الخميس، 26 مارس 2009

حوار مع الكاتب الصحفي محمد سلماوي - أجراه خالد بيومي

محمد سلماوي:

- الأدب لا يقدم للناس ما يعرفونه فحسب وإنما مهمته أن يقدم ما لا يعرفه الناس. - أعتبر نفسي كاتباً مسرحياً في الأساس وإذا تركت بصمة فستكون في المسرح. - إذا خسر المسرح ماديا فالعيب في القائمين عليه.

[caption id="attachment_1189" align="alignleft" width="150"]محمد سلماوى محمد سلماوى[/caption]

محمد سلماوي كاتب متعدد الاهتمامات حيث أصدر 12 مسرحية منها: “الجنزير” و”سالومي” و”تحت الأرض” وغيرها، وكتب رواية وحيدة هي “الخرز الملون” عن القضية الفلسطينية، ونشر عدة مجموعات قصصية، كان آخرها “أزيدورا والأتوبيس” وهو يرأس اتحاد كتاب مصر والأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب. ومن هنا أجرينا حوار مع سلماوي:

في مجموعتك القصصية الأخيرة “أزيدورا والأتوبيس” جمعت بين التراث والحداثة ما الغرض من هذا المزج؟ أهدف إلى إبراز التعارض القائم بين التاريخ والتراث وكل ما ينبثق عنهما من قيم ومبادئ، لأبين كيف تصطدم هذه المبادئ بالحياة العصرية التي تدهس فيها الأتوبيسات كل هذه القيم القديمة.

لكن “أزيدورا” لا يعرفها إلا المثقف المتخصص فهل تعتبر نفسك كاتباً نخبوياً؟ الأدب لا يقدم للناس ما يعرفونه فحسب وإنما مهمته أن يقدم ما لا يعرفه الناس، فالمعروف لا يحتاج إلى كاتب لكي يعيد تكراره مرة أخرى ومهمة الأدب هي تقديم رؤية للأديب يتصور أنها جديدة ومع ذلك فأنا أعتقد أن اسم “أزيدورا” غير معروف تماما للقارئ خاصة من لا يهتم بالتاريخ المصري القديم، فأزيدورا تعني “عابدة إيزيس” وقد كانت ابنة الحاكم الروماني لمصر وأحبت ضابطاً مصرياً وماتت بسبب هذا الحب ومقبرتها موجودة في قرية “تونة الجبل” في محافظة المنيا حتى يومنا هذا.

رغم نشأتك الارستقراطية إلا أنك تغوص بعمق في مشكلات المجتمع؟ المهم في الحياة هو مشكلات المجتمع وقضايا الوطن وليس اهتمامات طبقة أو أخرى.

نلاحظ وجود نوع من الإغراق في استخدام الرموز في المجموعة.. لماذا؟ لأن الأدب يعتمد دائما على الرمز والكلمة في القصيدة الشعرية ليست محصورة فحسب في معناها القاموسي وإنما في دلالاتها الوجدانية والفكرية وأيضا الاجتماعية والسياسية وغيرها وهذا هو الفرق بين العمل الأدبي وغير الأدبي، ففي العمل الأدبي الكلمة والجملة والقصيدة والقصة تشع بالمعاني التي تفجرها أما في العمل غير الأدبي فالدلالة واحدة ومحددة لذا يميل الأديب إلى استخدام الرمز الذي يثري المعنى في عمله الأدبي.

كيف تنظر إلى مسألة الالتزام في الأدب؟ أنا ضد الالتزام حين يكون واجباً مفروضاً على الأديب من الخارج لأنه في هذه الحالة يصبح إلزاما وليس التزاما، أما الالتزام الحقيقي فهو ما ينبع من قناعات الكاتب نفسه وهو ما يثري عمله الفني لأنه يتخطى جماليات العمل إلى تقديم رؤية الأديب أو الفنان للحياة، فإذا كان هذا هو الالتزام الذي تقصده فأنا معه. أما إذا كان الالتزام هو خدمة لأيديولوجيا ما، سواء كانت سياسية أو اجتماعية فأنا ضد ذلك لأن الفن أرقى من أن يستغل في الدعاية لأي شيء آخر.

أنت كاتب مسرحي ما الذي جذبك للقصة؟ أعتبر نفسي كاتباً مسرحياً في الأساس وإذا تركت بصمة على الساحة الأدبية فستكون في المسرح حيث أعتقد أنني أضفت أبعادا جديدة للمسرح المصري بما قدمته من مسرحيات وصل عددها حتى الآن إلى 12 مسرحية وقدمت على المسارح بنجاح كبير وترجم البعض منها وعرض في الخارج مثل مسرحية “الجنزير” التي عرضت في باريس ومسرحية “فوت علينا بكرة” في واشنطن ومسرحية “تحت الأرض” التي عرضت في ألمانيا. لكني كتبت القصة القصيرة قبل أن أكتب المسرح وظلت القصة تلازمني وتتخلل أعمالي المسرحية ما بين مسرحية وأخرى كما كتبت أيضا رواية “الخرز الملون” والتي ستصدر ترجمتها الفرنسية في باريس في أبريل/ نيسان المقبل. واعتقادي الشخصي أن الأديب لا يختار القالب الأدبي الذي يريده وإنما القالب هو الذي يختاره فحينما تأتيني فكرة لا تكون مجردة تماما وأصبح أمام خيارين فإما أن أقدمها في قصة أو في مسرحية، وعندما أحدد خياري يصبح لزاماً علي أن أكتب الفكرة في الشكل المناسب وأجود في تقنياته، وربما كان هذا هو السبب الذي يجعل الكثير من الأعمال التي تنقل من جنس أدبي إلى آخر لا تحقق نفس النجاح الذي حققته في شكلها الأدبي الأول والمثال على ذلك روايات نجيب محفوظ التي تحولت إلى عروض مسرحية.

كتبت رواية واحدة “الخرز الملون” ولم تكرر التجربة، لماذا؟ لا أعرف السبب، هذا العمل جاءني في شكل رواية وظل يلح علي عشر سنوات كاملة إلى أن كتبته حيث لم أستطع الفكاك منه وتصورت أن وقتي الأدبي ينبغي أن أكرسه للمسرح لكن في النهاية لم أبدأ كتابة هذا العمل إلا بعد أن فرض نفسه علي وكتبته وأنجزته.

هل لدينا مسرح عربي يهتم بقضايانا؟ المسرح في رأيي أكثر الفنون اهتماماً بالقضايا المهمة لأنه يعتمد على الحوار، والحوار لا يكون إلا من خلال مشاركة أكثر من طرف بما يعني أننا أمام أفكار متصارعة ومواقف مضادة وشخصيات متباينة وهذا الصراع هو أساس العمل الفني وهو إلى جانب كونه عملا فنيا فإن المسرح يعتبر أيضا فعلا اجتماعيا فهو أقرب إلى البرلمان الذي تتفاعل فيه مختلف الاتجاهات، ثم إن المسرح في حد ذاته يمثل وضعا سياسيا، حيث هناك خطيب على المسرح وجمهور أمامه وهذا ما يجعل المسرح أنسب الأشكال الأدبية للارتباط بالقضايا القومية الكبرى فقد يستطيع الشاعر أن يكتب قصيدته عن مشاعره تجاه المرأة التي يعشقها، لكن جمهور المسرح لا يقبل أن يكون هذا وحده هو موضوع العرض المسرحي بل هو يتوقع من الكاتب المسرحي أن يحدثه في همومه الوطنية والاجتماعية والسياسية، يضاف إلى ذلك أن القضية السياسية تفرض نفسها على مجتمعاتنا العربية بشكل كبير وهذا ما يجعل المسرح السياسي ينتعش في الفترة الحالية.

هل المسرح مؤثر وسط صراع الفضائيات؟ طبعا المسرح مؤثر جدا وهو يؤثر فيما لا تستطيع الفضائيات التأثير فيه، أي أن المسرح مثله مثل القصة والرواية والقصيدة يخاطب الوجداني ويغير من النفس بينما الفضائيات قد تخاطب العقل في أفضل صورها وتخاطب الغرائز في أسوئها.

المسرح العربي عمره مائة وخمسون عاما بدأ مع مارون النقاش فهل استطعنا أن نقول للعالم نحن أيضا لدينا مسرح؟ بالتأكيد، إن ما قدمه توفيق الحكيم وعبد الرحمن الشرقاوي ورشاد رشدي وميخائيل رومان ويوسف إدريس ونعمان عاشور وغيرهم، أضاف إلى المسرح العالمي أبعادا جديدة لم تكن قائمة من قبل وهناك للناقد الأمريكي “روجر آلان” كتابات كثيرة عن مسرح توفيق الحكيم تشير إلى مثل هذا الإنجاز الكبير.

أين الموضوع الذي يؤثر في الناس على الرغم من النصوص المتوافرة؟ الحقيقة أن ما يؤثر في الناس ليس هو الموضوع في حد ذاته وإنما معالجة الأديب له الذي يحوله إلى عمل فني يخاطب وجدان الناس ومشاعرهم ويسمو بهم فوق الاعتبارات الآنية لحياتنا اليومية، فالشكل في العمل الفني لا يقل أهمية عن الموضوع، بل أقول صراحة إنه هو الذي يحدد قيمة الموضوع ومدى تأثيره في وجدان الناس.

لماذا لم يعد المسرح الاجتماعي والسياسي مؤثرا في الشارع العربي؟ لأن المسرح مثله مثل كل الفنون لا يؤثر في الشارع، ما يؤثر في الشارع هو الحزب والجريدة وغيرهما، أما الفن فيؤثر في النفس وفي القلب وهو التأثير الأكبر لأنه التأثير الباقي الذي يتولد عنه المواقف.

لماذا يخسر المسرح ماديا الآن؟ إذا خسر المسرح ماديا فالعيب في القائمين عليه لأني حين أنظر إلى مراكز المسرح في العالم مثل نيويورك ولندن وباريس أجد مكاسب بملايين الدولارات على مدى الموسم، فالقائمون على المسرح عندما ينبغي أن ينتبهوا إلى أن المسرح ليس نصا أدبيا فقط بل هو أيضا عمل تجاري ينبغي أن تتوافر له كل سبل النجاح مثل الإبهار والدعاية وحسن التسويق وهو ما نفتقر إليه.

في غمرة انشغالك بالعمل الإبداعي هناك انشغال بالصحافة وكتابة الزاوية الأسبوعية، إلى أي مدى استطاع العمل الصحافي أن يخدم التوجه الإبداعي لديك، أم أنه يشكل عائقاً؟ لقد فعل الاثنين معا فلاشك أن الوقت الذي يأخذه مني عملي الصحافي سواء كرئيس تحرير أو كاتب مقال ينتقص من وقت الإبداع الأدبي وأنا أتطلع إلى مرحلة قريبة حين أنتهي من أعبائي الإدارية لكي أتفرغ للكتابة وحسب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق