يحدثنا كرومر عن مأساة دنشواى التى اراها الهدف العميق من حديثه عن عباس الثانى. كما اراها عقدة كرومر التى بسببها تحطم سلطانه الذى دام ربع قرن.. يقول: "ثم جاءت حادثة دنشواى الموجبة للأسف التى كانت من نتيجتها الحكم على بعض المتهمين باحكام – وان لم تكن غير عادله- الا انى اعترف الان بانها كانت فى منتهى الصرامه.
* افتتاحيه:
يسجل لنا هنا فتحى خليل هذا الموال الذى يحكى مأساة دنشواى والتى انتهت بطرد كرومر من مصر.. بعد حملة شجاعة قادها الزعيم المصرى مصطفى كامل فيقول:
*بعد حكم المحاكم والشاويش والباش.
*ملايين وسقها كرومر معجبة للباش.
*اتفرعنت الانجليز بعد ما كانوا اوباش.
*نزلوا على دنشواى ماخلوا نفر ولا اخوه.
*اللى انشنق انشنق واللى فضل جلدوه.
*واللى نطق كلمة الحق فى سجنهم ورموه.* *يوم شنق زهران كانت صعبه وقفاته.
*أمه تبكى عليه من فوق السطوح واخوته.
*وكان له اب زى السبع يوم الشنق لم فاته.
*ولاجل نصر الديانة اتانا مصطفى كامل.
*راح البطل فى الحال ولا تأناش
*قالوا له طالب ايه يامصطفى كامل فى الحال قوام.
*قالوا له ادى الدوا والقلم.. فى الحال قوام فيدنا.
*قال انا طالب عزل كرومر م البر ختموا له.
*وطالب مساجين مصر تخرج فى الحال خرجوا له.
*وطالب مال لصاحب الدم صرفوا له.
*ارتد فرحان على استنابول بالمزيكه ضربوا له.
*رجعوا سقوه.. مات.. ياخسارة ياكامل باش.
وجدت هذا الكتاب فى مكتبتى .. لا ادرى متى حصلت عليه.. او كيف .ولعلنى اشتريته من احدى مكتبات سور الازبكيه منذ عدة عقود.
يقول المترجم (من الغريب انى بحثت عن اسم هذا المترجم او المعرب. ولكنى لم اجد الا اسم فؤاد تحت كلمة المعرب) يقول هذا المعرب ولا ادرى هل هو مصرى وأهتم بتاريخ مصر..او..؟
"امانه اؤديها.. لازياده ولانقص.. هكذا كتب المؤلف وهكذا ترجمت..فاذا كان للنقد موضع فى حسن الاسلوب وصحة الافاده فما للنقد موضع فى امانة الرواية وضبط الترجمه "ثم يضيف المعرب فؤاد: "غير انى زينت الكتاب بصور لا اثر لها فى الاصل الانكليزى وذلك لعلاقاتها بفصول الكتاب.. اردت ذلك زيادة فى افادة القراء"
تحت كلمة "مقدمه" يقول كرومر:
"جئت فى كتابى" "مصر الحديثه" الذى طبع فى ربيع عام 1908.. على تاريخ الاصلاح فى القطر المصرى حتى شهر مايو سنة 1907"
والمعروف ان كرومر غادر البلاد بعد مأساة دنشواى بعد ان قام مصطفى كامل بحملته ضد كرومر فى مصر وفى الخارج.. وكان كرومر الحاكم الفعلى لمصر رغم وجود الخديو عباس الثانى.. ويقول كرومر مستأنفا حديثه:
"غير ان تفاصيل الحوادث السياسيه المصريه اى التى لادخل لحوادث السودان فيها لم تتعد وفاة توفيق باشا فى 7 يناير 1892.. وكنت عند طبع كتابى قد اعدت تفصيلا وافيا للحوادث التى وقعت بعد ارتقاء عباس الثانى الخديويه المصريه بوقت قصير، الا انى لم ار من الصواب البحث علانيه فى تاريخ مصر فى ذلك العهد"
ثم يقول موضحا الاسباب التى دفعته الى تأليف هذا الكتاب:
"قد كان معظم ماوصلنا حتى الآن سواء كان اعمال عباس الثانى او اخلاقه ناقصا او منحرفا، وذلك اما لتشبع سياسى وهو سبب سهل الادراك عندما يكون ذلك التتبع ناتجا فى اكثر الاحيان عن خطأ فى معرفة ماهو صالح لمصر" .. وهنا نلمس مدى مايشعر به كرومر من مسئوليات كمسئول استعمارى ووصى على حكم مصر" ثم يقول عن اسباب هذا التشيع " واما لمجرد الطمع بالربح الشخصى، وهذا السبب اقل استحقاقا للعذر من الاول، الا انه فى اغلب الاحيان يكون الخطأ ناشئا عن قلة المعلومات الصحيحه التى يوثق بها لتبنى عليها الاراء المستقله"
كتب كرومر هذا الكتاب فى لندن فى 28 يناير عام 1915 بعد خلع عباس الثانى.. يقول:
"ان الاسباب التى كانت تدعو منذ سبع سنوات الى الصمت والتكتم فى هذا الموضوع لاوجود لها الآن.. على انه من المرجح –ولو انه غير محق- ان عباس الثانى لو ظل يدس الدسائس فى الظلام للانكليز مسدلاً من البراعه والرصانه على كرهه المتناهى لهم لبقى خديويا على مصر الى يوم وفاته"
وانا ارى فى كلمات كرومر دفاعا –غير مقصود طبعا- عن موقف عباس الثانى الوطنى والسياسى.. يقول ايضا:
"الا انه قد فضل ان ينضم الى اعداء بريطانيا العظمى (بإعتبار ماكان!) معتقدا على الارجح انه قد انضم الى الفريق الذى سينال النصر النهائى فى الحرب الحاضره، فانتحر باتباعه هذا الطريق انتحارا سياسيا ولذلك لم يبق الآن مايمنع من رواية الحوادث التى تلت جلوسه.. وانى لآمل ان هذه الروايه تثبت اعتقاد الشعب البريطانى بان حكومة جلالة الملك لم تعمل بخلع حاكم مصر السابق عملا عادلا بل سلكت افضل سلوك فى مصلحة الشعب المصرى"
ويقول كرومر محددا هدفه من كتابه هذا عن الخديو عباس الثانى:
"هذا الكتاب يبحث فى فصل صغير من التاريخ المصرى، ولم احاول ان اكتب تفصيلا للحوادث التى وقعت فى مصر منذ عام 1907، فانى ارجو ان تاريخ هذه الحوادث يكتبه شخص كفوء فى حينه، على ان ذلك لايمنعنى من ان اذكر باختصار تام فكرى الخاص بشأن اهم مامر بمصر من الادوار المختلفه فى السنين الثمانى الاخيره"
ولعله يريد ان يتحرر من ذكرى مأساة دنشواى التى كانت سبب انهاء خدمته فى مصر.
ويقول مؤكدا هذا المعنى:
"ان صديقى العزيز السيد الدون غورست خلفنى فى احرج الاوقات فى منصبى الذى صرفت فيه اربعة وعشرين عاما"
وهو لاينسى ابدا ان مصطفى كامل والحزب الوطنى كانا وراء انهاء هذه الخدمه التى استمرت مايقرب من ربع قرن.. يقول: "لقد كان للحزب الوطنى فى مصر، مع انه كما كنت اعتقد دائما وكما ثبت فيما بعد، لايعبر عن اراء المصريين ومصالحهم الحقيقيه، شأن يذكر فى ميدان السياسه المصريه لانه كان يبدو لعين الناظر عرضا كان ذو نفوذ وسلطان واهميته هو فى الحقيقه لايملك شيئا منها"
ثم يحدثنا كرومر عن مأساة دنشواى التى اراها الهدف العميق من حديثه عن عباس الثانى. كما اراها عقدة كرومر التى بسببها تحطم سلطانه الذى دام ربع قرن.. يقول: "ثم جاءت حادثة دنشواى الموجبة للأسف التى كانت من نتيجتها الحكم على بعض المتهمين باحكام – وان لم تكن غير عادله- الا انى اعترف الان بانها كانت فى منتهى الصرامه، فتناولها خصوم الهيئه الحاكمه فى ذلك الوقت وصوروا الروح العامه التى كان الحكم فى مصر يسير بموجبها تصويرا لاينطبق على الحقيقه"
وفى هذه الكلمات نلمس اعتراف كرومر بصرامة الاحكام وقسوتها وانها غير عادله.
ثم يهاجم عدوه وخصمه السياسى عباس الثانى بقسوه وصرامه ويقول:
"انه كان استاذا فى فن الدسائس الحقيره، وقد اعتاد على السير المعوج حتى انه لايستطيع ان يواظب الى امد طويل على خطه مستقيمه فى اعماله" ثم يستأنف هجومه على الوزراء المصريين: "اما مقدرة الوزراء المصريين على الحكم فقد تحسنت تحسنا مستمرا منذ ربع قرن، فسادت بينهم حاله مرضيه من الامانه والكفاءه، وبدا المستقبل ساطعا بالامال بزيادة التقدم فى هذا السبيل".. وارجو الا يخدع القارئ بهذه الحقائق الايجابيه التى تخفى وراءها هذه الحقيقه التى نلمسها فى هذه الكلمات "منذ ربع قرن" اى فى اثناء سلطانه الاستعمارى "وكأن كتابه عن عباس الثانى يريد به دفاعا عن حكمه وسنوات خدمته التى دامت ربع قرن –يقول عن التعليم:
"ان هناك كثيرين من كبار رجال السياسه ومن الصحف النافذة الكلمه لايكلون عن الالحاح بوجوب ترقية التعليم المصرى مقدمه للاسراع فى التوسع فى الاستقلال الداخلى.. اما انا شخصيا فلا اعتقد ان التعليم الذى يلقن فى المدارس والكليات يجعل المصريين اكثر كفاءه للحكم الذاتى العام مالم يقترن ذلك ببعض الانقلاب والتغير فى اخلاق الامه وسجاياها وهذا أمر لابد ان يكون السير فيه بطيئاً "
ولاادرى كيف واتته الشجاعه –او التهور- ان يحكم على اخلاق الامه وسجاياها. هذه الامه التى علمت الانسان اصول الحضاره والضمير والاخلاق منذ آلاف السنين..
وفى نهاية هذه المقدمه يقول:
"وقبل ان اختم هذه المقدمه اقول ان الفصل الاخير فى هذا الكتاب هو الفصل الوحيد الذى كتب حديثا، اما الباقى فقد كتب كله منذ بضع سنين عندما كانت الحوادث المشار اليها جديده فى الذاكره" (فى آخر هذه المقدمه يسجل كرومر تاريخ كتابة هذا الكتاب، 28 يناير 1915)
ثم يحدثنا كرومر عن جلوس عباس الثانى:
"ابلغت فى يوم 7 يناير 1892 ان المرض قد اشتد على الخديوى توفيق باشا حتى بلغ درجة الخطر، وكان سموه يسكن فى حلوان.. فاسرعت الى هناك ورايت الطبيب الالمانى الذى كان متوليا علاجه، فاخبرنى ان الخديوى لايعيش اكثر من بضع ساعات.. لم يكن هناك ادنى شك فى ان البرنس اكبر انجال توفيق هو بمقتضى فرمان السلطان الصارم عام 1813 ولى العهد الشرعى" (توفى الخديوى توفيق فى الساعه السابعه مساء 7 يناير 1892)
وصل عباس من فيينا يوم 16 يناير.
يقول كرومر عن الانطباع الاول عن عباس: "انى ارى ان الخديوى الشاب سيكون مصرياً بحتا"
ولكنه يقول:"هل كان ينتظر ان شابا فى سن الثامنه عشر (ولد عباس فى 14 يوليو عام 1874) قليل الإختبار حديث تخرج من كلية نمسويه حيث تلقى علوما جيده غير انها ضيقة النطاق يمتلك مايلزم من الذكاء والصبر واصاله الرأى والقدره على كبح جماح النفس يستطيع ان يطبق رغائبه وامياله على مستلزمات نظام كهذا"
ثم يقول ايضا:
"ان الخديوى قد ابدى طيشا وحماقه فى اشياء صغيره عديده غير انه صغير السن قليل الخبره فلا يجب لهذا ان نتسرع فى الحكم عليه"
ثم يتساءل كرومر:
"هل كان من المحقق ان الخديوى مصرى بالفعل كما كان يبدو منه عند اول النظر اليه؟"
وعلى سؤاله يجيب:
"ان ظواهر ثباته كانت تدل على رغبته ان يقف موقف المصرى الغيور على وطنه" ثم يقول: "ظهر جليا ان الخديوى لايهتم اهتماما حقيقيا فى شئ من الامور التى تؤثر فى مصلحة الشعب المصرى وسعادته، وان غيرته الوطنيه لاتبدو فى الغالب الا عندما يخيل اليه ان اهانه لحقته وان من طباعه الصلف والاستبداد ، وانه لايعدل فى استعمال السلطه التى بيده، وانه بوجه عام يهتم بمركزه الشخصى ورفعة قدره وهيبة منصبه اكثر كثيرا من اهتمامه بمصلحة رغبته الحقيقيه"
ثم يقول وكانه يصدر حكما بعد هذه الحيثيات:
"لذلك وجب بذل العنايه التامه لكى لا يستجد تحت ستار الغيره الوطنيه التى استعملت لاخفاء اعمال طيش عديده وغايات سيئه سافله –نظام حكومه فرديه مستبد وتشابه فى مبادئها النظام القديم الذى بذلنا غايه الجهد وعملنا مشاق عظيمه فى ابطاله والقضاء عليه"
ثم يوضح لنا موقف الخديوى –وهو موقف اى حاكم وطنى- من الاستعمار او الاحتلال الانجليزى:
"كان الخديوى ينظر لكل مواطن انكليزى فى خدمة الحكومه بعين الكره والعداء، ولما كنت انا ايضا مندوب بريطانيا العظمى فقد وجدت نفسى فى مقدمة هؤلاء الاعداء المكروهين"
وانا ارى فى هذه الكلمات دفاعا –غير مقصود- عن الحاكم المصرى الوطنى.
