفلسفة وأهميته و.. و.. و.. ، عندئذ قال لي د. طه حسين مداعبا، إنك حقا تصلح لدخول قسم الفلسفة، فكلامك كثير وغير مفهوم، !!

في حضرة نجيب محفوظ .. فول وطعمية وبصارة

بقلم: محيي الدين إبراهيم
صحت بفرح: "الشباب يبحث عن المغامرة والشيخوخة تنشد السلامة يا استاذ "نجيب"، كنت أعلم أن "نجيب محفوظ" ثقيل السمع ولكننا فوجئنا به جميعاً يرد بكلمة واحدة: ميرامار وهنا صفق الجميع إذ أدهشهم أنه سمع الجملة وأجاب عليها دون أن ينقلها له أحدهم بصوت مرتفع، ثم أدار لنا وجهه بجديه شديدة ووجدناه يقول:

في عام 2005 كنا نحتفل بعيد ميلاد نجيب محفوظ وكنت وقتها من احدث الاعضاء الذين يجلسون في صالونه الذي ربطني به الاستاذ توفيق حنا أحد أهم أصدقاء نجيب محفوظ.
يبتسم نجيب محفوظ وهو يقول: لو كانت جائزة نوبل في حياة طه حسين ما كنت خرجت من بيتي ولا كنت تسلمتها، ثم يتذكر مداعباً: حين تقدمت في عام 1930م للدراسة في كلية الآداب، اخترت قسم الفلسفة، كان الدكتور طه حسين هو عميد الكلية، كان يستقبل الطلاب الجدد بنفسه، ليتأكد هل أحسنوا الاختيار بدخولهم الأقسام التي اختاروها في الكلية أم لا ؟ وجاء دوري وسألني طه حسين عن سبب اختياري لقسم الفلسفة ، فأخذت أعبر له عن رأيي في أسباب اختياري لقسم الفلسفة وأهميته و.. و.. و.. ، عندئذ قال لي د. طه حسين مداعبا، إنك حقا تصلح لدخول قسم الفلسفة، فكلامك كثير وغير مفهوم، ثم يضحك نجيب وكأنه يشير لشلة الحرافيش التي تحيط به أن يبدؤون بالمشاغبة وبالفعل بدأوا المشاغبة حتى حان وقت العشاء، فول، بصارة، طحينة، زيتون مخلل، عيش، باذنجان مخلل، طعمية، شوربة عدس، هكذا كان يعشق نجيب محفوظ هذا الجو الشعبي ، كان لا يأكل إلا بأمر الطبيب، ومن ثم لم يأكل معنا ولكنه كان يستمتع كثيراً بمشاهدة تلك الأطعمة الشعبية المصرية أمامه وأن يستنشق رائحتها التي شبهها يوماً وكأنها النيل حينما تطالعك صفحة مياهه الحكيمة المقدسة، فيذهب عنك الاكتئاب، لم أكن أتخيل أن ينتاب هذا الإحساس الرفيع أي إنسان من رائحة الفول والطعمية والبصارة فما بالي وقد انتابت هذه الأحاسيس نجيب محفوظ !! ، مسألة مدهشة حقاً.
قال له " الغيطاني" وهو يداعبه: إذن فهي الشيخوخة التي تمنعك من الطعام يا أستاذ نجيب، وليست حجة الطبيب، فرد محفوظ : الشيخوخة تنشد السلامة يا "جمال" وهنا دفعتني كلمته إلى جملة قالها في أحدى رواياته فصحت بفرح: "الشباب يبحث عن المغامرة والشيخوخة تنشد السلامة يا استاذ "نجيب"، كنت أعلم أن "نجيب محفوظ" ثقيل السمع ولكننا فوجئنا به جميعاً يرد بكلمة واحدة: ميرامار وهنا صفق الجميع إذ أدهشهم أنه سمع الجملة وأجاب عليها دون أن ينقلها له أحدهم بصوت مرتفع، ثم أدار لنا وجهه بجديه شديدة ووجدناه يقول: "ما جدوى الندم بعد الثمانين.."، وكأنه بهذه الجملة يرثي حاله وربما يلخص رواية ميرامار بأكملها، لحظتها ساورني الفضول مرة أخرى بسؤاله: قرأنا كثيرا أن بسبب رواية ميرامار كان سيعتقلك عبد الناصر فهل هذا صحيح؟ انتابته لحظة تأمل كأنه ينبش في الماضي تلاها بضحكة مشاغبة ثم قال: لم تكن ميرامار ولكنها ثرثرة فوق النيل، قرأها المشير عبد الحكيم عامر فقرر اتخاذ شيء ضدي، لقد تصور انها رواية ضد الحكومة والنظام وعبد الناصر، ولكن الدكتور ثروت عكاشة – ربنا يحميه – جلس مع عبد الناصر ونبهه أننا لو أعتقلنا نجيب فلن تسكت الناس وربما تحدث مصيبة وهنا فوجئ بالسيارة التي جاءت لتعتقلني تعود من حيث أتت، ربنا يحميه ثروت عكاشة.
المجلة المصرية || نون

الأربعاء، 27 يناير 2010

وهم الروح - بقلم: محيي الدين إبراهيم

البارادوليا .. وهم البصر .. أن ترى سحابه على شكل وردة .. الدخان على شكل شجرة .. السراب على شكل ماء .. لكن .. ماذا عن وهم الروح عند عتبات الخلود !!

الأربعاء، 20 يناير 2010

قبل العبث بقليل - بقلم: محيي الدين إبراهيم

الصوت قادم من أعماق صخرة .. قال لي صاحب الأجنحة: 
كل صوت يمثل بوابة .. فلا تقرب البوابات المفتوحة .. ولا تدق البوابات الموصدة. 
كنت أبحث عن وجهك المفعم بالحياة .. منذ خلق الأرض الأول والسماء .. حتى قيل أهبطوا .. فكان جدار .. وصحراء .. وصخرة .. طفت حول الجدار سبعاً .. وسعيت في الصحراء سبعاً .. ثم .. ألقيت جمرات عشقي .. ونحرت المتبقي من ضلالي .. ومازال .. صوت قادم من أعماق صخرة .. كأنه الوحي .. ينبئني بأن وجهك .. يوماً ما .. قد يحدث .. فتبدو ملامحي من جديد .. أبدو ( أنا ) من جديد .. وكأني في رجوع مستمر .. نحو الخلود .. بعدما أدار لي ظهره .. قبل الهبوط  .. وقبل العبث بقليل !!
 

الثلاثاء، 19 يناير 2010

أيهما أوجب للولاء ؟ - بقلم محيي الدين إبراهيم

من يحدد المبدأ ومن يحدد المصلحة ؟ .. من يقر المبدأ ومن يقر المصلحة ؟؟ وهل المبدأ أيدولوجية الثابت والمصلحة نفعية المتحرك ؟؟ .. ومن ثم تسقط نفعية المتحرك أمام أيدولوجية الثابت ؟؟ .. أيهما أوجب للولاء ؟ .. أيهما أولى بالتضحية ؟؟ .. أيهما أقدر ( حال ممارسته ) على تأنيب الضمير ؟؟

الأحد، 10 يناير 2010

منين اجيب ناس لمعنات الكلام يتلوه

في البداية اقدم التعازي لاسر ضحايا مجزرة عيد الميلاد بنجع حمادي، أبانوب كمال. 
ودينا حلمى ورفيق رفعت وأيمن زكريا وبولا عاطف وبيشوي فريد والجندي امن مركزي أيمن هاشم سيد. 
وثانياً اناشد كل ابناء مصر الشرفاء المسلمين قبل المسيحيين ان يرسلوا برقيات عزاء لهؤلاء الثكالى اللواتي فقدن فلذات اكبادهن غدرا ولحظة فرحة العيد على العنوان التلغرافي " كنيسة العذراء- شارع 30 مارس -نجع حمادي- محافظة قنا جمهورية مصر العربية" انه اقل مايمكن ان نقدمه نحن ابناء مصر لأبناء مصر، واني ابرء ذمتى ونفسي واولادي أمام الله من كل فعل غادر كهذا الفعل أو غيره يفعله مجرمون باسم الاسلام ونحن المسلمون واسلامنا منه براء، بل واحمل كل من نادى ببث الكراهية ضد ابناء الوطن مسئولية ما حدث وماقد يحدث مستقبلا – نسأل الله الا يحدث - من شلل الجهلة وضيقي الأفق وخريبي الدين ، الذين لو علموا لأدركوا أن ديننا الإسلامي السمح ليست بينه وبين الديانات الأخرى أي خصومة ولو كانت هناك خصومة مابقى من النصاري واليهود في المنطقة العربية واحدا منهم منذ ألف سنه أو يزيد ولسحقتهم امم كانت اعظم منا وارجل منا واكثر كرامة وكبرياء منا بدءا من الدولة الأموية الأسلامية وحتى محمد على باشا والي مصر ولو هناك خصومة لسحقت هذه الأمم هؤلاء الناس باسم الدين وإبادتهم عن بكرة ابيهم ولم يكن هناك من يسألهم أو يقول لهم لماذا تفعلوا ذلك لأنهم كانوا وقتها أسياد العالم وبالرغم من ذلك لم يفعلوها ورعا وتدينا ومحبة ومخافة من الله سبحانه وتعالى من وقع الظلم والغدر أما نحن ففعلناها طيلة 57 عاماً رغم اننا عبيد الرغيف والحذاء. 
انني لن اخاطب الضمائر الحية اليوم لإيماني انها غير موجودة في زمن الفساد، ولان في زمن الفساد لاتمطر السماء الاناراً ولاتنبت الأرض الا ملحاً، فانني ساخاطب الاجيال القادمة واقول لهم، نعم لكم في التاريخ نقطة عار فقد كنا نضطهد اخواننا في الوطن نضطهد الاقباط والنوبيين والاعراب والبهائيين والبدو، حتى نهر النيل ونظن اننا نحسن الصنع، نضطهد كل شئ حتى اضطهدنا الله واعتزلنا العالم وفقدنا تعاطفه بعد ان فقدنا رحمة الله وصرنا افقر الناس وكنا اغناهم واضعف الناس وكنا اقواهم وأمرض الناس وكنا اصحاءهم وافسد الناس وكنا اتقاهم، ابتلينا بكل الغضب الإلهي وكالسكارى لاندري لماذا اختصنا الله بكل تلك الفتن رغم اننا جنوده؟ 


الى الزعيم عادل امام 

وقفتك الإحتجاجية ضد قتل حماس لجندي مصري هي وقفة وطنية لاشك في ذلك لكن يشوبها بعض البيزنس يازعيم ، فيها رائحة بيزنس ، بمعنى انها ليست خالصة مخلصة لمصر وشعب مصر لانك لو واقفها باخلاص عشان الجندي الغلبان وعشان شعب مصر اللي طافح الدم وانت الذي اصبت بفنك يوما كبد اسرائيل بعم جمعة الشوان كان كل الفنانين وقفوا معاك وحاصروك بتأيدهم لكن لم يحاصرك الا لبلبة ومحمد هنيدي وربما لبوا الدعوة خجلا منك، هل تعلم لماذا انفض الناس من حولك في هذه الوقفة الا طبعاً من وكالة الاعلام الاسرائيلية " بانيت " لانك نسيت ثكالى عيد الميلاد في نجع حمادي وفرقت بين جندي الكنيسة الذي مات وجندى رفح الذي مات انت كان هدفك حماس، مملوء غل من حماس، وهو غل لست مملوءا به قضاء وقدرا ولكن ملئت به مقابل بيزنس – الله اعلم ماهو - بعيد عن الوطنية والناس الغلابة. 
الفنان الزعيم احذر ان تنقلب على نفسك وعلى من احبوك وتذكر اننا الذين زعمناك على الفن وعلى مشاعرنا فلا تتحول الى فرعون، اعد ترتيب اوراقك وحاول ان تقف وقفة لكل هؤلاء العشرات من الضحايا الذين سأذكرك ببعضهم على مدارالعشرين سنة الاخيره فقط وليس الخمسين سنة الاخيرة والا احتجنا لدليل مثل دليل التليفونات ساذكرك لأنك لاتعلمهم لكننا سنتوهم انك تعلمهم لنحافظ على محبتنا لك، سأذكرك باعدادالضحايا من ابناء وطنك مسلمين ومسيحين ان كنت جادا بالفعل في وقفاتك الوطنية وليس قفشاتك الوطنية. في سنة 1992 سقط 18 قتيلا قبطياً في اسيوط. في سنة 1993 سقط 15 قتيلا قبطياً. في سنة 1994 سقط 13 قتيلا قبطياً. في سنة 1996 سقط 10 قتيلا قبطياً في عزبة الأقباط بالبدارى بأسيوط . في سنة 1997 سقط 13 قتيلا قبطياً أمام كنيسة مارجرجس بالفكرية ( ابو قرقاص ) المنيا. وسأقفز بك الى 2010 حيث ان المساحة لاتتسع لتعداد الضحايا والضحايا الغلابة كتير حيث سقط 6 قتلى وعسكرى امن مركزي مسلم ليلة عيد الميلاد بنجع حمادي، اما اسرائيل والتي لم يحضر لك سوى اعلامها فقط لتغطية وقفتك الاحتجاجية ضد حماس فضحاياها من المصريين الغلابة على الحدود المصرية الاسرائيلية والذين كانوا يدفنون في الظلام وكأنهم مجرمون هم: 
الخميس 18 سبتمبر 2004، أطلقت دبابة إسرائيلية قذيفة، أصابت منطقة تل السلطان والقتلى هم على صبحى النجار سنة 21 ومحمد عبد الفتاح22 سنة وعامر أبو بكر عامر 22 سنة من جنود الأمن المركزى. نوفمبر2000، أصيب المواطن المصرى سليمان قمبيز وعمته بالرصاص الإسرائيلى، حيث كانا يجمعان محصول الزيتون بالقرب من شارع صلاح الدين. أبريل 2001، أصيبت سيدة مصرية من قبيلة البراهمة بطلق نارى إسرائيلى أثناء وجودها بفناء منزلها القريب من الحدود مع غزة. أبريل 2001، قتل شاب مصرى يدعى ميلاد محمد حميدة، عندما حاول الوصول إلى غزة عبر بوابة صلاح الدين. مايو 2001، أصيب المجند المصرى أحمد عيسى بطلق نارى أثناء وجوده بمنطقة خدمته على الحدود. نهاية مايو 2001، أصيب المواطن المصرى زامل أحمد سليمان (28 عاماً) بطلق نارى فى ركبته أثناء جلوسه بمنزله فى حى الإمام على بمدينة رفح المصرية. يونيه 2001 قتل المجند السيد الغريب محمد أحمد بعدة أعيرة نارية فى المنطقة الفاصلة بين مصر وإسرائيل. سبتمبر 2001، أصيب الضابط المصرى برتبة نقيب عمر طه محمد (28 عاماً) بطلق نارى وعدة شظايا فى الفخذ الأيسر نتيجة تبادل النيران بين القوات الإسرائيلية ومسلحين فلسطينيين قرب الحدود المصرية. نوفمبر 2001، أصيب ضابط شرطة مصرى الرائد محمد أحمد سلامة أثناء دورية له فى منطقة الحدود. ديسمبر 2001، أصيب الشاب المصرى محمد جمعة البراهمة (17 عاماً) فى كتفه بطلق نارى إسرائيلى. فبراير 2002، أصيب الطفل فارس القمبيز (5 سنوات) بشظية فى فخذه أثناء لعبه وحده بفناء منزله. نوفمبر 2004، سقط صاروخ إسرائيلى فى حديقة منزل فى رفح المصرية دون أن يحدث أية إصابات. يناير 2006 قتل المهربون المجند عرفة إبراهيم السيد والسيد السعداوى وأصابوا 10 آخرين وتمكنوا من الهرب وإدخال الأفارقة لإسرائيل. ديسمبر 2007 قتلوا أيضاً المجند محمد عبد المحسن الجنيدى وهربوا ولم تعثر أجهزة الأمن عليهم حتى الآن. يناير 2008 أصيب مجند مصرى على الحدود برصاص مجهول. يناير إسرائيل قتلت المواطن السيناوى المدنى حميدان سليمان سويلم (41 سنة) خلال ذهابه لعمله. فبراير إسرائيل قتلت الطفلة سماح نايف سالم ابنة أخ القتيل السائق أمام منزلها على الحدود قرب معبر كرم سالم. مايو 2008 إسرائيل قتلت المواطن سليمان عايد موسى (32 سنة) بحجة تسلله داخل أراضيها بالقرب من كرم سالم. مايو قتل عايش سليمان موسى (32 عاماً) عند منفذ العوجة برصاص إسرائيلى ومثله 5 آخرون فى عام 2008 وتم تسليم جثامينهم لذويهم بسيناء. يوليو 2008 مقتل محمد القرشى ضابط مصرى برصاص إسرائيلى خلال مطاردة لمهربين على الحدود قتلته إسرائيل بدم بارد وفتحت تحقيقا صوريا فى الحادث لم يسفر عن شىء، وادعت أن الضحية دخل إلى الأراضى الإسرائيلية، وأطلق النار عليه بطريق الخطأ. سبتمبر 2008 أخطرت السلطات الإسرائيلية الجانب المصرى بأن أحد المهربين المصريين قد سبق وحاول التسلل لإسرائيل من الأراضى المصرية، وبعد أن اجتاز الأراضى الإسرائيلية أطلقت القوات الإسرائيلية الرصاص عليه وأردته قتيلا، والقتيل يدعى سليمان سويلم سليمان (26 سنة) من سكان منطقة القسيمة بوسط سيناء، اننا نريدها وقفة زعيم يازعيم، زعامة بجد .. زعامة يامعلم جمعة ياشوان بحق وحقيق. 






المجلة المصرية || نون

الثلاثاء، 15 ديسمبر 2009

هكذا قالت لي حليمة !!

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
الشارع الشعبي داخل الوطن يحكمه بالفعل رموز هذه الجماعات التى تطورت كثيرا في مناهجها وآلياتها بعد حرب الخليج الأولى ووجدناها تنشطر من بعضها كالانشطار الجزيئي إلى جماعات اصغر فأصغر كل منها له عقيدته وعنصره ومناهجه،
  
الجيش – في عالمنا الثالث:
هو صاحب المدفع، صاحب الدبابة والطائرة، صاحب النظام، هو مالك الوطن.
هو صاحب التغيير، صاحب الثورة، صاحب السلطة، هو مالك الدستور.
هو من تعارضت معه المصالح كان خائناً ومن تلازمت معه المنافع صار قائداً.

ومن هذا المنظور الذي أصبح يراه كثير من المقهورين برؤى أغلبها غاضب ومشوش ظهرت الميليشيات الشعبية للدفاع عن مصلحة القبيلة أو الجماعة – عرقية كانت أم دينية - والتي يري اصحابها ان الجيش اما منفصل عن تحقيق طموحات الشعب وتطلعات فئاته كبشر من حقهم أن يحصلوا على ابسط حقوق الشعوب المحترمة في العالم، أو أن الجيش والنظام ينكروا وجودهم الوطني ويعتبرونهم أقليات مهمشة أو مواطنين من الدرجة الثالثة، ومن هنا ظهر قرنق وحزب الله وحماس والجنجويد والحوثيين والكثير الكثير من الجماعات الراديكالية بمختلف المسميات والهويات؛ حتى امتلأت بهم شوارع الوطن وحواري الوطن وقراه ومدنه، معارضين للنظم رافضين للجيوش التي أصبحت – من منظور الراديكاليين الفقراء – جيوشا لا تملك القدرة على تحريك الثابت الآسن إلى متحرك متجدد، جيوشا لا تحقق – كما كانت بالأمس - أمل الملايين في الحد الأدنى المتكامن في صدورهم من الحرية الإنسانية وسطوع الهدف والرضا عن النتائج ليستشعر – المواطن - في قرارة نفسه انه مازال موجوداً يأخذ ويعطي ويتفاعل متزامنا مع الشعوب من حوله في جغرافية الكون الذي يحياه وليس كمن يحيا في مجموعة شمسية أخرى بزمن آخر يسير عكس عقارب الساعة؛ تلك المسألة تسببت فيما نحياه اليوم ونطلق عليه " الفلتان الأمنى " داخل المجتمعات العربية، خاصة بعد تعاطف معظم سكان الشارع العربي مع هذه الجماعات، هذا الشارع الذي إن لم يجد تعاطفا بالمد والعون لهم فإنه يستبدع تعاطفا معهم بالصمت وغفران الخطيئة لكون خطيئة المتمرد الغاضب بالسلاح عندهم أعظم وأطهر من حسنات النظام وكل من يعتلي كراسيه، فخطيئة المتمرد من وجهة نظر المقهورين تشفي غليل اليائس المقهور بينما حسنات النظام لا تزيده إلا فقراً يتوسل به فتات القوم في الغرب ويدين لهم مدى الحياة بقوت يومه وأحفاده وربما حتى أجيال زمن ظهور دابة الأرض من بعده.
هذه وجة نظر الناس بالفعل وليست محض سيناريو خيالي أتيته عن علم من عندي، لأن المتأمل المهموم بردود أفعال الناس في الشارع العربي يجد أن الأنظمة في الوقت الذي أدارت فيه ظهورها لشعوبها ولمطالب الجماعات داخلها، وجه المواطن البسيط في الشارع العربي وجهه لتلك الجماعات الثورية بل واعتبر أن رموز هذه الجماعات ما هم إلا قاده مخلصين ومصلحين وزعماء جاءوا ليأخذوا بثأر المستضعفين في الأرض فالتفوا حولهم ودعوا لهم بالنصر وعلقوا صورهم رغم أنف النظم في غرف نومهم استبشاراً بهم وهي مسألة انتبهت لها الأنظمة بالفعل متأخرة لكنها – رغم الإنتباهه - لم تجد أو تقدم ولو حلاً واحداً سريعاً لعلاجها لان غالبية هذه النظم كانت وربما مازالت – تحت وطأة الظرف السياسي الفوضوي والتدخل الأجنبي بالمنطقة - تبحث عن كل وسيلة تحافظ بها على حكم البلاد أو ما ندعوه مجازاً صراع أمراء السلطنة كما كان في عهد حكم المماليك؛ ومن منطلق ديكتاتوري ولكبت مشاعر الناس تجاه هذه الجماعات ظهرت وسائل قمعية تجاه الشعوب رغم أنه كان من الأحرى أن يظهر بصيص من حسن النوايا في تحقيق متدرج لأحلام الناس ليستشعر هؤلاء الناس أنه وطن لا يأكل أبناؤه.
إن جيوش المنطقة في ورطة حقيقية فبعد أن تعافت من كونها في الماضي الضحية الأولى لنتائج الحرب العالمية الثانية وتفككها بعد أن كانت جيشاً واحداً تحت راية تركيا، أصبح لكل بلد جيش يأتمر بأمر المستعمر المحتل؛ ثم تأتي محاولاتها في النهوض من جديد ولملمة أشلاءها بعد الثورات التحررية وأهمها ثورة 1952 في مصر، تلك الثورة التي بدأت في ستينيات القرن الماضي بالانجذاب نحو الاتحاد السوفيتي السابق سياسيا وعسكريا وصناعيا إلى حد لم تمض معه سنوات قليلة إلا وكانت كل قيادات الجيش في الوطن العربي من أقصاه لأقصاه زملاء دراسة في الأكاديميات العسكرية السوفيتية تجمعهم مصالح مشتركة وصداقة مشتركة وصلت بأن أصبح رموز الحكم في الوطن العربي كله، فيما عدا المغرب والسعودية والأردن، خريجي نفس المدرسة تقريباً ويحملون نفس الطموح في الهم والحكم والقيادة؛ حتى ظن الرائي أننا بالفعل في تلك الحقبة جيشا واحدا يملك هم الدفاع المشترك والنظم المشتركة والمصالح المشتركة أو ما أطلق عليه وهما " القومية العربية ".
و جاءت معاهدة السلام التي اختلفت معها كل تلك المصالح والمناهج واختلف عليها الأمراء وقادة الماضي فاعتزلوا مصر وعزلوها وصار لكل أمير – في كل أرجاء الوطن - وجهته التي يستمد منها قوته واستتباب حكمه فظهر بجلاء وجه أميركا ووجه فرنسا وانجلترا وحتى وجه الصين بجانب وجه روسيا الذي بدا شاحباً بعد انهيار الإتحاد السوفيتي السابق لتتحدد الأدوار والصفقات في مد الجيوش بالسلاح والعتاد والشراكة في المناورات وإعادة بناء الدولة وهيكلة المنهج وخصخصة الفقراء؛ وانفرط عقد الصداقة والأصدقاء القدامى، وانعزل كل أمير في وطنه بعيدا عن أوطان الآخرين من حوله ولم يدروا قبل الانعزال أنهم صنعوا وجدانا شعوبيا يؤمن قبل العزلة بالوطن الواحد والقومية الواحدة والدفاع المشترك؛ وهنا رفضت الشعوب العزلة وقاومتها ثم حل فيها اليأس الذي دفعها بإحباط إلى أن ترفض كل شئ من حولها حتى نفسها بل والانتقام من ذاتها بمنطق الانتحار الشعوبي الذاتي فصار الفساد عدلا والعدل جريمة واختلاف المذهب أو الدين كفر وكونك لست من ذوي الدماء الزرقاء الملكية فأنت خائن.
ورفضت الشعوب بكل ما تملكه من يأس الاختلاف فيها ولم تجد في لحظة الخلاف قوة ردع من قادتها بل وجدت أنظمة غائبة أو مستفيدة من الشقاق بين أصحاب الوطن الواحد لدرجة وصلت معها حسابات المصلحة والاستفادة لتثبيت كراسي الحكم أن أفرجت عن معارضيها القدامى أعداء الأمس ليكونوا رأس حربة ضد معارضيها الجدد أعداء اليوم، ولتظهر بشائر هذا الشقاق والحسابات وفوضى المصلحة في الضحية الأولى الرئيس المصري محمد أنور السادات واغتياله ونفر كثير من معاونيه.
لقد صار واضحا جليا مدى ما تملكه هذه الجماعات الراديكالية الغاضبة الجديدة من دعم معنوي شعوبي ودعم مادي عسكري تخلل حتى صفوف الجيوش نفسها وأصبح جزءاً من نسيجها يعرفوا بعضهم البعض ولا يعرفهم أحد وهو ما سبب ويسبب – حتى اليوم - كابوساً للأنظمة التي لم يخطر ببالها على الإطلاق ان تستأسد بعض تلك الجماعات ويصبح لها من القوة ما يمكنها من اغتيال رأس النظام!، وهو أمر تباهت به تلك الجماعات واستشعر الناس وسط هذا التباهي بعجز الأنظمة والجيوش في سائر الوطن العربي، خاصة بعد صناعة الأسوار والسياج والبوابات الفولاذية بين الناس وبين الأمن والجيش والداخلية وكلها مسائل تستقر في الوعي الجمعي الخفي لدى الناس ليسوقهم في النهاية إلى الإيمان بضعف النظم التي تحكمهم ومن ثم يبحث هؤلاء عن نظم أخرى بديلة لتحميهم فلا يجدوا بديلاً إلا رموز الجماعات الثورية المنشقة على النظام.
الشارع الشعبي داخل الوطن يحكمه بالفعل رموز هذه الجماعات التى تطورت كثيرا في مناهجها وآلياتها بعد حرب الخليج الأولى ووجدناها تنشطر من بعضها كالانشطار الجزيئي إلى جماعات اصغر فأصغر كل منها له عقيدته وعنصره ومناهجه، يصارعون بعضهم البعض أحيانا وسط شماتة النظم فيهم ثم لايلبثوا أن يتحدوا ضد النظم فتشمت الشعوب في رؤوس الحكم، شماته تدفع أحيانا بهذه الرؤوس لأن تعقد مع تلك الجماعات صفقة قد تصل إلى الشراكة الرمزية في حكم البلاد اتقاءً لخطرهم الكامن في أعماق من يؤمنوا بهم من الناس كمثال حزب الله ومشاركته في حكم لبنان والإخوان المسلمين ومشاركتهم للبرلمان في مصر. 
والمتأمل للصراع في وطننا اليوم يجد أعظمه نوعين، النوع الأول والأخطر هو الصراع الديني بغية حكم ثيوقراطي أو شبه ثيوقراطي كصراع المسلمين والمسيحيين والسنة والشيعة والأرذوكس والبروتستانت وهو صراع لا تندمل جراحه بسهوله ويستمر سنيناً طوالاً وضحاياه بالملايين؛ والثاني صراع قبلي عنصري يحاول فيه عنصر ما ان تكون له الغلبة داخل الوطن على عنصر آخر حتى ولو كان من نفس الدين وذات الملة، كل ذلك والجيوش تقف مكتوفة الأيدي لا لشئ سوي كونها عاجزة عن فك شفرة اللغز وهو نصرة من ضد من؟ وتركوا الأمر والشفرة لقادة الأمن الداخلي فتحول الوطن بهم إلى سجن كبير، البقاء فيه للأقوى، حتى صارت غالب الناس تعيش زمن ما يمكن تسميته مجازاً بزمن المفسدة العظمى، فلا قانون ولا عدل ولا رموز وطنية وأصبح الكل أشبه بدوائر صغيرة عنصرية منغلقة على نفسها يضغط بعضها على بعض ويفتت بعضها بعضا في أحلك فترات شعوبنا العربية سواداً وظلمة.
لاحل لكل هذا السواد والهم سوي الجيش، لم يفقد المواطن العربي ثقته الكاملة بعد في الجيش، لان عناصر الجيش من الشعب، كل الجيش من الشعب، ربما يكونون غضبى من الجيش، تتملكهم الفوضى لغيابه لكنهم يعلمون ان الجيوش -بعد تجربة انهيار الجيش العراقي وتشتته - يستعدون بينهم وربما يعدون منهم قيادة جديدة قادرة على الوقوف بحزم أمام طعنات الواقع الراهن، قيادة لها خبرة في عبور الأزمات، قيادة تحمل من الخبرة العسكرية والسياسية مايؤهلها إنقاذ الوطن ليعود له كبريائه القديم.

المجلة المصرية || نون

الجمعة، 13 نوفمبر 2009

في البدء كانت الثورة

mohi_ibraheem
بقلم: محيي الدين إبراهيم
إن تحول الصراع من صراع جيوش لصراع شعبي وصراع ميلشيات وحرب عصابات، وصراع أن أكون أو لا أكون، لن تصمد امامة الحوائط ولا الأسوار ولا الأنظمة، 
  

لا تتصوروا أن الشعوب يمكن أن يقمعها نظام مهما كانت قوته أو مهما كان جبروته، فدائما وابدأ ما تنهار الأنظمة أمام انفجار المقهورين مهما طال أمد القهر والقمع والجبروت .. هكذا أنبأنا التاريخ. صاحب الطغيان يمتلك الخوف ومن فرض عليه القهر يمتلك القوة والطاغي يجتهد في صناعة سور بينه وبين الناس أما المقهور فيجتهد ليهدم السور و يصنع الثورة.
ومن هذه الزاوية _ زاوية المقهورين - ننظر الى حكاية أسوار الفصل العنصري التي أصبحت موضة هذه الأيام، فقديما كان الشعب والحاكم والصفوة يتكاتفون لبناء حائط وسور ضخم حول العاصمة لحمايتها من الغزاة، أما اليوم فنجد أن الأسوار اتخذت طابعاً آخر، طابعاً عجيباً، طابعاً مأساوياً لإذلال الشعوب بعد التسلط عليها بأي شكل من أشكال التسلط الديكتاتوري، فنجد إسرائيل تقيم جداراً يكلفها مليارات من اجل أن تحتمي فيه من الشعب الذي تم إذلاله منذ النكبة 48 أو ربما من قبل النكبة وحتى اليوم، مليارات الدولارات يصرفها نظام إسرائيل على ( حيطة) لتحميه رغم كل ما يمتلكه من تكنولوجيا للدفاع والهجوم والقتل والفتك والتدمير في ساعة زمن واحدة!!، مليارات لبناء ( حيطة ) لتحميه ممن ؟ لتحميه من شعب أعزل لا يمتلك اليوم حتى حق الدفاع عن نفسه وبمباركه في عدم الدفاع من العالم كله، العالم كله الخائف من المستقبل، الواعي لدروس التاريخ والمدرك انه سيأتي اليوم الذي حتماً سيثور فيه المقهورين وينتصروا ويتسيدوا، ومن ثم لابد من وجود ( حيطة ) تعطي وقتاً – للطاغي والمحتل والديكتاتور - للهروب وتقليل الخسائر وأن ينجو بحياته أمام جحافل المقهورين الثائرين حتماً في يوم قادم قريب.
انهزمت أمريكا بالفعل – هزيمة منكرة - في حربها على الإرهاب يوم أن قررت بناء سور عازل كلفته ملايين الدولارات لعزل جنودها في محمية خاصة داخل بغداد وأطلقت على هذه المحمية الحزام الأخضر، يومها أدرك العالم الهزيمة وقرر سحب جنوده وتغيرت مع سحب الجنود الحكومات، ووجوه الحكم، والسؤال عازل ممن وأنت المفروض جيش يغزو؟ جيش مكون من آلاف الجنود مهمته التواجد في ارض المعركة التي سافر إليها آلاف الأميال وانفق عليها مليارات الدولارات بحجة أن العراق مركز الإرهاب العالمي ثم يذهب ويبني ( حيطة )؟ مسألة مضحكة أشبه بأفلام الكارتون التي لم يبرع فيها سينمائيا وعالمياً أيضا سوى الأمريكان !!، وخصوصاً تلك العناوين التي كانت تجعلنا من فرط الكآبة نستلقي على ظهورنا من فرط الضحك كالرصاص المسكوب والصدمة والرعب ومطر النار وأسماء كارتونية لم تسفر إلا عن مزيد من الثورة ومزيد من اقتناص الحرية.
لقد كان بناء سور بغداد او الحزام الأخضر نصيحة إسرائيلية لاجدال في ذلك بعد الخسائر التي تكبدتها أمريكا في أرواح جنودها، واعتراف صريح منها بأنها ليست قادرة على الصراع في العراق ضد شعب أصبح كل همه أن يقاوم أمريكا ومن هم مع أمريكا حتى لو كانوا من نفس الدين وذات الملة، وان المقهورين ثائرين حتماً ولن ينفع معهم احتلال أو ضحك على الذقون، وخرج الأمريكان وتركوا ورائهم سورهم العظيم شاهداً على الهزيمة التي مازالت توابعها مستمرة ولن تنتهي تلك الثورة إلا بعد أن ينتقم المقهور انتقاما كلياً من طواغيته أغنياء الحرب.
لا تنتظروا سلاما في العراق أو أفغانستان أو فلسطين أو لبنان أو مصر أو السودان أو اليمن أو الخليج أو أي بلد في الشرق الأوسط، لقد عاشت إسرائيل بيننا ستون عاما بين كر وفر وحروب نظامية وكانت مستقرة نوعاً ما وآمنة إلى حد ما، أما اليوم وقد تدخلت - فعلاً - أميركا بجيوشها وأنهت مسألة الحروب النظامية وأشعلت فتيل الثورات الشعبية بين الناس في كل أرجاء المنطقة حتى ضد أنظمة المنطقة نفسها فإن إسرائيل اليوم وبهذا التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط تعلم أنه قد ضاع استقرارها وماتت احلام أمنها وتدرك وهي في احضان الجيوش الامريكية بالمنطقة أنها تشهد أسود أيام حياتها ووجودها منذ نشأتها.
إن تحول الصراع من صراع جيوش لصراع شعبي وصراع ميلشيات وحرب عصابات، وصراع أن أكون أو لا أكون، لن تصمد امامة الحوائط ولا الأسوار ولا الأنظمة، صراع جعلته أمريكا - بعد تدخلها بالجيوش والعتاد – مفتاحاً للاستشهاد في سبيل الحرية حتى أصبح معظم شعب المنطقة وغالبهم من الشباب يدرك قيمة الثورة وقيمة الشهادة التي كان لايعلم عنها شئ قبلاً وأدركها الآن، لقد كان تدخل أميركا في العراق وفي مياه الخليج وفي البحار العربية أول مسمار في نعش إسرائيل بالفعل ونعش كل الأنظمة التي تسير تحت عباءة النظم الاستكبارية حتى ولو كانوا من نفس الدين وذات الملة.
بلادنا تحمل لعنة تاريخية على أي جيش أجنبي يتواجد بها، لعنة تصيب الغازي ومواليه من الحكام في المنطقة، لعنة يتحول بها المتكبر الطاغي إلى مستجدي للحياة بعد أن يفلس تماما ولا يجد لنفسه ولا لشعبه ثمن المأوى الذي يؤويه.
لابد أن تنتهي الحرب وان تخرج الجيوش من بلادنا‘ اخرجوا من بلادنا قبل أن ترسم اللعنة الملامح النهائية لوجهها القبيح.
المجلة المصرية || نون

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

ذكريات الطفولة وأمي في العيد

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com

وتكمل امي ان جدودها قرروا عمل حرب عصابات ضد سليمان باشا الفرنساوي وضد عسكر البلغار الذين ملأوا جنوب مصر وكنا لاندري وحتى الآن لماذا عسكر البلغار في بلادنا ولماذا لايتزوجون الا من بنات النوبة فقط دون غيرهم.

من مذكرات فلاح على عتبة المحروسة
هذه القصة محض خيال الكاتب وكل شخوصها وهمية وعليه فإن اصابت بعض احداثها او شخوصها واقعاً حياً فهي اصابة محض مصادفة بحتة لاعلاقة للكاتب بها.
كل سنة وإحنا جميعا طيبين وعيد سعيد علينا كلنا وعلى الناس وألإنسانية كلها.
ربما تأتي أيام معينة في السنة وخاصة أيام العيد لتدفعك أن تتذكر ذكريات الطفولة التي ربما تكون بريئة رغم أنها كانت شقية غالبا !!
ما احلي ذكريات الطفولة في العيد وكحك العيد .. خاصة تاريخ كحك العيد في عائلتي من وجهة نظر أمي .. إنه أقرب لحكايات ألف ليلة وليلة .. تاريخ عجيب .. مدهش .. وربما خيالي .. وربما ليس له أصل .. لكنه كالأسطورة التي تؤمن أنها أسطورة وفي ذات الوقت لا تمل من سماعها وتكرارها .. فأمي كانت ابنة عمدة وكان أيضاً عضو برلمان في زمن الملك فاروق .. وعليه فلا احد يجرؤ على مراجعة أمي ( الحازمة ) في حكاياتها وإلا حرمته من نعمة أكل الكحك !
في أزمنة صناعة الكحك في البيوت على أيدي الأمهات وفي احدي مرات عمل الكحك في الأسبوع الأخير من رمضان .. كانت أمي لا تستدعي نساء الجيران وإنما يأتين من تلقاء أنفسهن وكانوا كثيرات وكأن السماء أمطرت نساء " فجأة واحدة"، ليساعدن بعضهن في انتاج الكحك والثرثرة المليئة بفرح قدوم العيد.
والكحك في عائلتنا كان يمر بمرحلتين مهمتين في التاريخ ( حسب رواية أمي لجاراتها من النساء ) .. والمرحلة الأولى تمت في عائلتنا منذ ستة قرون تقريبا .. أي قبل خضوع مصر لسيطرة الأتراك والعثمللي وكانت عائلتنا وقتها جزء كبير من "ولاد السمان" الصعايدة وهؤلاء كانوا بطن من بطون عائلة "عربي" الذين ينحدرون من أبناء "العاص" جاءوا لمصر من الجزيرة العربية في أيام عمرو بن العاص واستقروا في الصعيد وتعلموا وقتها صناعة الكحك من نساء الأقباط. 
كانت أهم أمرأة قبطية تعلمت منها جداتنا الأوائل صناعة الكحك هي الست " ناسيما القبطية " وكانت من سكان الأقصر من ناحية البحر " والبحر بلغة أمي تعني نهر النيل " وكان كحك العيد وقتها بمساحة الرغيف ألفلاحي ويشبه قرص الشمس الكبير ومنقوش عليه أشعة الشمس وتقول أمي: كنا بنكتب في مركز الكحكة بالعربي ثلاث حروف متفرقة اتعلمناهم من الست " ناسيما القبطية " وهي حرف النون وحرف الالف وحرف الراء وربما ليومنا هذا لاتدري امي مامعني هذه الحروف التي كانت تكتبها جداتنا في مركز الكحكة .. وتقول امي ان الكحكة كانت تزن وقتها مابين رطل ونصف أي مايقرب من نصف كيلو وكانت مهارة صناعة الكحكة تكمن في تماسكها وعدم تفتتها رغم نعومتها الشديدة ووزنها الثقيل، وتكمل أمي بينما انا صغير ومنشغل معها ومع ابناء الجيران بصناعة أحصنة من العجين ونقشه بمنقاش الكحك الصفيح تقول في محاولة منها لاضفاء روح الاثارة لقتل الملل مع جاراتها من النساء الذين يساعدنها في صناعة الكحك والبسكويت، أن المرحلة الثانية من مراحل تاريخ صناعة الكحك بعائلتنا جاءت بعد انتقال العائلة في زمن محمد علي باشا من صعيد مصر الى بحري مصر المحروسة في منطقة الجيزة لانه لما جاء محمد على باشا يبني الكلية الحربية مع سليمان باشا الفرنساوي اختاروا ارض كبيرة كانت ملكنا احنا وولاد عرب المطاعنة وهم عائلة اخرى نزحت ايضا من الجزيرة العربية في زمن عمرو بن العاص وسكنوا البر الشرقي من جهة اسوان معنا.
وتكمل امي ان جدودنا قرروا عمل حرب عصابات ضد سليمان باشا الفرنساوي وضد عسكر البلغار الذين ملأوا جنوب مصر وكنا لاندري وحتى الآن لماذا عسكر البلغار في بلادنا ولماذا لايتزوجون الا من بنات النوبة فقط دون غيرهم، حتى جاء يوم واجتمع فيه كبار عائلة عربي والمطعني والسمان سويا بعدما علموا ان ابراهيم باشا ابن زوجة محمد علي باشا جاء بصحبة سليمان باشا الفرنساوي ويريد التفاوض معهم بشأن شراء ارض الكلية الحربية التي يريد انشائها في صعيد مصر مقابل منح العائلات التي ستبيع جزء من أرضها الزراعية جاه ومال وسلطة وأراضي في الجيزة والشرقية، ووافق الجميع وانتقلت الاسرة من الصعيد الى الجيزة والشرقية وبهذا الإنتقال النوعي بدأت مرحلة جديدة من مراحل صناعة الكحك في عائلتنا وتحديدا حينما قرر جدنا محمود باشا حسب الله ان يدعو الخديو توفيق الى قصره الكائن بالسكة الزراعية في بلدنا وكان وقتها الخديوي توفيق قد وصلت له اخبار ان جدنا محمود حسب الله يميل سياسيا الى اهل امه وكانوا من أحواز ايران العرب ويخشى الخديوي توفيق ان يكون جدنا محمود حسب الله بيلعب بذيله لصالح الايرانيين خاصة وان قريتنا قريبة جدا من محافظة البحيرة رغم انها في الجيزة وقريبة جدا من بلد هناك اسمها " محلة فارس" وكان اهلها كلهم نازحين من إيران وبيتكلموا لغة غير مفهومة ولهذا أطلق عليهم الناس أسم "العجم" ومنهم عيلة عجمي وعيلة نخلة لكنهم لم تكن لهم صلة بجدي محمود على الاطلاق، وكانت الناس عارفة انهم هربانيين من ملك جبار في ايران هناك اسمه صفوان، الذي لم يترك طفلاً ولاشيخا ولاامرأة الا وذبحهم جميعاً لكونهم لايريدون ان يدخلوا في مذهبه الديني. ويقولون ان صفوان كان ضد البيت العثمللي ويكره الاتراك وهذا مااثار حفيظة الخديوي توفيق ضد جدي محمود في هل هو يدين بالولاء لأهل جدوده من أمه في فارس وإيران أم انه يدين للسلطان التركي ؟ وطبعا الولاء كان لازم يبقي للسلطان طبعا لأنه سلطان مصر والخروج عليه خيانة والا كان فيها قطع رقاب وأولها رقبة جدي!، وبالفعل قبل الخديوي توفيق الدعوة وجاء قصر جدنا في البلد وكان اول ماتم تقديمه للخديوي توفيق هو كحك ستي " فوز " وهي جدة امي من جهة الاب وصاحبة دماء اصيلة من عائلة عربي والسمان ويقال انها الوحيدة التي كانت تصنع الكحك في عائلتنا كما كانت تصنعة الست " ناسيما القبطية " في زمن جدودنا الأوائل وكانت شهرتها في الناحية والمديرية بسبب مهارتها في صناعة الكحك تفوق شهرة الخديوي نفسة، وقد رأت " ستي فوز" ان تقديم الكحك لجناب الخديو بهذا الحجم والوزن الهائل ربما لايليق بمكانته ثم ربما يظن اننا نقدم له كحك على الطريقة الايراني وهو ماقد يدفعة لقطع رقبة ابن عمها السيد محمود حسب الله، وهنا قررت " ستي فوز" ان تدخل تعديلات جوهرية وان تأخذ تعديلاتها هذه من السيدة الفاضلة " رتيبة كافي شاهين " وهي تركية الاصل وزوجة احد عمد ناحية المنصورية، وبالفعل تقلص حجم ووزن الكحكة حتى صارت اصغر وفي حجم يسمح لاصابع اليد ان تتحكم فيها كما كان ولاول مرة في تاريخ عائلتنا يتم حشو الكحك بالكاش والفستق الأخضر اللذان كان يعشقهم الخديوي وربما كان لكحك "ستي فوز" الدافع القوي وراء ان ينعم الخديوي توفيق على جدي محمود حسب الله بلقب الباشوية، بعد تأكدة من طعم الكحك التركي الجبار الذي قامت بصناعتة ستي فوز وان الاخبار التي وصلته ماهي الا وشايات ودسائس وان محمود باشا حسب الله ماهو الا محب ووفي ومخلص لكل ماهو تركي لدرجة ان طعامة وكحكة داخل بيته يتم على الطريقة التركية ثم اخرجت امي اول صاج من الفرن ثم استدارت لجاراتها اللواتي سارعن باخذ كل واحدة منهن كحكة من الصاج ونظرت لهن نظرة حادة ممتلئة بالثقة بعدما تقمصت دور جدها محمود باشا وقالت لهن بتعالي: على فكرة ياستات .. لازم تعرفوا اني انا .. رفيقة بنت ابراهيم بيه اسماعيل .. احسن واحدة تعمل كحك عيد في مصر.

ملاحظة:
يقولون أن كحك العيد أصله فرعوني و " إيزيس " زوجه " أوزوريس " هي أول واحدة ست صنعت الكحك والغريبة في العالم وهذا ليس كلامي بالطبع ولكنه كلام كثير من البرديات الفرعونية القديمة من عصور ما قبل الأسرات الفرعونية المتوسطة والحديثة وعلى سبيل المثال بردية قيمة وقديمة وجدت في " ميدوم " الأثرية بصحراء مصر تصور ربة القمح " نبت " وقد توجت بتاج من القمح وتمسك بيدها اليسرى رغيفا من الخبز و بيدها اليمنى " كحكه " وأتصور انه بحسبة بسيطة نجد ان المصريين اخترعوا الكحك من قبل طوفان نوح بزمن ربما يرجع هذا الزمن لأول نبي في التاريخ وهو النبي إدريس وزوجته عيسا أو عيشا أو ايسا أو ايزيس كما كان يطلق عليها المصريون قديما وتعني الدائمة الحياة أو الخالدة التي لا تموت حتى وان فني جسدها. هذا بالنسبة لتاريخ الكحك العلمي حسب علمي وحسب ماورد في بعض كتب الباحثين في التاريخ.
المجلة المصرية || نون

الاثنين، 25 مايو 2009

هشام طلعت ضحية زواج المال والسلطة

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com

جاء الآن زمن اللعب مع الكبار، لعب على ثقيل، لا يرحم ولا يغفر ولا يتسامح وبالطبع أمراء المال في وطننا لن يتركوه يأكل من الكعكة وحده فمصر او السعودية او بغداد او غيرها من المدن ليست حكرا على واحد فقط من الناس وهنا ظهرت " سوزان تميم "
الطغيان هو الابن الشرعي لزواج المال بالسلطة، ويخبرنا التاريخ منذ قارون وحتى يومنا هذا عن النتائج المأساوية والكارثية التي تنتهي بها هذه العلاقة نهاية وحيدة لا ثاني لها وهي الخسف بالطاغي وفضحه هو وكل من حولة من أهله وأصدقائه وكل من صفق له ودعمه وسانده بالقوة او ربما بالصمت والضعف وهي مسألة مدهشة تدفع العقل البشري ان يتوقف عندها ويتأملها.
يوجز القرآن حال قارون وأهله وأصدقائه والمحيطين به من الوجهاء والأمراء ومن المنافقين وحتى من البسطاء والكادحين الذين استعبدهم بماله فيقول "إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ" ثم ينتقل بنا القرآن بدعوة قارون ان بنتهي عن ممارسة هذا السلوك الشائن فيقول " وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ " ولكن قارون يسوقه غرورة وثروته وسلطته فيعند ويتكبر ويفسد ويظلم ويقتل متباهيا انه فوق القانون وفوق الله نفسه حاشا لله حتى تقفز بنا روايته إلى سيناريو النهاية أو النتيجة التي يخبرنا عنها القرآن فيقول " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ. " واذكر ان أسعفتني الذاكرة بعضاً من التاريخ المسموح بتداوله إعلاميا عن رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى حيث كان والده رجل الأعمال طلعت مصطفي صاحب شركة الإسكندرية للمقاولات والتي أشرفت أو آل إليها عملية إنشاء حي سكني بمدينة السلام منخفضة التكاليف بشرق القاهرة تم إطلاق اسم الشركة عليه فيما بعد وحتى يومنا هذا " حي الإسكندرية بمدينة السلام" كانت هذه العملية هي قطرة الماء الأولى لبداية الغيث إذ لم يكن أي من أصحاب ما يسمى بالشركات العملاقة للمقاولات أو أي نوع من الشركات في عهد جمال عبد الناصر - الذي صادر أموال الكل وأفقر الجميع - يمتلك واحد على ألف مما يمتلكه اليوم إذ جاءت ثروة الجميع في عصر ما يسمى بالانفتاح على العالم كمكافأة على ما تم من معاهدة السلام المشهورة بين مصر والكيان الصهيوني، ونرجع لطلعت مصطفي الذي أدت شركته مهمتها على أكمل وجه وبنزاهة في مدينة السلام دفعها لأن تكون من الشركات " الثقة " في مجال البناء والتشييد لكنها ثقة لا تمتلك مال قارون بل مجرد رأس مال يستطيع ان يعينها على إقامة مشروعات كبيرة وليست عملاقة داخل مصر بالشكل المتعارف عليه بيروقراطيا، ولما كان الطموح الإنساني ليس له حدود والعلاقات التحتية ليس لها حدود أيضا فقد كان حتميا من الوصول إلى أعلى نقطة في الجاه والمال والثروة ومن ثم السلطة والإمارة والسلطان، وهنا فكر الأب والابن معا في بيع ارض فندق " الفور سيزون " المطل على نيل جار دن سيتي وقتها لبنك الدقهلية – أو هكذا قيل حينها - للحصول على سيولة نقدية تمكنهم من دفع الشركة للإمام فتصبح عملاقة وبالفعل تم البيع والشراء بشكل ما أو بآخر، لكن فعل القدر مالم يكن يتخيله لا الأب ولا الابن معاً اذ رسا عطاء عملية مترو الأنفاق المرحلة الثانية في فرنسا على طلعت مصطفى الأب وتحول مابين عشية وضحاها ومن خلال الشركة الفرنسية وفي لحظة الى بليونير، ماذا كان رد الفعل؟ .. ببساطة أراد أن يرجع في بيع ارض " الفور سيزون " ولما رفض المشترون كانت هنا بداية ارتداء عباءة قارون وسيناريو الطغيان الذي يمكننا أن نتخيله وانتهي مشروع المترو ومات الأب واكتمل بناء الفندق الذي تم استرداد أرضه أو ربما اغتصابها والتي أفلس فيها بنك الدقهلية ودانت لهشام طلعت الدنيا بحذافيرها وصار رجل البناء الأول في مصر ومن مدينة لمدينة ومن مشروع لآخر حتى صار مليار ديرا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ولم يتبق له إلا أن يتزوج السلطة فكان له ما كان من مناصب سياسية يعلمها الجميع وليست خافية على احد بل أنها في عالمنا المعاصر تكاد تكون مألوفة في العالم الأول والثاني والثالث، ومن خلال السلطة أصبح هشام عضوا فيما يسمى بلوبي المال والأعمال والسلطة في العالم العربي وهو لوبي مجازي يحوي إلى جانب رجال الأعمال والسياسة أمراء وسلاطين وعمم.
إذن فقد جاء الآن زمن اللعب مع الكبار، لعب على ثقيل، لا يرحم ولا يغفر ولا يتسامح والخطأ الصغير فيه بموتة لا قيامة بعدها في الدنيا أبداً، وبالطبع أمراء المال وسلاطين الجاه في وطننا العربي لن يتركوه يأكل من الكعكة وحده فمصر او السعودية او غزة او بغداد او غيرها من المدن ليست حكرا على احد او واحد فقط من الناس وهنا ظهرت " سوزان تميم " امرأة وضعت أنوثتها في بورصة الاستثمار مع الكبار في وطننا العربي، وشرب هشام بغروره الطعم ووقع في فخ لوبي العمالقة الكبار وتزوج سوزان عرفياً وانشأ لها شقة في الدور 21 بفندق الفور سيزون وصارت تتمتع بما لا تتمتع به ام أولاده وهو لا يدري أنها تلعب دورا آخر لصالح قوى اكبر منه يريدون فيه التخلص منه كما يريد العرب التخلص من الكيان الصهيوني بأن يلقوه هو وشركته في البحر.
كان يمكن ان يتخلص هشام من سوزان بنفس الأسلوب الذي يتخلص فيه رجال الأعمال في الغرب من عشيقاتهم قبل انفضاح أمرهم وشيوع الفضيحة بأن يتنازل عن جزء من الكعكة ولو مؤقتاً للطامعين فيه، لكن ساقه غروره للانتقام وان يعلن لها انه سيضع نهاية لحياتها وانه قادر على أن يحييها لو رضخت أو يميتها لو عاندت وكأنه الله حاشا لله فدخل هنا في عباءة قارون واندمج في عرق ملابسه الداخلية وأصبح بغروره وقلة إيمانه يمارس سيناريو النهاية.
رأيته من خلال عدسات التليفزيون وهو يمسك المصحف الشريف داخل الزنزانة ويبكي، الآن ظهر الله !!، أنا لا اشك لحظة في كونة مظلوما بنسبة او على الأقل لم يقتل وان المسألة بينه وبين سوزان لا تتعدي نوع من أنواع التهديد بالقتل التي يشتهر بها المصريون حتى مع أبنائهم عندما يقول الأب لابنة اذا لم تفعل كذا سأقتلك كتعبير مجازي لكن ما جعل المجازي حقيقة هو استعانته بضابط امن الدولة اللغز – المفصول من الخدمة - وهو يعلم ان هذا الضابط ليس أمين شرطة أو غفير درك ولكنه لغزا وأسطورة وداهية في علم الجريمة الناعمة وتدور حوله شائعات كثيرة أهمها عملية النصب التي نصب فيها على ساويرس " رجل الأعمال المصري " بأن ذهب للعراق أثناء ما كان يستخدمه ساويرس لصالحة في حماية قنواته التليفزيونية الفضائية ببغداد وكذلك شركة المحمول الخاصة به هناك واتفق مع عصابة على خطفه مقابل 2 مليون دولار لإطلاق سراحه وبلع ساويرس الطعم ودفع الدولارات فاقتسمها السكري بينه وبين العصابة التي استأجرها للنصب على سيده الذي وثق فيه، إن هذه الإشاعة من اهم الإشاعات التي أطلقها الناس على السكري وقتها ولو كان هشام طلعت ذكيا كما كان في السابق أو كما عهدتاه قبل ان يرتدي عباءة قارون ويندمج في عرق ملابسه الداخلية لكان عليه ان يعمل بالمثل القلاحي المصري الذي يقول " العيار اللي مايصبش يدوش " لكن الغرور والسلطة وحاشيتة من حوله الذين لا هم لهم سوى التسبيح بحمده واصطناع الخوف منه واجتناب النصح له دفعوه للحمق وانعدام الرؤية.
أن هذه جريمة قتل غامضة حتى هذه اللحظة ضحيتها أمرآة استثمرت أنوثتها في اللعب مع الكبار والكسب والثراء ولكنها جريمة أخذت أبعادا أعظم بكثير من كونها جريمة قتل فقط ويظهر جليا أنها مسألة تصفية حسابات قاسية يديرها فارون آخر " ذكي " من " قوارين " المال والسلطة في وطننا واعتقد أنهم لن يسمحوا بإعدام هشام وأنها مجرد " قرصة ودن " كما نقول نحن الفلاحون في مصر وسيخرج منها هشام بشكل ما او بآخر خاصة وانه لم تحدث سابقة في القضاء المصري ان تم إعدام المحرض على القتل وان كنت اشك ان السكري سيعدم لا محالة.
إن الله لا يحاسبنا على أفعالنا حتى وان كانت خطأ ولكن يحاسبنا على درجة الوعي بممارسة الفعل ودرجة إدراك نتيجة ما نقوم به من أعمال فليس العالم كالجاهل.
على هشام طلعت مصطفى أن يطلب من إدارة سجن مزرعة طرة ورقة وقلم ويكتب في الورقة أسماء كل من مارس عليهم دور " قارون " وان يعيد لهم كرامتهم التي أهدرها وسينجو، لا يعلم أسماء هؤلاء الناس المغدورين إلا هشام نفسه ولن ينجو إلا بعد أن يصفحوا هم عنه أولاً وان نجا عليه أن يحرق عباءة قارون وان يطلق السلطة والنفوذ طلاقا بائنا ويدرك ويعي أن لا عز إلا لله.
المجلة المصرية || نون

الأحد، 10 مايو 2009

حوار مع اللواء زهيري قائد مقر الرئيس السادات - الحلقة الاولى

mohi_ibraheem

 

بقلم: محيي الدين إبراهيم
noonptm@gmail.com

كان هناك ناس معينة تدخل للسادات بدون مواعيد مثل " عثمان احمد عثمان " والكاتب الصحفي " انيس منصور" ورئيس مجلس الشعب " سيد مرعى " لكن غالب الزيارات كانت بمواعيد مسبقة وكان المسئول عنها وعن اعطائي جدول بها سكرتيره الخاص " فوزى عبد الحافظ ".
اللواء عاطف زهيري
لكل زعيم أمة جانباً انسانياً لايراه فيه إلا المقربين منه أو الذين حاوطوه وشاركوه جزءاً ولو بسيطاً من حياته ، ولما كان الرئيس الرئيس الراحل محمد انور السادات من ضمن هؤلاء الرؤساء الذين حكموا مصر في فترات ساخنة وحرجة فقد راودتنا فكرة أن نحاول الكشف عن بعض الجوانب الإنسانية في حياة هذا الرجل والتي غفل عنها التاريخ وبشهادة رجال ونساء كانوا معه يقاسمونه الحياه ويشاركونه الفعل ورد الفعل ويرونه من زوايتهم لا من زاوية التاريخ، ومن ضمن هؤلاء الرجال الذين رافقوا الرئيس انور السادات لمدة ثماني سنوات كاملة اللواء اركان حرب عاطف زهيري الذي استمر قائداً لمقر الرئيس انور السادات حتى قبل وفاتة بثلاثة اسابيع فقط، قابلناه وحاورناه ووجدناه رغم تحفظه في كثير من المسائل بسبب تربيته العسكرية رجلاً يمثل الأصالة المصرية في اروع صورها كرجل عسكري وكمواطن مصري تجري في عروقة وحتى النخاع دماء تذوب عشقاً لمصر وشعب مصر ورموزها وسألناه:

كيف تعرفت سيادة اللواء عاطف زهيري على الرئيس السادات وكيف بدأت العلاقة؟التحقنا بالحرس الجمهورى فى أبريل 1971 وأول مرة ارى فيها السادات كانت فى الحرس الجمهورى عندما كلف الفريق المرحوم الليثى ناصر بالقبض على المجموعة التي عارضته وكانت تريد قلب نظام الحكم، تلك المجموعة التي جعلته يقوم بما اسماه " ثورة مايو " لقد شاهدتهم وهم أمام مكتب الليثى ناصر بعد القبض عليهم.

كيف جاء الأمر من السادات للفريق الليثي؟ قال له السادات بالحرف الواحد: " تقدر تقبض عليهم ياليثي خلال 24 ساعه ؟ فقال الفريق الليثي: يافندم خلال 4 ساعات سيكونون امام سعادتك. وبالفعل ذهب السادات مكتب الفريق الليثي في الحرس الجمهوري وجلس فيه مدة اربعة ساعات حتى جاءة الفريق الليثي بعد اربعة ساعات مقبوضاً عليهم.

اربعة ساعات؟اربعة ساعات او أقل.

كيف؟عن طريق ضباط خرجوا وكل واحد يقود سيارة جيب ومعة عدد من الجنود، عدد بسيط من الجنود وقبضوا عليهم جميعاً وكان أول المقبوض عليهم " محمد فوزى " و شعراوى جمعه وفايق محمد فايق ومجموعة إخرى من الوزراء والباقى تم أعتقالهم عن طريق الداخليه.

لهذه الدرجة وصلت حالة غضب السادات منهم إلى حد الإعتقال؟قدموا استقاله جماعيه ووضعوا البلد فى وضع محرج، وبعدين اهانوه في احد اجتمعاتهم.

اهانوه ازاي؟كانوا معتقدين انهم وضعوه كرئيس جمهوريه مؤقت على أساس أن يكون مجرد لعبه فى ايديهم يفرضوا عليه قرارات أو شخصيات تتولى الحكم فى البلد.

وهل هذا دافع للإعتقال؟السادات رجل قائد والبلد كانت في وضع حرج جداً وكان في اعتقاده انه مادام اصبح في موضع المسئولية فعليه أن يتخذ القرار الذي يراه صواباً وفي مصلحة الوضع الذي كانت تمر به مصر وقتذاك، وبعدين السادات لم يكن حديث عهد بالعمل السياسي بل سياسي محنك وتاريخه حافل بالأحداث من قبل قيام الثورة بزمن.

إذن كانت هذه اللحظة – لحظة الإعتقلات – هي المرة الإولى التي ترى فيها السادت؟بالضبط

ولكن هناك من يقول أن دافع السادات لإعتقال هؤلاء الوزراء اهانته الشخصية وسب امه في احدى المجالس؟كانت جلسات مجلس الوزارء المصرى وكانت معلنه وقام شعراوي جمعه وقال له: يا أبن "البربريه " انت فاكر نفسك رئيس الجمهوريه بصحيح ؟! إحنا اللي عملناك رئيس جمهوريه .. إحنا إللي حاطيناك على الكرسى .. ومحطوط منظر كمان.

ياخبر اسود؟ومادمت بتبحث عن الجانب الإنساني في شخصية السادات لازم تعرف انه بالرغم من اهانة شعراوي جمعة له وبشكل علني إلا انه راعى حالته الصحيه ووضعه بعد الاعتقال فى مستشفى ثم أفرج عنه بل أفرج عنهم كلهم بعد كده.

وكان تعيينك بعدها قائداً لمقر السادات؟أتعينت من ضمن أربعه ضباط من الحرس الجمهورى وكنا مسئولين عن تأمين مقر الرئيس وكنا تحت مسمى القائد منوب المقر يعنى بنطلع بالإنابه يعنى واحد وراء واحد كنا أربعه ومن خلال خدماتى كنت بمسك يوم نبطشى 24ساعه كل أربعة أيام.

كان دورك حماية المقر أم حماية الرئيس؟شخص الرئيس بالنسبة لي كمسئول عن الحماية هو المقر .. بمعنى أن مكان تواجد الرئيس انا مسئول عن حمايته مع رجالي .. لكن انا كنت دائماً في معيته اينما ذهب.

 
محيي ابراهيم في لقاءة مع اللواء عاطف زهيري
هل كان لك شخصياً علاقة باسرة السادات بحكم عملك؟تعرفنا على السادات والعائله كلها بالطبع وكان أولاده مازالوا صغارا وكثيراً ماكانوا يلعبون بجوارنا وتحت حمايتنا في بيت الجيزة بشارع الجيزة الواقع على النيلً.

وماذا عن السيدة جيهان السادات؟كانت السيده جيهان السادات كل يوم الصبح بنفسها تنزل تتطمن على الاحوال فى مكتب قائد المقر تشوف الثلاجه بتاعته تشوف الإحتياجات الاداريه للمشروبات وخلافه وتشوف نظافه المقر ومبنى اداره قيادة الحرس الجمهورى وكذلك مقر السكرتاريه والنظام كله وهل هل هناك مشاكل أداريه أم لا.

هل كانت السيدة جيهان تتدخل في الأمور الفنية للحماية؟ اطلاقاً.. لم تتدخل فى المشاكل الفنيه أو فى العمل كان همها كله منصب حول راحة الحرس وانه ليس هناك مشاكل ادارية.

ماهي حدود مسئولياتك آنذاك؟مسئول عن أخراج الحراسها الخاصة بالسادات وأى حد يدخل مقر السادات لابد يدخل عن طريقى.

هل كل لقاءات السادات كانت تتم بميعاد مسبق؟كان هناك ناس معينة تدخل للسادات بدون مواعيد مثل " عثمان احمد عثمان " والكاتب الصحفي " انيس منصور" ورئيس مجلس الشعب " سيد مرعى " لكن غالب الزيارات كانت بمواعيد مسبقة وكان المسئول عنها وعن اعطائي جدول بها سكرتيره الخاص " فوزى عبد الحافظ ".

من هي أبرز الشخصيات التي كانت دائما تتردد على السادات فى مجالات الفن بلاش السياسة ولكن مجالات الفن والثقافة؟في الحقيقة لم يكن يقابل السادات احداً إلا بناء على ميعاد سابق أو بطلب شخصي منه، وهو في الحقيقة كان يحب الفن والفنانين ورجال الادب والثقافة لكن النيس منصور هو الوحيد منهم الذي كان متواجداً باستمرار مع السادات دون ميعاد سابق.

اشمعنى انيس منصور؟أنيس منصور كان فى هذا الوقت الصحفى الوحيد المقرب للرئيس السادات لدرجة انه كان يكتب له خطبه احياناً ويطلعه على بعض أفكاره وكان اللقاء بينهما يوميا ولمدة ساعة على الأقل مع عثمان أحمد عثمان يمشوا لمدة ساعة كل يوم من الساعة 4 بعد الظهر للساعة 5 لابسين شورت أو تريننيج وبعدين أنيس منصور رجل فليسوف وصاحب فكر وله تجارب عريضه وتجارب صحفيه وأنسانيه وله علاقاته العامه التي كان يحترمها السادات فكان يستفيد منها من خلال طرح بعض المشاكل عليه ليتلقى منه الحلول أو الردود التي تساعده على أتخاذ قراره أنيس منصور فى هذا الوقت كان أنسان مخلص وأنسان يعطي أفكاره وأراءه لصالح البلد ولصالح سمعة مصر وقيادة الرئيس السادات.

هل كان هناك مواضيع معينة كانت ثابته في الحوار؟موضوعات عامه وكثيراً ماكانت موضوعات تخص البلد ، يعني أفكار جديده فى بعض العلاقات الخاصه بالدول الاجنبيه مثل أمريكا وأسرئيل، حيث فكان دائما أثناء المشى ينتهز الفرصة وتواجد عثمان وأنيس ويطرح عليهم أفكاره ويتقبل منهم كلامهم ثم بعد المشى يطلع يأخذ الدش ويتغدى.

هل كان السادات يميل للروحانيات وعلوم السحر؟يميل الى الروحنيات نعم لكن يميل للسحر اطلاقاً لانه كان أنسان مؤمن وكان مصلى وكان بيصوم كل يوم أثنين وخميس وكان الرئيس السادات ينفر من ممارسات السحر والسحرة ، وكان كثيراً مايردد في هذه الحوارات الخاصة بالسحر أنا لا أحب هذه الممارسات، لكن جيهان تحب ذلك!.

إذن كان يؤمن بالروحانيات فقط ؟كان يقرأ كثيراً فيها وكان دليله في ذلك انيس منصور وكان عشقه لكتب الدكتور ابو الخير في علم الروح وللدكتور ابو الخير نفسه.

اهم حادثة روحانية تعلمها وآمن بها السادات؟حادثه خطيره الله يرحم الدكتور عبد الحليم محمود كان شيخ الازهر فى السبعنيات قبل حرب 73 مباشرة يعنى أقل من شهر أو فى حدود شهر وقتها طلب مقابلة الرئيس السادات وقال له فى هذه المقابلة أننا رأيت رؤيه فى المنام أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشرنى بالنصر وأذا حاربتم أسرائيل هتنتصروا عليها.

والسادات صدق؟الرئيس السادات أعتقد تماما فى هذا الكلام وأعتقد تمام فى أنه لو دخل المعركه هينتصر بإذن الله رغم انه كان معلوماً في ذلك الوقت لو تم مقارنه عامه للقوات بين الجانب المصرى والجانب الاسرائيلي المدعوم بالجانب الامريكى نجد أستحاله أن القوات المصريه تتقدم خطوه واحدة بعد قناة السويس.

يعني رؤيا الشيخ عبد الحليم كانت السبب؟ربنا سبحانه وتعالى ساعد الجيش المصرى فى أنه ينتصر هذا النصر العظيم فى اكتوبر 73 وايمان شعب مصر بكل طوائفه مسلمين ومسيحيين بوطنهم كان الحافز الرئيس للنصر.

بمناسبة الحديث عن النصر ألم تكن مظاهرات المصريين هي الدافع للسادات بخوض الحرب؟السادات من أول يوم تولى فيه الحكم كان حاطت فى أسبقيه أولى ضمن أهدافه وهي تحريك وضع اللا حرب واللا سلم الذي كانت تحياه مصر ربما يعود على مصر بوضع أفضل.

ولكن المظاهرات حدثت بالفعل وكان فيه نوع من الاعتقالات سنه 72 ضد السادات لدفعه للحرب ؟
لانه وعدهم بالحرب، فهو كان بيوعد فى كل خطاب من أول يوم كان بيوعدهم بانه سيحارب أسرئيل وكان يسمي الأعوام تارة بعام الحزم وتارة بعام الحسم فالناس أستعجلت هذا العام أو أستعجلت هذا القرار فكانوا دائما يدفعوا السادات أنه يتخذ قرار الحرب بسرعة.

وهل السادات لم يكن يريد اتخاذه؟تقصد قرار الحرب؟ أنا حضرت عدد من مجالس عسكريه للحرب، و الخطه كانت جاهزه قبل 73 ولكن السادات كان يرى بعض قصور فى الخطه وهذا القصور كان من وجهة نظر السادات يتركز في الجانب الروسى حيث لم يكن يمدنا بالسلاح طبقا للاتفاقيات أو طبقا للعهود ويبدو ان قرار استبعادهم من مصر كان هدف السادات قبل اتخاذ قرار الحرب حتى لايكون هناك فضل لأحد على مصر في حالة النصر الا الله وقدرة الجندي المصري.

هل قرار وقف الحرب بعد العبور كان قراراً صائباً؟الروس منعوا عنا امداد السلاح، واثناء الحرب استهلكنا اكثر من الكمية التي خططنا لها من السلاح والوقود واحتياطات الذخيرة، ولو لم يتخذ قرار الوقف ربما كانت حصلت كارثة.

ولكن لم يفصح السادات عن ذلك وقال فقط انه لايستطيع محاربة امريكا؟هل تريد من قائد اعلى للقوات المسلحة اثناء الحرب يقول سأوقف الحرب لأنني لاأمتلك سلاحاً؟ لقد عثرنا على دبابات اسرائيلية عدادات الكيلوميترات الخاص بها على 15 كيلو فقط اي انها طازة نازلة من الجو لإمداد الجيش الإسرائيلي، فكان لابد من خدعة خاصة ونحن بمفردنا في الحرب بدون ذخيرة تكفي يوم أو يومين، والحرب خدعة، فقال لن احارب اميركا، وبعدين استراتيجياً هذا القرار تم اتخاذه من منطق قوة .. انت استوليت على البر الشرقي كله وحركت الماء الراكد و ذلينا إسرائيل خاصة بعد مقال حسنين هيكل عن الثغرة وقد كان بمثابة نقطة ضعف لمصر.

هل تعتقد أن هذا القرار – قرار وقف الحرب - أكتسب به السادات كارت عند الامريكان خاصة لما قال أنا مقدرش أحارب امريكا؟
السادات كان 
رجل ذكى جدا ووجد ان العالم كله بما فيها أمريكا والدول ألأروبية وأسرئيل نفسها كانت بتسعى لوقف الحرب بأى صوره لدرجة إن جولدا مائير أيامها كانت بتصرخ فى أمريكا و بتقول لهم إن المصريين سيدخلوا أسرائيل فألحقونا أنجدونا لذلك أمريكا دخلت بكل ثقلها فى المعركه فلما العالم وجد السادات اعطى قرار أيقاف الحرب اعتبروا أن المصريين اعظم شعوب مارست العسكرية في القرن العشرين حيث اتخذوا قرار الحرب وحطموا خط بارليف الذي لايقهر واتخذوا قرار وقف الحرب حيناما رأوا انهم حصلوا على ماسعوا إليه وانتصروا واحترمهم العالم كله ونحن ايضاً كنا في قمة احترامنا لأنفسنا، لو كانت استمرت الحرب ونحن بلاذخيره بينما اسرائيل يأتيها المدد من الجو وحدث شئ غير النصر خاصة واننا خرجنا مهزومين عام 67 لكان ذلك اصبح قصمة ظهر للشعب المصري والعربي، وبعدين لم يكن قرار ايقاف حرب ولكنه أعطى قرار بأيقاف القوات المسلحة عند هذا الحد من التقدم نحو الشرق في سيناء وقال بالحرف الواحد لاتتقدموا بعد هذا الحد واعتقد ان قراره هذا كا في عظمة قراره باتخاذ قرار الحرب تماماً يمكن فيه بعض العسكريين ولا داعى لذكر الاسماء عارضوه فى هذا القرار لكن لم يكن هناك خياراً بديلاً


انتظروا الحلقة الثانية العدد القادم

الثلاثاء، 5 مايو 2009

الاثنين، 4 مايو 2009

دور فاروق شوشة في وعي المصريين - ضياء الجبالي

" دراسة أكاديمية.. " لحجم دور الفساد , والإفساد الفكري الذي لعبه المذيع فاروق شوشة في تدمير الشعر ؛ والأدب ؛ والثقافة ؛ والفكر ؛ ومِن ثم َّ الوعي المصري ؛ ثم َّ العربي .. إبـَّان فترة وصايته ..

في حناياكَ الود - حليم كريم السماوي

هاجرت ُغصباً ياحبيبي وقد فارقتني مُكرَه افارقُ شمسُكَ واذوق طعم البعد مهموما وانت اليكَ أ َسَرتـَـني .

على أواه أيام الاستعمار..! - صالح خريسات

بعض البلاد، لا يصلح معها إلا الإحتلال . فقد كانت تحكمها سلطة قوية مستبدة ، ولكنها كانت حكيمة، في مراعاة مصالح الناس، وحماية أرواحهم، وممتلكاتهم من عبث العابثين! ، على غير ما هو واقع الحال، في الصراعات الدامية المتكررة، في كل سنوات مابعد الإحتلال .

إصرخ بوجه الخوف : ذا قدري - شعر يحيى السماوي

إركبْ فما أقـسى الوقـوفَ على جُـرْف ٍ وأنتَ المُـبْـحِـرُ الطـَّـلِـقُ مـاذا سَــتـَخـسَــرُ وهـيَ مَـيِّـتـَة ٌ دُنـيـاك َ مـنذ ُ تـَغـَـرَّبَ الـعُـشـُق ؟

قصيدة غزّة - سليمان دغش

في اجتيازِ سياجِ الحديقةِ... ما أضعَفَ الطائراتِ أمام الفراشاتِ حينَ تُضيءُ الفراشةُ من لَهَبِ الطائراتِِ جناحَ الحقيقة ...!

الأحد، 3 مايو 2009

حلم العودة - منير مزيد

ضوءٍ إلهي يلمعُ في أعماق الحلم تَسْمحُ حبيبتي لروح الظل الحزين أن تبلل فكري بالدموع لـ أُحرق قلوب الحاسدين و العشاق...

وصفٌ لشامةٍ على خد شكسبير - نعيم عبد مهلهل

جميلة الحياة فوق تراب الوطن . القيثارات تعلو عواء الكلاب ، وحفيف أوراق شجر السرخس يعلو شهقات المضاجعة . والأحلام تسير بأقدام حافية فقد فجر إرهابي مصانع باتا كلها . فمن أين نأتي بحذاء كي يسكت فيه خروتشوف فوضى القاعة في مجلس الأمن.

إنفلونزا الخنازير وباء جديد يدق ناقوس الخطر - د. محمد مسلم الحسيني

الخنازير، كالإنسان وكسائر الحيوانات الأخرى، قد تصاب بمرض " الإنفلونزا " وهو مرض تسببه فايروسات خاصة. هذه الفايروسات لا تنتقل من الخنازير الى الإنسان إلاّ في حالات نادرة حيث يصاب بها الإنسان خصوصا المزارعين والمربين لهذه الحيوانات.

المثليون في العراق .. ضحايا من؟؟ - تانيا جعفر الشريف

معظم الشاذين في مجتمعنا العراقي هم ضحايا تجربة تافهة غير محسوبة حصلت في مرحلة الهيجان الحيواني بعمر الصبا أو ضحايا إغتصاب مبكر وهذا أمر طبيعي في مجتمع كالعراق إما الذين إتخذوا الشذوذ منهجا سلوكيا بإرادتهم فهؤلاء ينبغي التعامل معهم كمجرمين لايختلفون عن القتلة والسراق وسواهم.

الجمعة، 1 مايو 2009

سوء تفاهم ابداع الكاتب المصرى بشر فارس - توفيق حنا

"ان القصصى لايستطيع ان يعطى ماشاء، على ان يكون مخلصا للحياة، للفن، للقارئ" اردت بهذه الكلمات القليلة ان اقدم تحية للرائد الشاعر بشر فارس بمناسبة مرور 44 عاما على رحيله.

الثلاثاء، 28 أبريل 2009

وطن على شاهدة قبر - د. مقداد رحيم

قراءة في المجموعة النـثرية "شاهدة قبر من رخام الكلمات" للشاعر العراقي يحيى السماوي ,والتي تصلح درساً في الوطنية، فقد كرَّس الشاعر يحيى السماوي فيه كلَّ ما يمكن قوله في وطنه العراق المملوء بالمآسي والمفارقات محتلاً وغيرَ محتل.

مقترح قرائي لنص (ومضات) للشاعرة ضحى بوترعة - أمجد نجم الزيدي

يأتي المتن القرائي ليعيد تنظيم تلك الدلالات وبناء النص على نفس الحوارية بين الذات والكون من خلال اكتشاف تلك الصلة الخفية بينهما.

حزب الله .. والسيادة الوطنية - طارق عبده

ألم يحن الآوان لمراجعة اتفاقيات كامب ديفيد التى ارتهنت سيناء ، وقيدت ابطال اكتوبرعدداً وعتاداً حتى ان اول خط دفاع عن سيناء على بعد 150 كم من الخطوط الدولية لمصر فى مقابل 3 كم فقط على الجانب الاسرائيلى.

الدكتور العتوي - حيدر مفيد الصائغ

الدكتور عتوي قسم الموضوع إلى قسمين منفصلينً؛ القسم الأول (القمع) وهذا ما مارسه ضد العراقيين الأبرياء في مرحلة القائد الضرورة، والقسم الثاني هو (الترشيح) للانتخابات، وهذا ما مارسه في مرحلة الجرذ المقبور.

حبيبتي الإلكترونية - قصة د. إيمان مكاوي

زوجتي تمر عليَّ من حين لآخر ..أشعر أنها تراقبني ...نظراتها ترهقني ..قد تكون على علم بأنني أنتظرها ..فلقد اكتشفت ذات مرة أنني أحادث أخريات على الماسنجر ..ولكنها لم تعلق ..ولم تهتم ..أظنها لم تعد تحبني.

المتزوجة العاشقة - زياد صيدم

بدت مشرقة الوجه بنضارة تتفتق من وجنتيها وشفتيها، وبشعرها المنسدل إلى أسفل أكتافها دون كوابح تلجمه، وبقوام ممشوق تناسقت فيه أنوثتها بملابس صيفية خفيفة..

تأملات في مهبّ الريح - خيري حمدان

المطران كبوتشي قال في إحدى محاضراته بأنّه دافع بضراوة في كتاباته، عن اليهود الذين اضطهدوا خلال الحرب العالمية الثانية، وذلك لأنّه يكره الظلم والعدوان وامتهان النفس البشرية. المطران ذاته (وأنت) وأنا أصبحنا بين ليلة وضحاها ضحية الضحية.

نساء في البورصة - علياء المالكي

قد أعود يوما ً الى هذا المنزل وقد أجده في مكان آخر لأتسوق مشاهدَ جديدة من نساء سوق البورصة حيث تشير الاسهم حتما ً بالنزول وقد تهبط بلا مهبط وقد تصبح صفرا ً فنفتح الباب ولا شيءَ يوحي بوجود إمرأة في هذا المكان فنعزيه لنظرية التبخر ..

الاثنين، 27 أبريل 2009

توراة وعشق وتصوف - نعيم عبد مهلهل

الله أعطى لنا الأنبياء والمكتشفين والساسة والفلاسفة ليقفوا في صف واحد يؤدون تحية الخضوع لقديس واحد أسمه الخبز.

لـماذا تـأخـرتِ دهـرا ً عـلـيّـا ؟ - يحيى السماوي

فـحـيـنـا ً أفـتِّـشُ عـنْ دجـلـتيَّ وحـيـنـا ً لأهـربَ مـنْ دجـلـتـيّـا ! فلا كـنـتُ مَـيْـتـا ً ولا كـنتُ حَـيّـا ! ولا كـنـتُ في مـوكـبـي بـابـلـيّـا ً ولا كـنـتُ في زورقـي سَـومَـريّـا !! لـماذا تـأخَّـرت ِ دهـرا ً علـيّـا ؟

الجماجم - ترجمة علي سالم

هذه القصة " الجماجم " بقلم الكاتب النرويجي انگفار آمبيورسن الذي تتميز كتبة بأوصاف واقعية ذات مرجعية عالية فيما يخص الجانب الأكثر بشاعة من العالم . أبطالة على الدوام غرباء ولامنتمون

حرية الفكر والاعتقاد والتدين - صالح خريسات

الإنسان، يمتاز بنزعته الدينية، و ميله إلى التدين، و الإيمان بقوة عليا، تسيطر على هذا الكون، وهذه النزعة الدينية، أمر فطري في الإنسان يولد وهو مزود به، وينبع من أصل طبيعته الخلقية.

شرف المرأة وشرف الرجل والسؤال الممنوع - تانيا جعفر الشريف

في أوروبا لا يوجد أسلام ولكن توجد عدالة الأسلام في جرائم الخيانة الزوجية فهناك تراعى كافة الضروف وتنطبق الأحكام القانونية على الفاعلين دون تمييز للجنس لأن القوانين إنما وجدت لتنظم العلاقه بين البشر وليس بين رجال ونساء.

الانتخابات البرلمانية الثالثة في اقليم كردستان العراق - صباح قدوري

اصبح المرء يشعر، بان الجهاز الفيدرالي يدار وبشكل مباشر عبر الاوامر من الحزبين، وانعدام الفصل بين السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية وحتى السلطة الرابعة- الاعلام ، وبذلك اصبحت مؤسسات هذا الجهاز اداة هامشية لا حول ولا قوة لها.