ويحدثنا كرومر عن فلسفته فى الحكم وممارسة السلطه:
"قد يحدث فى بعض الاحيان عند سنوح الفرصه للضرب ان لايكون من الصواب تأجيل ذلك بل يجب ضرب الضربه القاضيه بلا تردد، وقد كانت حادثة خلع الخديوى اسناعيل وضرب الاسكندريه من هذا النوع"
وانا ارى من وجهة نظر مصريه خالصه ان اسماعيل وعصره الذى استمر ستة عشر عاما (16) فقط من انضج واجمل العصور فى تاريخنا الحديث بعد عصر محمد على ويكفى ان ننظر الى القاهرة الآن فنرى لمسات اسناعيل فى كل شئ سياسيا وثقافيا ومعماريا وفنيا وجماليا.
ويقول كرومر عن الخديوى توفيق مايستحقه من كلمات المديح والاطراء من وجهة نظره الاستعماريه:
"انى احفظ بوجه عام اجمل ذكرى لعلاقتي مع ابيه (توفيق) فى مدة التسع السنوات الاولى من تاريخ الاحتلال البريطانى لمصر، ومع انه قد لايكون بالامكان ان يقال ان توفيق باشا كان صاحب مزايا قويه او مقدره فائقه الا انه كان حائزا صفات طيبه نقيه وفيتها حقها من الوصف فى كتابى (مصر الحديثه)."
ولكنه يقول عن عدوه عباس الثانى:
"ان غاية الخديوى فى هذه الحياه على مايظهر بذل الجهد لجمع المال والاثراء باى طريقه استطاعها، وقد جمع بالفعل ثروة عظيمه لم يلبث ان بددها واوقع نفسه فى ارتباك مالى شديد "ثم يضيف" عاش عباس الثانى اكثر ايامه فى اوربا، لذلك خلا ذهنه عن معرفة الشئون المحليه، ولم ار منه مطلقا اى اهتمام صحيح بالمسائل الكثيره المتعلقه بشئون الاداره الداخليه"
ويبرر كرومر خلافاته مع عباس الثانى:
"وهناك سبب آخر دعا الى كثير من النزاع مع عباس الثانى، ذلك انه كان آله فى يد السلطان عبد الحميد فكثرت الدسائس مع الاستانه، وكان ذلك على الاخص اثناء الحادثه المعروفه بحادثة "شبه جزيره سينا" عندما حاول السلطان محاوله اكيده ان يجعل الحدود التركيه على خط يمتد من العريش على شاطئ البحر الابيض المتوسط شمالا الى السويس"
ويقول كرومر مبررا كل تصرفاته وسلوكه امام المسئولين فى بريطانيا:
"انى ابدى هذه الملاحظات لان من اهم أغراضي فى الكتابه عن الشئون المصريه ان اضع امام ابناء وطنى الذين يشتغلون فى ادراة الامور الشرقيه او سياستها امثله تبين الكيفيه التى عولجت بها الحوادث التى كانت تقع فى مصر من حين الى آخر"
ويختم كرومر كتابه عن عباس الثانى بهذه الكلمات:
"والآن فقد قلت مابه الكفايه ليثبت انه اذا نظر الى اخلاق عباس الثانى وسلوكه يتضح انه يستحيل ان يكون بينه وبين نائب الحكومه البريطانيه فى مصر علاقات وداد صادقه.. وازيد على ماتقدم انه اثناء كل هذه الصعوبات لم يكن عندى اقل عداء شخصى نحو عباس الثانى"

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق